A fighter loyal to Yemen's exiled President Abedrabbo Mansour Hadi guards the gate leading to the governorate building in Yemen's third city Taez, after they seized it from rebel fighters on August 18, 2015. Pro-government and rebel forces have for months fought over Taez, seen as crucial gateway to the rebel-held capital Sanaa. AFP PHOTO / AHMAD AL-BASHA (Photo credit should read AHMAD AL-BASHA/AFP/Getty Images)

تعيش مدينة “تعز” اليمنية أوضاعًا مأساوية، مُشكلة محطة بارزة في الصراع اليمني مع الحوثيين، هذه المدنية المحاصرة الآن تدفع ثمنًا باهظًا؛ لأسباب عدة تسببت فيها طبيعة المدينة الجغرافية، وخصائص سكانها ودورها السياسي.

فالحوثيون، مع قوات الرئيس المخلوع علي صالح من جهة، والجيش النظامي اليمني وقوات القبائل التي يقودها التجمع اليمني للإصلاح الذي تعد المدينة أكبر معاقله،مدعومة بالتحالف السعودي الإماراتي من جهة أخرى بتناقضاته، يشكلون خارطة المدينة بين القتال والحصار ومحاولات الحوار والتفاوض.

أهمية مدينة «تعز»

492613042جغرافيًا، تقع محافظة تعز في الزاوية الجنوبية الغربية لليمن، وهي تفصل بين جنوبه و شماله، أي تقع بين جنوب العاصمة “صنعاء” وشمال “عدن” العاصمة المؤقتة، وهي تربط اليمن ببحر العرب على المحيط الهادي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر، لذلك تعد نقطة التقاء بين قارتي آسيا وإفريقيا، أما أهم ما يميزها جغرافيًا أنها تطل على “مضيق باب المندب”، أهم ممرات التجارة الدولية الذي تمر عبره 22 ألف سفينة في العام، أبرزها ناقلات النفط.

سكانيًا، تحتل تعز المرتبة الأولى في الكثافة السكانية، ثقلها السكاني يبلغ نحو5 ملايين نسمة، هذه الملايين هم الأكثر تعليما وثقافة على مستوى اليمن، إذ يشكلون نواة الطبقة الوسطى المتحررة من الروابط القبلية اليمنية، والمنكبين على الأعمال التجارية والمهنية المتنوعة، ويصف عضو اللجنة الإعلامية للثورة الشبابية تعز علي الشريف المدينة بأنها:”التجسيد الأكبر لمفهوم المدنية المتحررة من روابط القبلية والمذهبية، مما جعل الفرد أكثر تحررا من روابط الاجتماع الضيقة، ما يؤهل تعز وأبناءها لروابط من الاجتماع أوسع وأكثر استيعابا للهوية الوطنية”.

سياسيًا، لتعز تأثيرها الكبير على الوضع السياسي الأمر الذي يجعلها مفتاح التغيير السياسي والعسكري دائمًا، ذلك أن أبناء هذه المحافظة هم من النخبة المتنفذة، ويسجل التاريخ أن أبناء تعز وصلوا أعلى مناصب في سلطة الدولة الجنوبية قبل الوحدة عام 1990، وتواجدوا في كل أجهزة الدولة.

يقول الأستاذ في جامعة صنعاء د. عبدالله ناصر:”تعز تمثل خيط المسبحة الذي يمكن أن يجمع بين الشمال والجنوب وهم حجر عثرة أمام المشاريع الصغيرة التي يسعى البعض إلى تمريرها في اليمن، وفي مقدمتها المشروع الحوثي القائم على الاصطفاء بفعل الجين الوراثي الذي تدعيه وحصر الولاية في البطنين، فضلاً عن مشروع التوريث الذي يسعى إليه صالح”.

تعز، مدينة الثورة

463203884

في اليمن، تعد مدينة تعز أهم بؤرة ثورية على مر التاريخ، فخلال العقود الماضية تصدرت المدينة المشهد الثوري، كان ذلك منذ عهد الأئمة الزيديين، وصولًا لعهد الرئيس المخلوع علي صالح، تصدت المدينة للإمامة والسلالية طوال تاريخ، وكانت المحرك الأساسي للقضاء على حكم الأئمة في الشمال الذي قارب على ألف سنة والقادم من جبال طبرستان في إيران.

وهي أيضا مهد الثورة اليمنية التي اندلعت في 2011 وأطاحت بنظام صالح بعد 33 عام من الحكم السلطوي، يقول المسئول الإعلامي بالمجلس التنسيقي للمقاومة الشعبية بتعز “رشاد الشرعبي” أن : “تعز مدينة ثورة 2011 التي تمددت لأنحاء اليمن، وأدت إلى خلع صالح من الحكم، وهي أكبر المحافظات سكاناً، وأبناؤها الأكثر تعليماً وانتشاراً في البلاد، ولهم دور كبير في الثورة والمسيرات الرافضة للانقلاب الحوثي، والمتمسكة بالشرعية منذ السيطرة على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014”.

وقد شكل ارتفاع المستوي التعليمي والثقافي لأبناء تعز، وانخراط أغلبهم في المشاركة السياسية دافعًا قويًا لأن يكونوا أكثر إدراكا للعمل الثوري والسياسي، وهم الأكثر تحررًا من قيود الأحزاب والأكثر حرصًا على التوفيق بين العمل السياسي والفعل الثوري، وكما يشير المحلل السياسي اليمني نبيل البكيري إلى أن “راديكالية ثوار تعز تعود إلى نسبة الوعي المرتفعة تعليميا وثقافيا وسياسيا، فهذه العوامل تتحكم بصياغة الثائر التعزي، ويصبغه بهذا الشكل الراديكالي”.

سر تمسك الحوثيين بـتعز

“من يسيطر على تعز يسيطر على اليمن”، هذه المقولة التاريخية أيقنها جيدًا الحوثيون خلال صراعهم في اليمن، لذلك خصصوا ما يقارب من ثلث قواتهم المتحالفة مع قوات المخلوع علي صالح لسيطرة على المدينة، هؤلاء انضووا تحت 13 لواء من النخبة والحرس الجمهوري، وجهزوا بأعتى الأسلحة الحديثة.

إذ تعد مدينة تعز مفتاح الدخول للعاصمة اليمنية صنعاء، وسقوطها يعني التقدم نحو الحديدة وصولا إلى ذمار وصنعاء، لقد أدرك الحوثيون أن سيطرة الجيش النظامي اليمني على المدينة يساهم في التسريع بعملية الحسم العسكري الذي سيقضي عليهم، ففقدانهم للطريق الساحلي لتعز ميناء المخا وباب المندب، يعني فتح خطوط إمداد لجبهات الحديدة وصنعاء، ومن ثم الوصول إلى محافظة الحديدة، وبذلك يسهل حصار الحوثيين اقتصاديا وعسكريا وإضعافهم حتى التراجع، كذلك استغل الحوثيون السيطرة على المدينة في تحقيق مكاسب سياسية، كاستخدامها ورقة لتحسين شروط تفاوضهم في جنيف2، أو أي مشروع حوار وتفاوض.

يقول رئيس مركز جهود للدراسات عبد الستار الشميري: إن”تحرير تعز سيفتح الباب أمام جهود الجيش الوطني المدعوم بقوات التحالف العربي وتوجيهات الرئيس هادي في تحرير إقليم تهامة، لتجد محافظات الشمال، بما فيها صنعاء، نفسها محاصرة بين فكي كماشة، ما سيعجل بحسم الحرب بشكل شبه كامل لمصلحة قوات الشرعية والتحالف العربي. وتابع القول:”حسم معركة تعز سيفتح خيارات عسكرية جديدة لقوات التحالف العربي والجيش الوطني؛ كالتوقف مثلاً عند حدود إقليم أزال وحصاره اقتصادياً وسياسياً، حتى تغدو صنعاء قرية خاوية، وقد تسقط دون تدخل عسكري كما حدث في مواجهات تاريخية عدة”.

حصار تعز وأزمتها الإنسانية

الغذاء، الماء، الدواء، الغاز، وأشياء أساسية أخرى تمنعها مليشيات الحوثيين وقوات صالح عن مدينة تعز منذ ما يُقارب منذ تسعة شهور، لم يقتصر الأمر على ذلك، ففي المدينة العريقة تنتشر القمامة وبرك المياه الراكدة في كل مكان، لذلك تواجه المدينة تصنيف “انعدام الأمن الغذائي على مستوى حالة الطوارئ”، هذا التصنيف في المقياس الدولي الذي يتضمن 5 درجات يسبق “المجاعة” بدرجة واحدة.

تُحكم مليشيات الحوثيين قبضة حصارها على تعز، وتمنع دخول أي شيء من الإمدادات الغذائية والطبية، تقيد حركة المواصلات بشكل تام، يضعون الحواجز الأمنية في المدخل الشرقي والغربي للمدينة، فقد نصب هؤلاء المقدر عددهم بـ ٢٠ ألف مقاتل و ٢٠ قائداً عسكرياً أكثر من 26 حاجز ونقطة تفتيش حول المدينة.

تغلق هذه القوات منافذ المدينة بإحكام، فمنفذ “فرزة صنعاء”، وهو المنفذ الرئيس تم إغلاقه بحواجز خراسانية تمام كمنفذ “جولة القصر”، بينما تم تلغيم منافذ أخرى مثل منفذ الدمغة الذي يقع في الجهة الجنوبية الشرقية للمدينة، أما المنفذ الوحيد المفتوح هو “منفذ الدحي” الذي يطلق عليه اليمنيون “معبر الموت”، إذ تنتشر عليه نقاط تفتيش عديدة، ويتنقل عليه اليمنيون الجوعى مشياً على الأقدام لمسافات طويلة بحثًا عن الطعام في المناطق المجاورة.

فيما يتعلق بالمرضي في تعز كان الوضع أكثر مأسوية، منع عن هؤلاء جميع أنواع الأدوية، والمستلزمات الطبية وأولها الأوكسجين، وتسبب الحصار الخانق على المدينة في إغلاق 16 مستشفى بالمدينة، وبقيت أربع مستشفيات فقط تقاتل من أجل خدمة المرضى والجرحى. وفي محاولة للتغلب على الوضع الصحي ومساعدة المستشفيات اضطر المتطوعون إلى سلوك الطريق الجبلي للالتفات على الحواجز التي يقيمها الحوثيون لمصادرة أي شيء يدخل المدينة، ولذلك يتمكنون من تهريب القليل من الأدوية وأنابيب الأكسجين للمدينة.
ولمواجهة هذا الوضع، أطلق عدد كبير من المدونيين والمغردين على مواقع التواصل الاجتماعي حملة “ارفعوا الحصار عن تعز” بعدة لغات لوضع العالم في صورة تفاقم الوضع الغذائي والصحي في تعز.

تعز و خذلان الإمارات

501614676يقود صفوف المقاومة الشعبية اليمنية في تعز حمود المخلافي، القيادي المحسوب على حزب الإصلاح اليمني ذراع تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، لذلك عندما أعلنت السعودية عمليتها “عاصفة الحزم”، وتقاسمت قواتها مع الإمارات الأماكن اليمنية، كان نصيب الإمارات أن سيطرت على أغلب مناطق الجنوب التي من ضمنها مدينة تعز، أما السعودية فسيطرت السعودية على أغلب المناطق الشمالية.

وبسبب العداء المعلن بين تنظيم الإخوان والإمارات، ولتخوف الأخيرة من صعود حزب الإصلاح اليمني تشير تقارير إلى انسحاب الإمارات من تعز، ومنع الجيش الوطني من التقدم إليها، تحت مبرر أن” الأولوية يجب أن تكون لمكافحة الإرهاب والأمن الداخلي، وأن على تعز أن تنتظر”، وذكرت المصادر اليمنية أن مدرعات وآليات الجيش الوطني توقفت عند مثلث العند في لحج، وتراجعت عن تعزيز المدينة عسكريا كما كان مقررا ضمن خطة التحالف.

وقد قال ذلك ضمنيا، وزير الدولة للشئون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش، عندما هاجم حزب الإصلاح اليمني قائلا: إن “حزب الإصلاح اليمني، همه السلطة والحكم في اليمن، والسعي إلى تحقيق أهداف وأطماع سياسية بتصدر المشهد”. واتهم الوزير الحزب بتأخير المعارك في تعز، وقال: إنه اشترط تغيير موقف الإمارات تجاهه، ليشارك في معركة تحرير “تعز”.

وكما تبرز جريدة “فورين أفيرز” الأمريكية، فإن”سبب تأخر تحرير محافظة “تعز” يعود لانقسامات داخل التحالف العربي، وتحديدًا بسبب رفض الإمارات ومصر الأعضاء بالتحالف تسليح ودعم المقاومة بالمحافظة”، وتذكر صحيفة “القدس العربي” أن”العداء المستفحل عند أبوظبي لجماعة الإخوان المسلمين وصل إلى درجة أنها سحبت قواتها من مدينة تعز اليمنية، وتركتها تحت الحصار، تتلقى قذائف وصواريخ الموت من قوات المخلوع علي عبد الله صالح والحوثيين، دون أن تتدخل لحسم المعركة عسكريا”، وتؤكد الصحفية أن”السلطات في أبو ظبي لا تريد أن يسجل أي انتصار لحزب الإصلاح الذي يقود المقاومة الشعبية هناك، حتى لا يحصل الحزب على أية مكاسب سياسية تجعله شريكًا في حكم اليمن بعد الانتصار على الحوثيين وقوات صالح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد