«بدأوا في العيش معنا هنا في القدس الشرقية منذ عام 1991. والآن بات لديهم سياراتهم الخاصة، وأسلحتهم الخاصة، وقوانينهم الخاصة. لا أحد يستطيع أن يُملي عليهم ما يجب القيام به».

بتلك العبارات التي قالها أحد مواطني حي سلوان بدأ موقع «ميدل إيست آي» تقريره الذي رصد فيه معاناة الآلاف من الفلسطينيين في حي سلوان، وغيره من الأحياء في القدس الشرقية. يقع حي سلوان علي بعد مئات الأمتار من المسجد الأقصى ويسكنه 30 ألف من الفلسطينيين، بالإضافة إلي المئات من المستوطنين الإسرائيليين الذين يسكنون في تلك المنطقة التاريخية لأسباب عدها البعض أيديولوجية في المقام الأول.

وبحسب أحمد القرين أحد قاطني حي سلوان، والذي أصيب برصاصة في قدمه جراء اعتداءات شنها عدد من المستوطنين الإسرائيليين منذ خمس سنوات، فإن هؤلاء المستوطنين يشكلون بدورهم دولة داخل الدولة منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، والذي شهد بداية توطين المئات من الإسرائيليين في القدس الشرقية. ولم تكن حالة الاعتداء علي أحمد القرين من قبل المستوطنين الإسرائيليين في حي سلوان هي الحلقة الوحيدة في سلسلة الانتهاكات التي تشهدها القدس الشرقية. فهناك سمير سرحان الفلسطيني الذي يبلغ من العمر 32 عامًا، والذي قتل علي يد أحد المستوطنين، بالإضافة إلي ميلاد عياش البالغ من العمر 17 عاماً والذي قتل علي يد أحد الحراس الإسرائيليين خلال اشتباكات وقعت في حي سلوان.

ووفقًا للتقرير، فإن حي سلوان يمثل صورة مصغرة من حالة العنف والفوضي التي تعيشها مدينة القدس خاصة في ظل الهجمات الأخيرة التي شهدتها المدينة في أماكن متفرقة. ولعل آخرها حادث الكنيس اليهودي الذي أسفر عن مقتل خمسة إسرائيليين. هذا بالإضافة إلي مقتل ثلاثة مواطنين إسرائيليين أيضًا قبل عدة أيام.

بيد أن التقرير عاد ليؤكد علي أن تلك الهجمات الأخيرة في القدس، والتي وقعت بحق مواطنين إسرائيليين لا تأتي بمعزل عن الاعتداءات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل المستوطنين الإسرائيليين الذين لا يبالون بالتصريح علانية في رغبتهم في أن تتحول مدينة القدس الشرقية إلي منطقة ذات أغلبية سكانية يهودية. ولعل حادثة مقتل محمد أبو خضير الطفل الفلسطيني الذي لم يتجاوز عمره ستة عشر عامًا علي أيدي مستوطنين في حي شعفاط بالقدس ليست منا ببعيد. وكذا مقتل الشاب الفلسطيني يوسف الراموني في القدس، والذي قالت عائلته إنه قُتِل شنقًا على يد مستوطنين، وهو ما نفته الشرطة الإسرائيلية لاحقًا وصنفت الحادث علي أنه انتحار.

ونوه التقرير إلي أن هجمات الثلاثاء التي اعتبرها البعض بمثابة رد فعل انتقامي علي مقتل الراموني قد خلفت تداعيات متصاعدة من العنف. فلم تمضي بضعة ساعات علي الهجمات حتي إكتظت شوارع القدس بمجموعات من الإسرائيليين من بينهم عضو الكنيست السابق مايكل بن أري مرددين هتافات تطالب «بالموت للعرب». بالإضافة إلي التقارير التي تحدثت عن طعن أحد الفلسطينيين في كفر عقب علي يد المستوطنين الإسرائيليين، والاعتداء علي أحد الشباب الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وأشار التقرير إلي أن العديد من السكان في القدس الشرقية ينظرون إلي حادثة مقتل الراموني بإعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حالة إنعدام الأمن والتهميش والكراهية التي يعانون منها في القدس الشرقية. وكان زملاء الراموني قد دخلو في إضراب عن الطعام في أعقاب مقتله إمتد لثلاثة ايام. ويأتي هذا الإضراب كتعبير عما ينتابهم من خيبة أمل في تحسن الأوضاع الحياتية والمعيشية.

