أصدرت الخارجية الصينية بيانًا تستنكر فيه تغريدة لبعثة الأمم المتحدة في تايوان. التغريدة لا تقول شيئًا سوى الإشادة بجهود تايوان في مكافحة جائحة «كورونا» واعتبارها نموذجًا يُحتذى به، لكن الخارجية الصينية اعتبرت تلك الإشادة تدخلًا سافرًا في الشئون الصينية الداخلية، وانتهاكًا خطيرًا لسيادة الصين ووحدة أراضيها!

دولي

منذ 3 شهور
هذه الدول ركعت في الخفاء أمام التهديد الأمريكي

استطرد البيان الصيني ليُعلن اعتراضه المُسبق على أي دعوة مستقبلية بضم تايوان عضو في الأمم المتحدة أو منظمة الصحة العالمية. فتايوان محرومة من التواجد في المنظمات والهيئات الدولية، والصادم أنها كانت عضوًا مؤسسًا للأمم المتحدة وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، لكنها خسرت كل ذلك لصالح الصين، وتُرفض كل طلبات تايوان للانضمام تحت أي مسمى لمنظمة غير سياسية مثل منظمة الصحة العالمية، فما السر؟

بيان الخارجية الصينية كان في أوائل مايو (آيار) 2020، ولم يكد الشهر ينتهي حتى أعلنت الولايات المتحدة عن بيعها 18 طوربيدًا ثقيلًا من طراز «إم كي -48» لتايوان، في صفقة قيمتها 180 مليون دولار. الخارجية الأمريكية قالت أن هذه الصفقة تخدم في الأساس المصالح الأمنية والاقتصادية الأمريكية، وأن مساعدة تايوان يُعتبر أولوية استراتيجية للولايات المتحدة.

دخلت الصين مرة أخرى على الخط، أعلنت عن غضبها الشديد من الصفقة المزمعة، وقالت الخارجية الصينية أنها تحث الولايات المتحدة على التوقف عن تقديم أي دعم لتايوان للحيلولة دون وقوع مزيد من الضرر على العلاقات الصينية الأمريكية. فما علاقة الولايات المتحدة بتايوان، وإذا كانا حليفيّن بهذه الدرجة، فلماذا لا تُعيدها الولايات المتحدة للحظيرة الدولية باعتبارها دولة مستقلة؟

من يتحدث باسم الشعب؟ الكل يجيب إلا الشعب

السر في هذا الصراع الثلاثي أوضح مما تتخيل، السر في الأسماء. الدولة التي نعرفها اليوم باسم الصين، اسمها بالكامل «جمهورية الصين الشعبية»، أما تايوان فتُعرف باسم «الصين الوطنية»، ثم أطلقت تايوان على نفسها «الصين الحرة» لتشير إلى عدم شرعية جمهورية الصين الشعبية. لكن في نهاية المطاف خسرت تايوان كل الألقاب التي تبدأ بـ«الصين» وأصبحت تايوان فقط، وباتت كلمة الصين وحدها دلالةً على جمهورية الصين الشعبية أو دولة الصين التي نعرفها اليوم.

لكن إن كان هذا نهاية المطاف، فكيف كانت بدايته؟ البداية بانقسام بين أهل الصين إلى قوميين يُعرفون بـ«الكومينتانج» وشيوعيين، وتطور الانقسام لحرب أهلية. توقف الحرب الأهلية عام 1937 في هدنةٍ لمواجهة الغزو الياباني، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان، عادت الحرب الأهلية للاشتعال مرةً أخرى. لكن ما تغيّر هذه المرة أن الشيوعيين حققوا نجاحًا عسكريًا لتقوم بذلك الثورة الشيوعية الصينية المسلحة، ويُعلن ماو تسي تونج في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 1949 عن نشأة جمهورية الصين الشعبية.

Embed from Getty Images

بذلك لم يعد للقوميين مكان في البلاد، فجمع شيانج كاي شيك، مليونين من أتباعه إضافةً لجنود جيشه المؤمنين بشرعية حكمه ويستقروا جميعًا في جزيرة تايوان، التي كانت جزءًا من الصين آنذاك. أعلن شيانج أن الجزيرة عاصمة مؤقة لجمهورية الصين الوطنية، ورفض الاعتراف بشرعية حكم ماو تسي، وأكد أنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصيني كاملًا.

قويت شوكة شيانج مع كل مرة يفشل فيها جيش التحرير الشيوعي في غزو جزيرة تايوان، وزاد تردد الولايات المتحدة حتى اختارت الصمت على لسان هاري ترومان، رئيسها آنذاك، الذي قال أن بلاده لن تتدخل في أي نزاع داخلي، كان يطمع ترومان أن يسحق جيش التحرير الشعبي البالغ ثلاثة أضعاف جيش شيانج جزيرة تايوان بكاملها.

عام واحد وقامت الحرب الكورية، لذا قررت الولايات المتحدة دعم كل ما ليس شيوعي، فأرسلت الأسطول البحري السابع نحو مضيق تايوان لحمايتها. اشتاطت الصين الشيوعية غضبًا وكثفت هجماتها ورعدت نُذر الحرب أكثر من مرة بينها وبين الولايات المتحدة، وبجانب الدعم العسكري استمر الدعم الأمريكي لتايوان، باعتبارها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الصيني، وبالتالي احتفظت بحقها في التمثيل الدولي في كامل الهيئات العالمية.

غدر الأصدقاء.. الولايات المتحدة لا تراهن على «الخاسر»

بعد 20 عامًا من القطيعة أدركت الولايات المتحدة أن مصلحتها مع الصين الشيوعية أكبر من مصلحتها مع تايوان، لذا اعترف ريتشارد نيكسون، الرئيس الأمريكي آنذاك، بالصين الشيوعية وحصلت على مقعد تايوان في الأمم المتحدة. كما زار نيكسون بكين وقابل ماو تسي عام 1971. مات ماو تسي عام 1976 دون أن ينجح في غزو جزيرة تايوان، وبعد وفاته أخذت السلطات الصينية منحنى أقل صرامة مع تايوان.

رأي الأمريكيون الفرصة سانحة ليربحوا الصين دون أن يخسروا تايوان، ففي عام 1979 وضع الأمريكيون الأساس الرسمي للعلاقات الدبلوماسية مع الصين باعتبارها المتحدث الشرعي باسم الشعب الصيني. لكن في الوقت نفسه مرّر الكونجرس الأمريكي قرارًا يسمح ببيع السلاح لتايوان، ومنحها درجة «مميزة» في التعامل العسكري.

لكن الصين لم تقنع بذلك يومًا، ثلاث جزر خروجوا عن سيطرة الصين الشعبية ويجب أن يعودوا لها بأي ثمن. هونج كونج التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني حتى عام 1997، وماكاو التي كانت خاضعة للبرتغال، وفورموزا، التي تعني الجميلة المستقلة. ماكاو عادت لحضن الصين خاضعةً، أما هونج كونج فعادت لكنها لا زالت تثير القلاقل حتى هذه اللحظة، أما فورموزا، التي أصبحت لاحقًا تايوان، فلم تعد حتى اليوم.

Embed from Getty Images

يؤكد الرئيس الصيني شي جين بينج مرارًا أن بلاده لن تتنازل عن ضم تايوان بأي ثمن، حتى لو كان الثمن استخدام القوة العسكرية. بكين لا تُهدد جزافًا، فقد نفذت على مدار عام 2019 تدريبات جوية وبحرية حول الجزيرة، ومارست ضغوطًا دبلوماسية وعسكرية على الجزر والبلدان الأخرى التي تدعم تايوان حتى تراجع العديد منهم. فتايوان بالنسبة للصين جزء من العائلة الواحدة، الصين الكبرى، واستقلال تايوان مطلب معاكس للتاريخ والواقع ولا مستقبل له.

تايوان وهونج كونج.. رفيقان في الرفض والقمع

رغم الضغط الصيني المتزايد إلا أن تايوان تتسمك بالـ«لاءات الثلاثة» التي وضعها زعيمها شيانج، لا للتفاوض، لا للتسوية، لا للتواصل. لكن تنازلوا عن الثالثة وسمحوا للمواطنين بزيارة الصين للقاء أصدقائهم وعائلاتهم، لكن دون توقيع أي مرسوم رسمي. لم تنخدع تايوان كذلك بوعود الصين تحت شعار «بلد واحد، نظاما حكم»، الوعد الصيني يقول أنه إذا انضمت تايوان للعلم الصيني، فسوف تحتفظ باستقلالها وسيادتها كاملة دون أي نقص.

تايوان رفضت تلك الدعوة رسميًا، ولم يحتج الأمر نظرةً ثاقبة لتدرك الخداع. بلد واحد بنظامي حكم، هو الشعار القانوني نفسه الذي تندرج تحته هونج كونج. فرسميًا هونج كونج إقليم ذو سيادة مستقلة، لكن الواقع يقول أن بكين لن تهدأ حتى تُخضعه تمامًا، والمظاهرات المتتابعة والعارمة التي يشهدها الإقليم أفضل شاهد. كما أن الصين التي تتبنى سياسة الرأي الواحد، والمذهب الواحد، يصعب أن تحتوى دولةً متعددة الأعراق والأديان مثل تايوان.

لكن لا يمكن إنكار أن الرفض التايواني لا يستمد قوته من مجرد إدراكه لحقيقة التنين الصيني فحسب، بل اطمئنانًا لدعم الولايات المتحدة كذلك. وبرغم أن الأخيرة خانتها مرةً، إلا أن تايوان تعلم جيدًا أن الإدارة الأمريكية لن تسمح للتنين الصيني بابتلاع منطقة أخرى ستزيد من شراسته.

جدير بالذكر أن 73% من المجتمع التايواني يُحبذ زيادة العلاقات مع الولايات المتحدة، خاصة مع حكم دونالد ترمب، لذا لا غرابة في أن يختار الشعب التايواني رئيسةً مثل تساو ونج ون، المناهضة للانضمام إلى الصين ورافعة لواء الاستقلال.

Embed from Getty Images

أصبحت الحكومة التايوانية في عهد ترمب أكثر انفتاحًا في الحديث عن الدعم العسكري الأمريكي لتايوان، الأمر الذي لم يكن يحدث في عهد السابقيّن باراك أوباما وجورج دبليو بوش.

ومناكفةً في بكين وافق ترامب في سبتمبر (أيلول) 2018 على صفقة أسلحة بقيمة 330 مليون دولار لتوفير خدمات صيانة للأسلحة التي اشترتها تايوان سابقًا من الولايات المتحدة. لتأتي تلك الصفقة بعد شهر واحد من الموافقة على صفقة ضخمة بقيمة 1.4 مليار دولار تتضمن صواريخ متقدمة وطوربيدات بحرية وأنظمة إنذار مبكر.

كذلك حصلت تايوان على النسخة المحدّثة من مقاتلات «إف 16-في»، والتي تعد نقلةً مهولة في طبيعة الأسلحة التي كانت تحصل عليها تايوان، فمن مجرد الأسلحة الأمريكية المُخزّنة والتي لم تعد وزارة الدفاع الأمريكية بحاجة لها؛ إلى الحصول على ترقيات ونسخ متطورة من تقتنيات عسكرية معقدة.

لا خاسر في معركة الشطرنج إلا البيادق

أحدث ما أثار غضب الصين كان دعوة الولايات المتحدة لتايوان للمشاركة في مناورات هندية أمريكية مشتركة. غضب التنين الصيني لهذا التطور العسكري، وغضب أكثر لأن الولايات المتحدة اعتبرت تايوان «دولة». وفي يوليو (تموز) 2018 هددت الصين بإدراج كل شركات الطيران التي تعتبر تايوان دولة في قائمة سوداء، ترمب لم يبال وشرع يستخدم مصطلح «دولة تايوان» في المخاطبات والوثائق الرسمية، بدلًا عن قول «تايوان» فحسب.

الصين ترفض أيضًا أن تشارك تايوان في المحافل الرياضية العالمية أو الأولمبية تحت مسمى الصين الوطنية، وإنما تُسمى نفسها «تايبيه الصينية»، نسبة إلى عاصمة تايوان، ولأنها تُعتبر دولة، ولا تشارك بصفتها دولة ذات سيادة مستقلة، فإن تُحرم من استخدام نشيدها الوطني أو علمها الخاص، ويُمنع على مشجعيها الدخول بأعلام بلادهم إلى محفل رياضي عالمي.

الاتفاقات الموقعة بين الصين والولايات المتحدة تحظر على الإدارة الأمريكية إجراء أي اجتماع رفيع المستوى مع أي مسئول تايواني، ويحتال الطرفان على تلك البنود بالاجتماع عبر الفيديو في أي مقر له نشاط ثقافي أو بحثي، ولا يتبع بشكل رسمي الحكومة الأمريكية أو التايوانية. هذا الالتفات نحو مزيد من التقارب مع تايوان يدعمه رجال الكونجرس، ديموقراطيون وجمهوريون. وعلى النقيض يدفع كبار رجال الكونجرس إلى تقليل التخفيض الدبلوماسي مع الدول التي تقطع العلاقات الدبلوماسية مع تايوان لصالح الصين.

هذا الاقتراح طواه النسيان إذ أن دولًا كبرى تقتطع علاقتها رسميًا وعلنًا بتايوان إرضاءً للصين، ربما توجد العلاقات بشكل غير رسمي لكنه غير معلن، أما الدول التي تُعلن عن علاقتها غير الرسمية بتايوان فعددهم 23 دولة، وأشهر الباراجوي والهندرواس، والباقون أقل شهرة، لدرجة أنك قد لا تعرف أنهم دول موجودة بالفعل.

لكن رغم ذلك يبقى للخطوات الأمريكية وزنها، ربما لا تفعل الولايات المتحدة ما تفعل حبًا في تايوان بقدر ما هو وعي بقيمتها الاستراتيجية، فرجال الكونجرس يرونها «حاملة الطائرات غير القابلة للغرق»، فتايوان بالنسبة للولايات المتحدة ليس إلا قاعدة عسكرية، لكن بحجم دولة مساحتها قرابة 37 ألف كيلو متر. قاعدة عسكرية باعت لها الولايات المتحدة أسلحةً بقيمة 26 مليار دولار منذ عام 1980 وحتى عام 2010، وتبعد عن العدود اللدود، الصين؛ 140 كيلو متر فقط.

علوم الثورة

منذ 6 شهور
«نيويورك تايمز»: كيف كانت أزمة الهوية سببًا في احتجاجات هونج كونج؟

رغم هذا التقارب المتنامي، لا يمكن أن نرى تايوان إلا كونها بيدقًا تحركه واشنطن على رقعة شطرنج يجلس حولها لاعبان قويّان، بكين وواشنطن. تستخدمها الولايات المتحدة للمناورة حينًا، ولتبقى مكانًا مناسبًا لاحتمالية قيام حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة والصين من وراء ستار تايوان. ويمكن ببساطة أن تلقيها الولايات المتحدة خارج الرقعة مثلما تخلّت عنها لحظة اعترافها بالصين الشعبية. قد تكون تايوان مدركةً لذلك، لكن فات أوان استقلالها عن الولايات المتحدة، لأنها صارت طفلًا مدللًا في كل الأحوال، إما أن تفترسه الصين أو الولايات المتحدة، وأنياب الأخيرة، تبدو أكثر أناقةً وأقل حدة.

المصادر

تحميل المزيد