«من أجل وطني، من أجل مبادئي ومن أجل شعبي، فنائي مجرد تضحية رمزية، الجزائر ستتحرّر رغم كل شيء» *طالب عبد الرحمن

في الفيلم الشهير «معركة الجزائر» للمخرج الإيطالي بونتي كورفو، يبدأ مشهد تجهيز القنابل التي ستستخدمها المناضلات الجزائرية المتنكّرات على هيئة سيّدات فرنسيات أنيقات، من داخل معمل قديم، حيث يقوم أحد الشباب صغار السنّ ببرمجة توقيت انفجار هذه القنابل؛ هذا الشاب هو الطالب الجزائري والملقّب بـ«كيميائي الثورة»، طالب عبد الرحمن.

يعرف الحراك الجزائري الآن ظاهرة حمل صور شهداء الحرب التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، في مشهد شديد الدلالة على ارتباط كبير بين نشطاء هذه الانتفاضة الشعبية، بالتاريخ القريب للبلاد التي عاشت 132 تحت وطأة الاستعمار الفرنسي.

ومن بين الشخصيات التي يحمل المتظاهرون صورها، بالخصوص طلبة الجامعات كلّ ثلاثاء فيما يُسمّى بـ«الحراك الطلاّبي»؛ صورة ضخمة لـ«طالب عبد الرحمن»، وهو الطالب الجامعي الذي ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة التحريرية بقيادة جبهة التحرير الوطني سنة 1955؛ ليكون أحد أبرز وجوه «معركة الجزائر» التي دارت رحاها في العاصمة وأزقّة القصبة القديمة؛ ويتحوّل بعد أكثر من نصف قرن على قتله إلى رمز للنضال الطلابي. 

المولد في 1930.. سنة الألم والأمل 

تعود أصول طالب عبد الرحمن إلى مدينة أزفون الساحلية بمنطقة القبائل، لكنه ولد في العاصمة بالقصبة القديمة في الخامس من مارس (آذار)؛ في سنة لها دلالة كبيرة في تاريخ الحركة الوطنية، وهي سنة 1930. هذه السنة التي وُلد فيها طالب عبد الرحمن شهدت حدثًا استثنائيًا في تاريخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر، فهو تاريخ مرور 100 سنة كاملة عليه، إذ أقامت السلطات الفرنسية آنذاك حفلًا ضخمًا، وبالغت في الانفاق عليه.

رصدت فرنسا للاحتفالية لجان تنظيمية ومبالغ طائلة، وقد بدأ التحضير لهذه الذكرى الكبرى قبلها بسبع سنوات كاملة، وحضر هذه الاحتفالات في الجزائر، الرئيس الفرنسي جاسطون دو مريقو، بالإضافة إلى العديد من الضيوف من مختلف أنحاء العالم، وجرى الترويج لهذا الحفل باعتباره انتصارًا نهائيًا لفرنسا في الجزائر وإعلانًا عن بقائها هناك إلى الأبد.

وقد عرفت هذه الاحتفالات مقاطعة واسعة من الجزائريين وشعورًا شديدًا بالإهانة والإذلال واليأس، خصوصًا أنه من بين الفقرات الاستعراضية في هذا الحفل، مشهد دخول الاحتلال الفرنسي إلى الجزائر، من خلال ممثّلين لبسوا نفس أزياء الجيش الفرنسي قبل 100 سنة، وأعادوا هذه اللقطات الحزينة إلى المخيال الجزائري.

رمزيّة ميلاد عبد الرحمن سنة 1930 لا تخفى على أحد، ففي الوقت الذي كان الفرنسيون يحتفلون فيه بـ100 سنة كاملة من تاريخ الاحتلال، ويعلنون بذلك بقاءهم في الجزائر إلى الأبد، كان يرى النور، المناضل الذي «سيفجّر» – حرفيًا ومجازيًا – أحلام الفرنسيّين ومشاريعهم المستقبلية في الجزائر.

الطالب ينضمّ للثورة.. تخصّص الكيمياء في خدمة الثورة

عرف عبد الرحمن طالب بتفوّقه في دراسته التي زاولها في العاصمة، وبعد انتقاله إلى الجامعة، تخصّص في مجال الكيمياء، وهو المجال الذي سيستغلّه خلال الثورة التحريرية. في سنة 1955؛ التحق طالب عبد الرحمن بالثورة التحريرية، ونشط في «الولاية الثالثة» في أزفون بمنطقة القبائل، ليستغلّ خبرته في الكيمياء من أجل صناعة القنابل والمتفجّرات لصالح مجاهدي جبهة التحرير الوطني، وذلك في خضمّ موجة انضمام الكثير من الطلبة الجزائريين للثورة وتركهم لمقاعد الدراسة بشكل جماعي. 

طالب عبد الرحمن

انتقل طالب عبد الرحمن فيما بعد إلى الجزائر العاصمة، لينشئ معملًا لصناعة المتفجّرات في حي غرناطة في البداية، ثم عند عائلة بوحيرد، ثم أخيرًا في «فيلا الورود» في مدينة الأبيار رفقة رشيد كواش، ويصبح أحد أبرز الوجوه التي أدارت «معركة الجزائر» ضد فرق المظلّيين الذين حاصروا أحياء القصبة قصد وأد الثورة هناك، وكانت معركة الجزائر بقيادة العربي بن مهيدي، أحد القادة الستّة الذين فجّروا الثورة التحريرية والذي قتلته فرنسا، أما طالب عبد الرحمن فكان يعمل مع مجموعة ياسف سعدي التي تضمّ جميلة بوحيرد، وعلي عمّار (علي لابوانت)، وحسيبة بن بوعلي، وآخرين. 

وفي أكتوبر (تشرين الثاني) 1956 وقع انفجار في فيلا الورود، قُتل على إثره زميله رشيد كواش، فاكتشفت السلطات الاستعمارية أمر المعمل السريّ، وأصبح طالب عبد الرحمن مطلوبًا لدى السلطات. في يناير (كانون الثاني) 1957 دخلت قوّات المظليّن الفرنسية الخاصّة المتكوّنة من 8 آلاف عنصر بقيادة الجنرال ماسو، وحاصروا الجزائر العاصمة وحي القصبة بالتحديد وسيّجوها بالأسلاك الشائكة، وجعلوا الدخول والخروج منها شديد الصعوبة، قصد تطويق الفدائيين ومحاصرتهم في شوارع المدينة القديمة. استطاع طالب عبد الرحمن الفرار من هذا الحصار الشديد، وانتقل ليهرب إلى الولاية التاريخية الرابعة بجبال الشريعة ليواصل نشاطه في منطقة المتيجة.

ألقي القبض على طالب عبد الرحمن في الخامس من يونيو (حزيران) سنة 1957؛ وبعد تعرّضه للتعذيب والاستنطاق، وإيداعه سجن سركاجي، جرى إعدامه بالمقصلة في 23 أبريل (نيسان) سنة 1958، في عمر 28 سنة. ويذكر الصحافي والمناضل الشيوعي أثناء ثورة التحرير أن طالب عبد الرحمن قال للشيخ الذي عيّنته السلطات الاستعمارية لتلقينه الشهادة قبل إعدامه: «احمل السلاح وانضمّ إلى الجبل!».

نضال متواصل.. ما سرّ حمل صور الشهداء في مسيرات الحراك؟ 

بعد أكثر من 60 سنة من استشهاده، سوف يعود طالب عبد الرحمن إلى الحياة مرّة أخرى، ويُتداول اسمه مجدّدًا لدى شباب في مثل سنّه عندما انضمّ للثورة التحريرية. بعد أن كان طالب عبد الرحمن هو رمز النضال الطلاّبي خلال الثورة التحريرية قبل نصف قرن، سيصبح الآن رمزًا للحراك الطلابي الذي يخرج في العديد من جامعات البلاد كل يوم ثلاثاء منذ 22 فبراير (شباط) 2019، وسيحمل الطلبة في العاصمة الجزائرية صورة عملاقة لـ«كيميائي الثورة» يجوبون بها شوارع العاصمة وينادون بشعارات الحرية والديمقراطية. 

في حوار مع نزهة خلالف، إحدى الناشطات في الحراك الطلاّبي الجزائري، حول رأيها في رمزية حمل صورة طالب عبد الرحمن في الحراك الطلابي قالت لـ«ساسة بوست»: «نضالنا باعتبارنا طلبة إلى جانب الشعب هو امتداد لنضال الطلبة الجزائريين أثناء الثورة التحريرية، ومواصلة لنشاطهم دعمًا لمسار التحرّر. ومثلما يُعدّ الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 امتدادًا لثورة الفاتح من نوفمبر 1954؛ فإن الحراك الطلاّبي الحالي امتدادٌ لنضال الطلبة – وأبرزهم طالب عبد الرحمن – أثناء ثورة التحرير. 

وعن رأيها حول الرمزية التي يحملها طالب عبد الرحمن بالنسبة للطلبة الجزائريين المنخرطين في الحراك، قالت: «يحمل طالب عبد الرحمن رمزيّة الطالب المنخرط في الشأن العام والمهتمّ بقضايا شعبه ووطنه، والطالب المناضل صاحب المواقف المبدئية، والذي لم يُبقَ وعيه مُحاصرًا داخل أسوار الجامعة، بل التحم مع الشارع وهمومه واستطاع استخدام معارفه ومستواه العلمي لخدمة القضية الوطنية.

تكمل: «إن حمل صورة طالب عبد الرحمن من طرف الطلبة يندرج في اتجاه عام داخل الحراك متمثّل في حمل صور الشهداء والرموز الثورية، وذلك بسبب الشعور العام بأن الاستقلال الذي جاءت به الثورة التحريرية لم يكتمل بعد، لقد حرّرنا الأرض، ولكن الإنسان الجزائري لم يتحرّر بعد؛ وهذا سبب ربط الثورة التحريرية بالحراك الجزائري: كلاهما يكمّلان بعضهما، وهدفهما واحد، الحريّة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد