بعد قرابة الشهرين على انتهاء معركة تحرير الموصل، أشرس حرب شهدها العراق منذ عقود والتي استمرت تسعة أشهر، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انطلاق عملية عسكرية جديدة لاستعادة مدينة تلعفر من «تنظيم الدولة الإسلامية- داعش».

فما هي «تلعفر»؟

مدينة تَلَّعْفَرْ، عاصمة القضاء الذي يُعرف بـ«تلّعفر» أيضًا، الذي يعد أحد أكبر الأقضية في العراق، ويتبع لمحافظة نينوى في الشمال الغربي، كما يتبع القضاء ثلاث وحدات إدارية هي ربيعة وزمّار والعياضية.

تبعد مدينة تلعفر 65 كيلومترًا غرب الموصل، يشكل التركمان «ذوو الأصول التركية» 90% من المدينة بينما يشكل العرب والأكراد 10% فقط، وتبلغ مساحة تلعفر المدينة 28 كيلومترًا مربعًا. يبلغ عدد سكان المدينة أكثر من مائتي ألف نسمة وفقًا لآخر ما نشر عام 2014، يتوزع التركمان في تلعفر بين السنة والشيعة وتبلغ نسبة السنة 75% بينما تصل نسبة الشيعة إلى 25% حسب دراسة أجريت عام 2008.

مخطط توضيحي: نسب السكان في مدينة تلعفر من تصميم «ساسة بوست»

تحتل مدينة تلعفر موقعًا استراتيجيًّا في شمال غرب العراق، وتكمن أهمية المدينة في قربها من سوريا وتركيا وتبعد عن كل منهما 60 كيلومترًا،  يحدُّ مدينة تلعفر من الشمال محافظة دهوك ويشكل نهر دجلة الحدود الطبيعية بين دهوك وتلعفر، بينما يحدها من الجنوب قضاء الحضر ومن الشمال الغربي قضاء سنجار.

خريطة من Google Maps توضح موقع تلعفر نسبة الى مدينة الموصل ولكل من سوريا وتركيا

أهمية تلعفر محليًّا وإقليميًّا

منذ احتلال العراق عام 2003، برزت مدينة تلعفر إلى واجهة الأحداث العراقية مبكرًا، وظهر اسم المدينة على وسائل الإعلام العالمية لأول مرة، ففي الثاني من سبتمبر (أيلول) عام 2005 شنت الولايات المتحدة الأمريكية حملة عسكرية مستعينة بـ5000 جندي من المارينز لبسط السيطرة على المدينة وطرد المسلحين السنة منها.

ومنذ ذلك الحين لم تشهد المدينة استقرارًا، فالمشاكل الأمنية والطائفية استمرت زهاء عقد كامل حتى سقطت المدينة منتصف يونيو (حزيران) عام 2014 على يد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، ليتقهقر الجيش العراقي منها وترزح طيلة السنوات الثلاث اللاحقة تحت سيطرة التنظيم، حتى أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبل أيام عن بدء حملة عسكرية كبيرة لاستعادة المدينة من قبضة التنظيم.

تضع كل من إيران وتركيا تلّعفر تحت الضوء، إذ تعدّ تركيا تلّعفر امتدادًا للقومية التركية، حيث يشكل التركمان 90% من سكان المدينة، بينما تهتم إيران بالمدينة نظرًا لوجود الشيعة فيها، ما يشكل فرصة لإيران في التمدد في هذه المنطقة البعيدة نسبيًّا عن مناطق نفوذها التقليدية في العراق إضافة إلى أن هذه المدينة كانت إلى وقت قريب أحد أهم النقاط التي تسعى إيران للمرور من خلالها إلى سوريا، وبالتالي إلى البحر الأبيض المتوسط قبل أن تتغير الظروف الميدانية في سوريا.

كما تشكل مدينة تلعفر أحد أهم مواقع تنظيم الدولة «داعش» في العراق، إذ تشكل المنطقة نقطة وصل بين المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وعاصمة التنظيم في مدينة الرقة السورية، كما تعد المدينة آخر أكبر موقع للتنظيم في العراق وأكثرها أهمية، ما يجعل استعادتها ضربة قوية للتنظيم بعد خسارته للموصل هذا العام.

أطراف المعركة

بعد قرابة شهرين على انتهاء معركة الموصل التي استمرت تسعة أشهر، أعلن حيدر العبادي فجر يوم الأحد العشرين أغسطس (آب) 2017 بدء عملية استعادة قضاء تلعفر من سيطرة تنظيم «داعش» وأُطلِق اسم «قادمون يا تلّعفر» على المعركة.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/HaiderAlAbadi/status/899056997244514304″ ]

وتشن القوات العراقية هجومًا واسعًا على المدينة من عدة محاور، حيث تتولى قوات النخبة المتمثلة بجهاز مكافحة الإرهاب اقتحام المحور الجنوبي للمدينة، بينما تتولى قوات الشرطة الاتحادية والرد السريع مهمة اقتحام المدينة من الغرب في حين تخوض قوات الحشد الشعبي معارك في المحور الشرقي والشمال الغربي لتلعفر.

وأعلنت فصائل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وكتائب حزب الله وكتائب العباس القتالية ولواء علي الأكبر مشاركتها في معركة استعادة تلّعفر. وكانت القوات العراقية من الفرقة 15 وقوات من الحشد الشعبي قد حررت أجزاء كبيرة من اطراف تلعفر خلال الأشهر الستة الماضية.

خريطة رسمية لقيادة العمليات المشتركة العراقية توضح محاور العمليات العسكرية لاستعادة مدينة تلعفر

وقبيل بدء معركة تلّعفر قدر مسؤولون عراقيون وأمريكيون عدد مقاتلي تنظيم «داعش» بأكثر من 1500 مقاتل، ويُعْتقد أن نسبة كبيرة منهم من المقاتلين العرب والأجانب. ويقول مسؤولون أمريكيون أن مدينة تلعفر محاصرة بالكامل باستثناء بعض الجيوب في الجهة الشمالية للمدينة التي يسهل اختراقها، والذي قد يؤدي إلى هروب عدد من عناصر التنظيم من المدينة.

وكحال المعارك السابقة التي خاضتها القوات العراقية ضد تنظيم «داعش»، يبرز الدور الأمريكي باعتباره عاملًا فاعلًا في حسم المعركة والتقدم السريع من خلال الغارات الجوية والمدفعية الذكية الموجهة بالليزر، وقالت صحيفة الـ يو إس أي تودي إن القوات العراقية بدأت هجومها على تلعفر بقيادة أمريكية وتضيف الصحيفة أن المستشارين الأمريكيين يلعبون دورًا حيويًّا في الدعم اللوجستي والعملياتي للقوات العراقية.

انسحاب بعض فصائل الحشد من المعركة

بعد زيارات مفاجئة وخاطفة لمسؤولين أمريكيين وأتراك، تواترت الأنباء عن انسحاب بعض فصائل الحشد الشعبي انسحابها من الخطوط الأمامية للمعركة، وأعلنت كل من عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراق انسحابها من المعركة، وعزا هذان الفصيلان سبب انسحابهما إلى مشاركة القوات الأمريكية في المعركة ورفضهما لهذه المشاركة.

Embed from Getty Images

وكان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس وصل بغداد الثلاثاء الماضي 22 أغسطس (آب) في زيارة غير معلنة التقى خلالها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، كما شهد اليوم ذاته زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لبغداد وأربيل، في خطوة عدها مراقبون ضغطًا أمريكيًا تركيًا باتجاه سحب قوات الحشد من المعركة. وأعلنت تركيا في غير مرة عن رفضها مشاركة الحشد الشعبي في معركة تلعفر.

«ساسة بوست» يرصد المعركة والوضع الإنساني في المدينة

يقول الصحفي أرغد الحيالي «صحفي من مدينة تلعفر» في تصريح خاص لـ«ساسة بوست» إن التقدم الميداني للقوات العراقية مفاجىء وسريع للغاية، وأن قوات الجيش العراقي وقوات النخبة «جهاز مكافحة الإرهاب» حققت تقدمًا كبيرًا جدًا خلال الساعات القليلة الماضية، وأضاف الحيالي أن نسبة ما تحرر من المدينة يصل إلى 45% مشيرًا إلى أن قوات الشرطة الاتحادية المهاجمة من غرب المدينة التحمت عند مركز المدينة «قرب قلعة تلّعفر» مع قوات النخبة المهاجمة من جنوب المدينة، ما يشير إلى احتمالية كبيرة في حسم المعركة خلال الأيام القليلة القادمة.

وفيما يخص المقاومة التي يبديها عناصر تنظيم «داعش»، قال الحيالي إن مقاومة مقاتلي التنظيم تكاد تكون معدومة وأن ما يعيق تقدم القوات العراقية هو كمية الأفخاخ والمصائد والألغام المنتشرة في كل مكان.

وعن أعداد مقاتلي التنظيم التي سبق لمسؤولين عراقيين وأمريكيين تقديرها بنحو 1500 مقاتل، يضيف الحيالي قائلًا إن أعدادًا كبيرة من عناصر التنظيم تمكنت من الفرار «على ما يبدو» من خلال الجيوب الضيقة في الجهة الشمالية للمدينة ويرجح الحيالي أن يكون عناصر التنظيم قد فرّوا باتجاه ناحية العياضية 15 كيلومترًا شمال تلّعفر.

الوضع الإنساني في المدينة

وضع إنساني غاية في السوء يعانيه النازحون من تلعفر، فقد وصل عدد الفارين من مناطق العمليات في قضاء تلعفر إلى 13 ألف نازح بحسب نائب رئيس مجلس نينوى «نور الدين قبلان»، واستطاعت منظمات الأمم المتحدة تدارك المعضلات إبان معركة الموصل، وخصصت مركزين طبيين كبيرين في منطقتي «حمام العليل» و«القيارة» لاستقبال الحالات الإنسانية والمصابين.

وبحسب بعثة العراق لمنظمة الهجرة الدولية فقد استقبلت المراكز الطبية أكثر من 4000 نازح كانوا بحاجة إلى مساعدات طبية عاجلة. ويقول الصحفي أرغد الحيالي إن غالبية السكان فرّوا من مدينة تلعفر قبيل المعركة وتوجهوا إلى أطراف المدينة بعد أن فقد مقاتلو تنظيم «داعش» سيطرتهم على السكان، وأضاف الحيالي أن نسبة عدد السكان في داخل المدينة لا تتجاوز 3% مما كانت عليه قبل 3 أعوام.

وعن سرعة سير المعارك والتوقعات، يقول المحلل العسكري أحمد علي  العبيدي لـ«ساسة بوست»: «إن استمرت المعارك على هذه الوتيرة السريعة، ربما تحسم المعركة خلال أسبوع أو أسبوعين من الآن، ما سيجنّبُ المدينة دمارًا كبيرًا كالذي شهده الجانب الغربي من الموصل وتحديدًا في المدينة القديمة».

ويضيف العبيدي أنه لا يمكن التنبؤ بموعد معين لانتهاء المعركة، فقد يتغير كل شيء بين ساعة وأخرى، فتنظيم داعش لا يخلو من المفاجآت فضلًا عن أن المعركة ترتبط ببعض القوى الإقليمية إضافة إلى التوجهات الأمريكية في ذلك.

المصادر

تحميل المزيد