1,564

برأي العديد من النقاد، فإن ما أثاره كليب «نمبر وان» الذي أطلقه مؤخرًا الفنان محمد رمضان من جدل، مؤكدًا من خلاله صدارته المشهد الفني، وأنه كان ولا يزال يتربع على القمة، أكد وبما لا يدع مجالًا للشك أن صراعات النجوم في مشوارهم نحو النجومية، دخلت منطقة شائكة، أو بتعبير أدق «مرحلة الضرب تحت الحزام».

فمن المؤكد أن الطريق إلى النجومية ليس مفروشًا بالورود، وأنه يحتاج لجهد وتعب وصبر وأشياء أخرى كثيرة، خاصة وأن البعض يرى أن الموهبة وحدها لا تكفي للوصول إلى النجومية، التي يحلم بها كل فنان أو فنانة، فيما يرى البعض الآخر أن الذكاء الاجتماعي هو بوابة العبور إلى القمة متفوقًا بذلك على الدراسة أو القدرة على قراءة المتغيرات والتعامل معها.

الموهبة والإصرار.. جناحا طائر النجومية

الموهبة لا تحتاج لإعلان، والنجومية لا تتحقق إلا بعد معاناة وإصرار وتحدٍ؛ حقيقة أكدها المبدع الراحل أحمد زكي، الذي اكتشف أنه لم يشعر بالسعادة أو يتنفس بعمق إلا عندما وقف لأول مرة كي «يشخص» على مسرح المدرسة.

إلا أن السعادة التي ارتبطت بالتشخيص أو التمثيل، لم تؤهله لأن يدرك حجم موهبته حينما وقف أمام لجنة التحكيم لاختبارات القبول بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ولم يعرف كيف يجيب عن أسئلتهم التي تدور حول الفن والتمثيل، ولماذا يريد أن يمثل؟ أو لماذا يحب الفن؟ أو حتى يُفسر لهم سر أدائه لمشهد الاختبار، وذلك بحسب ما حكاه الفنان الراحل في عدة حوارات.

موهبة زكي والتي لمسها الجميع مع إطلالته الأولى، كان من الممكن أن ترتطم بأرض الواقع وتذهب أدراج الرياح، لولا الإصرار الذي لازمه، ففي أول تجربة احترافية له، أثناء دراسته بالمعهد؛ وقع الاختيار عليه لأداء دور البطولة في «أوبريت القاهرة في ألف عام»، والذي كان من تأليف المبدع صلاح جاهين، ومن إخراج الألماني أوفيل لاستر، إلا أن مدير مسرح البالون آنذاك، سعيد أبو بكر، رفض إسناد الدور إليه، بحجة أنه لا يزال وجهًا جديدًا، الأمر نفسه الذي عاد وتكرر، عندما رفض المنتج رمسيس نجيب أن يلعب زكي دور البطولة في فيلم «الكرنك » للمخرج علي بدرخان، بل وتسبب هذا القرار المتعنت في حرمان زكي من فيلمين آخرين كان قد ترشح لهما.

الفنانة الراحلة سعاد حسني، كانت تمتلك هي الأخرى موهبة بالفطرة، التقطها الكاتب الكبير عبد الرحمن الخميسي وقدمها في أولى بطولاتها من خلال فيلم «حسن ونعيمة »، ولولا أن سعاد وجدت من يدعم موهبتها، إضافة لإصرارها وقدرتها على الصمود أمام الأزمات التي واجهتها في بداية مشوارها، لما تمكنت من أن تصبح سندريلا الشاشة العربية.

المؤكد أن خريطة الفن عرفت الكثير من المواهب التي نجحت في اقتناص مكانتها على الساحة، وواصلت المشوار بالجهد والتعب والاختيارات الفنية الدقيقة، مثل: سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، ورشدي أباظة، ونادية لطفي، وشادية، وكمال الشناوي، وعماد حمدي، وأنور وجدي وأسماء أخرى عديدة.

كسر الصورة النمطية طريق البعض إلى النجومية

هل عبقرية الأداء وحدها طريق العبور الأوحد نحو النجومية؟ أم أن هناك عناصر أخرى؟ البعض يضع «مقاييس الجمال» أحد أهم العوامل التي دفعت بالبعض نحو القمة، أو على الأقل مهدت لهم الطريق، فيما ظل الاستمرار على الساحة مرهونًا بشروط أخرى.

الكاتب الصحافي وائل عبد الفتاح لا يتفق مع هذا التصور، على الرغم من سيطرة الأطر الهوليودية أو الغربية لسنوات، مشيرًا إلى أن البعض نجحوا في التمرد على تلك المقاييس مثل بطلة الحواديت فاتن حمامة، وفتاة الأحلام سعاد حسني، إذ خرجت سيدة الشاشة من هذه الدائرة لأن موهبتها خارج إطار المقارنة، أما سعاد فلقد نجحت في تغيير تلك المفاهيم والتمرد على المعتاد، بعدما طرحت نفسها فنيًّا بصورة جديدة؛ فهي ليست خجولة حالمة منكسرة، على طريقة فاتن حمامة، وليست أيضًا البنت الشقية على طريقة شادية ، كذلك على مستوى الرجال هناك من كسروا نمطية الصورة مثل عادل إمام وأحمد زكي ونور الشريف، كل على طريقته، بحسب تصريح عبد الفتاح لـ«ساسة بوست».

صناعة النجوم.. من الموهبة والعلاقات الاجتماعية إلى الرضوخ لشروط السوق

وبسؤال الناقد السينمائي طارق الشناوي، أكد أن شروط السوق لعبت دورًا لا يمكن إنكاره في فترات كثيرة، مثل مفهوم «السينما النظيفة» الذي فرض شروطه ومواصفاته لفترة، الأمر الذي أعاق -بحسبه- انطلاق البعض، وسحب كثيرًا من الفرص المتاحة أمامهم، وحدّ من الاختيارات الفنية للبعض، وبالأخص نجمات السينما الجدد اللاتي نجح بعضهن في التحليق خارج إطار هذا المفهوم، مؤكدًا في تصريحه لـ«ساسة بوست» أن السوق تسيطر عليها الآن حالة من التخبط والارتباك بما لا يسمح بتثبيت أية معايير.

الموهبة وحدها لا تكفي إذًا، هذا ما أكدته الناقدة الفنية ناهد صلاح في تصريحها لـ«ساسة بوست»، إذ أشارت إلى أن الأمر يتعلق بمقومات أخرى كثيرة، تجعل طريق النجومية حريريًّا لمن يمشي عليه، لافتة إلى أن هذا لا يحدث أيضًا بسهولة ويسر؛ بل يحتاج إلى مزيد من الجهد والعلاقات، من أجل الصعود نحو قمة النجومية. وتحدث بشكل فردي في أغلب الأحوال، فنجد على سبيل المثال كيف استطاع أنور وجدي أن يعيد البهاء لنجومية ليلى مراد وقدمها عبر العديد من الأفلام التي أخرجها وأنتجها وصنع دعايتها بنفسه، كذلك استطاع أن يصنع من الطفلة فيروز، نجمة استثنائية في سماء السينما المصرية.

وتشير ناهد أيضًا إلى المنتج رمسيس نجيب الذي لقب بـ«صانع النجوم»؛ لأنه قدم للسينما المصرية مجموعة كبيرة من ألمع نجومها مثل: لبنى عبد العزيز، ونادية لطفي، وليلى طاهر، ونجلاء فتحي، وصفية العمري، ونور الشريف، ومحمود ياسين، ومحمود عبد العزيز، وحسين فهمي، وغيرهم، وفي الإطار  نفسه كان أيضًا نور الشريف سواء في التمثيل أو التأليف أو الإخراج، وقبلهم جميعًا كان عبد الحليم حافظ، الذي نجح في تشييد نجوميته بمعاونة رموز عصره في الكتابة والصحافة والإعلام وغيرها.

وتؤكد ناهد، أن النجومية هنا تحققت بجهد فردي قادر على تكوين شبكة علاقات، وليس وفق خطط مدروسة كما تفعل هوليوود مثلًا، إذ يشارك في صناعة النجوم مدربو تمثيل ومصممو أزياء وخبراء تجميل وأساتذة ثقافة وعلماء نفس واجتماع، لإعداد النجم ثقافيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، بالإضافة إلى تضافر عوامل كثيرة أخرى، إذ تقوم الاستوديوهات بتلبية الاحتياجات النفسية المتوقعة للجمهور، وتصعيد نجمها الشعبي على اعتبار أنه السلعة الأولي لصناعة السينما التي تحقق رغبات أساسية وحقيقية عند المتفرج، وهذا ما يفسر نجاح نجم معين في فترة ما، لأن ظهوره جاء في موعده، وربما تكون الموهبة هنا فيصلًا أحيانًا في الاستمرارية، وهو ما يفسر سقوط عشرات من أنصاف النجوم في كل أنحاء العالم في منتصف الطريق، بحسب الناقدة.

وأشارت الناقدة الفنية أيضًا، إلى أن البعض وبكثير من الجهد والتجارب الفردية، استطاع أن ينتقل من خط الوسط إلى الصفوف الأولى، مثلما حدث في التجارب الحديثة والمعاصرة مع علاء ولي الدين ومحمد هنيدي ومحمد سعد وأحمد حلمي وغيرهم، وصولًا إلى نجوم مسرح مصر، وبصرف النظر عن الجدل حول الموهبة من عدمها، فلا فائدة لهذه الموهبة بدون علاقات، وبدون «السوشيال ميديا» التي أصبح لها دور بارز ومؤثر في نجومية الفنانين، ليس على مستوى الممثلين فقط، وإنما كذلك المخرجين والكُتاب والمؤلفين، ولعل كاتب مثل أحمد مراد خير مثال على ذلك، إذ أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في دعمه وتحويل مساره من مصور فوتوغرافي، إلى كاتب يشار إليه بالبنان سواء على صعيد الرواية أو التأليف السينمائي.

الكلام نفسه تؤكده الناقدة ماجدة خير الله، مشيرة إلى أن النجاح و طريق النجومية يحتاج بالإضافة إلى الموهبة؛ درجة كبيرة من الذكاء الاجتماعي والوعي والثقافة، وإدراك متغيرات الزمن وقراءة جيدة لحركة هبوط وصعود مؤشرات الآخرين من حوله.

فيما ترى الناقدة الفنية فايزة هنداوى أن الموهبة وحدها لا تكفي، ولا بد أن تقترن بالذكاء الفني والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها حالة الفنانين عادل إمام وسعيد صالح، فصالح يتفوق على إمام في الموهبة والكاريزما وخفة الظل، لكن الزعيم كان أكثر ذكاء في اختياراته وعلاقاته، وكرس حياته لخدمة طموحه الفني على عكس سعيد صالح الذي كان مزاجي الطباع.

تواصل فايزة حديثها لـ«ساسة بوست»، قائلة: «هناك مثلًا إجماع على أن موهبة أحمد السقا ليست قوية إلا أنه يتمتع بالذكاء، لذا نجده لا يخشى من الوقوف أمام ممثلين أقوياء لأنه يعلم أن ذلك في صالح العمل، وليس ضده، كما يترك للمخرج مساحته ولا يتدخل في عمله، فيحافظ على مكانته على عكس حالة محمد سعد الذي لا يتمتع بالذكاء الفني الكافي رغم موهبته التي يشهد بها الجميع»، وعلى الدرب نفسه بحسب الناقدة الفنية، يسير محمد رمضان، الذي يتمتع بموهبة كبيرة وحاز جماهيرية كبيرة، إلا أن اختياراته خذلت جمهوره ومتابعيه الذين كانوا ينتظرون منه الكثير، لكنه لم يركز في فنه بقدر تركيزه في المنافسة على المركز الأول وتأكيده احتلال الصدارة.

وتنهي فايزة هنداوي حديثها لـ«ساسة بوست» قائلة: «ذكاء محمد رمضان خانه أيضًا عندما استفز جمهوره من الطبقة الشعبية الفقيرة، الذين كانوا يعتبرونه بطلًا شعبيًّا وواحدًا منهم، عندما خرج عليهم بصور سياراته الفارهة»، مضيفة أنه خسر الكثير من جماهيريته لدى هذه الطبقة التي شعرت فجأة أنه أصبح ينتمي إلى طبقة أخرى يرونها ظالمة وغير عادلة.