«تم تحرير مدينة تعز بالكامل من ميليشيا الحوثي»، هذا الخبر الذي أعلنته قوات الجيش اليمني والتحالف العربي، مساء 11 مارس (آذار)، أثلج صدور الكثير من اليمنيين، بخاصة أهالي المدينة المُحاصرين منذ نحو عام، تحت وطأة تداعيات الحرب.

فمع وقع دخول المساعدات الغذائية والطبية، ورفع المعاناة عن المواطنين، تغير الأمر كليًّا في المدينة. ولأنها مدينة تحظى بقيمة رمزية كبيرة على الصعيد الوطني اليومي، كان تحريرها حدثًا كبيرًا، أعاد شيئًا من الروح التي أرهقتها الحرب.

ولم يكن أهالي تعز وحدهم من احتفلوا بـ«تحرير» مدينتهم، إذ شاركهم الفرحة، أهالي المدن والمحافظات اليمنية المختلفة. حتى في العاصمة صنعاء، الواقعة تحت سيطرة الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، لم تختفِ مظاهر الفرحة تمامًا. لقد كان الناس يُوزّعون الحلوة والورود هُناك، وارتدى الأطفال أزياء العيد.

أحمد المليكي، شاب في العشرينات من عمره، من سُكان تعز، وتحديدًا منطقة الحوض الأشرف. كان المليكي من النازحين إلى القرى المحيطة بتعز مذ بدأت الحرب. أغلب سكان منطقته نزحوا كذلك، بخاصة القريبون من خطوط التماس مع الحوثيين.

في 11 مارس (آذار) الجاري، تغيّر الحال بالنسبة للمالكي. في حديثه لـ«ساسة بوست»، وسط الأجواء الاحتفالية، قال الشاب التعزي: «فرحتي لا توصف، تذكرت نفسي حينما كنت طفلًا وانتظر العيد في الصباح، حتى الأطفال من حولنا فرحين لأنهم سيعودن لحياتهم الطبيعية، سيذهبون للمدرسة والحديقة، وسينامون بأمان».

ومع فرحته، ما تزال صور الحرب تجتاح ذكرياته: «حينما كنا نريد أن ندخل المدينة. كان الحوثيون يرفضون ذلك، كان يتوسطنا شاب سارع لتجاوز الحاجز الأول. كنا ننظر لبسالته، لكن في لحظة واحدة أصبحنا ننظر لدمائه النازفة، فقد قنصه الحوثيون، وسقط شهيدًا».

أهالي تعز لا يُحبذون وجود الحوثيين بينهم، والحوثيون ليسوا متوافقين تمامًا مع أهالي الجنوب اليمني. لقد كان وجود الحوثيين في تعز بمثابة المأساة بالنسبة لأحمد المليكي. الحصار الذي ضُرب على المدينة، وضعها في حال «لا توصف»، كما يقول المليكي، الذي يُوضح قائلًا: «دمار هائل، لقد استخدم الحوثيون كل أنواع الأسلحة ضدنا. الكهرباء مفصولة عنا منذ رمضان الماضي، وكذلك الماء منقطع باستمرار، أما المواد الغذائية، فكانت تأتي إلى المدينة بالطرق البدائية ومن الجبال بالتهريب وبأغلى الأسعار».

زاوية أخرى

على مدى أكثر من عام من الحصار والحرب، عاش شباب المدينة وشيوخها، ونساؤها وأطفالها، أيامًا لن تُمحى بسهولة من الذاكرة، كما حدث مع مراسل التلفزيون اليمني الرسمي، طارق فؤاد البنا. لم يُمحَ من ذاكر البنا بعد مشهد فقدان اليمني محمد القدسي لبناته السبعة بصاروخ كاتيوشا، كما لم يُمحَ من ذاكرته غير ذلك من المشاهد. يقول لنا البنا: «مشاهد الحصار الذي فرضته مليشيا الحوثي على المدينة مُرهقة للذاكرة، كنت أتمزق عندما أسمع عن ضرب النساء وآهاتهن من قبل أفراد المليشيا عند المعابر».

YEMEN-CONFLICT

ومن بين هذه الذكريات البائسة، ثمّة زاوية أُخرى رآها الصحافي اليمني، «روح أخرى لم يكن يعرفها كثير من الناس قبل الحرب»، يقول البنا، واصفًا الروح بأنّها «خففت كثيرًا من وجع تصاعد أرواح مئات من الشهداء، وصنعت في محل الشهيد ألف إرادة حية. في تعز كنت أرى طفلة توزع الحلوى على شباب المقاومة، وعجوز تفقد ابنها المقاوم فتقول بثبات بقي [4 من إخوته، كلهم فداء لتعز.

انهزام الحوثيين

أدى حصار تعز وضربها عسكريًّا من قبل الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع، إلى مأساة إنسانية كبيرة، كان مرضى المدينة يموتون في المستشفيات جراء انقطاع الكهرباء ونقض الأدوية والمستلزمات الطبية، ما دفع السكان إلى النزوح في موجات كبيرة إلى القرى والأرياف.

هذا، ويعتقد المدون والناشط اليمني، حمزة علي، في حديثٍ لـ«ساسة بوست»، أنّ تحرير تعز بمثابة الحدث الفارق والهام في سير المعارك باليمن، فالمدينة تُعد همزةَ وصل بين الشمال والجنوب، كما أنها بوابة عبور لكلٍّ من عدن وصنعاء. ويُشير علي إلى أن تحرير المدينة أيضًا أدى إلى «وأد بعض الطموحات الجنوبية الانفصالية».

يؤكد الناشط والمدون اليمني «حمزة علي» لـ«ساسة بوست» على أن تحرير مدينة تعز «حدث فارق وهام» في سير المعارك باليمن، إذ تعد المدينة همزة الوصل بين الشمال والجنوب، وهي بوابة العبور لكل من عدن أو صنعاء، كما أن تحريرها سيفتح المجال أمام وأد بعض الطموحات الجنوبية الانفصالية، إذ إنّ «فك الحصار يعني إمكانية التواصل بين الشمال والجنوب»، وفقًا لحمزة علي.

على الجانب العسكري، يبدو أن إعادة سيطرة قوات الجيش اليمني والمقاومة الشعبية على مدينة تعز، تُقلّص من المجال الجغرافي أمام الحوثيين، الذين باتوا شبه مُحاصرين في صنعاء ومحيطها الضيق، في النهاية قد يُؤدي ذلك إلى فقدانهم ورقة ضغط هامة في المفاوضات، كما يرى الناشط اليمني حمزة علي.

YEMEN-CONFLICTوبالنسبة إلى عليّ فإن تراجع الحوثيين وانحسار تمددهم يبدو طبيعيًّا، كونهم شبه مُحاصرين لما يقارب العام، بالإضافة إلى الدور الذي لعبه طيران التحالف الدولي، وتغطيته لتحركات القوات اليمنية التي أُسندت إليها قيادة المعركة، بعد تدريبها في معسكر العند (يقع بين تعز وعدن).

أخيرًا، قد يُوضح قبول الحوثيين بحل التفاوض وإرسالهم وفدًا إلى الرياض، موقفهم على أرض المعركة. يختم حمزة علي حديثه قائلًا: «الحوثيون الآن في خيار التسليم والرضا بعودة عبد ربه منصور هادي، وتنفيذ القرار الدولي 2216. وهو تسليم أشبه بالانهزام الآن».

عرض التعليقات
تحميل المزيد