ونقل التقرير عن سامي أبو الأطرش، أحد رفقاء الراموني، قوله بأن الحكومة الإسرائيلية تنتهج سياسات مناهضة للفلسطينيين. وتابع قائلًا: «إنهم لا يريدون لأي فلسطيني أن يحيا علي هذه الأرض، بل إنهم يريدون تهجيرنا. إننا نعمل ليل نهار من أجل مساعدة الشعب اليهودي. وبالرغم من ذلك، فإن الإسرائيليين يدفعون المستوطنين لقتلنا وتدمير بيوتنا. تلك هي سياسة الحكومة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.»

ورصد التقرير حالة الشعور باليأس والإحباط التي تعيشها أحياء مختلفة في مدينة القدس كأحياء وادي جوز وسلوان وجبل المكبر. وتأتي تلك المعاناة كرد فعل لارتفاع مستويات البطالة والفقر، ناهيك عن القبضة الأمنية التي تعاني منها القدس الشرقية. ففي الفترة التي إمتدت ما بين شهري يوليو وسبتمبر الماضيين، تجاوز عدد المعتقلين الفلسطينيين في القدس الشرقية وحدها 700 فلسطيني بلغت نسبة القاصرين منهم 260.

وبحسب التقرير الذي كان قد نشرته صحيفة هاأرتس الإسرائيلية، فإن المدينة شهدت تواجدًا أمنيًا مكثفًا خاصة في أعقاب الهجمات الأخيرة التي إستهدفت مواطنين إسرائيليين. وقد شملت تلك التدابير الأمنية تشديد الرقابة علي نقاط التفتيش وزيادة الحواجز الأمنية في مداخل مختلف الأحياء في القدس الشرقية. بالإضافة إلي الإطلاق المكثف لقنابل الغاز والرصاص المغلف بالبلاستيك.

وبالرغم مما ذكره ميكي روزنفيلد، الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية، من أن سياسة الشرطة في القدس الشرقية كانت ضرورية ولازمة من أجل مواجهة ومنع الإضطرابات التي تجرى في المدينة منذ الصيف الماضي، إلا أن التقرير اعتبر بأن ما ساقه روزنفيلد من أسباب لتلك القبضة الأمنية المشددة لا تعد مبررًا كافيًا، خاصة وأن الغالبية العظمي في القدس الشرقية تنظر إلي تلك التدابير الأمنية بإعتبارها عقابًا جماعيًا. كما أنها تأتي في إطار المحاولات الوحشية لجعل الحياة أكثر صعوبة علي الفلسطينيين، ومن ثم دفعهم في نهاية المطاف إلي الخروج من المدينة.

ويتفاقم الشعور لدي الفلسطينيين في الوقت الرهن بأن القانون لا يمثلهم خاصة في ظل التجارب التي تغذي ذلك الشعور بل وتقويه. فبحسب منظمة يش دين الحقوقية الإسرائيلية، فإن ما نسبته 4.7% فقط من التحقيقات التي جرت بشأن الجرائم التي تمت بخلفية أيديولوجية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية قد تضمنت لائحة اتهام. في المقابل فقد تم إغلاق 85% من ملفات القضايا. وفي الوقت الذي تم فيه هدم منزل عائلة عبد الرحمن الشالودي الذي قتل برصاص الشرطة الإسرائيلية عندما كان يقود سيارته في إحدي محطات الترام الشهر الماضي، والذي نفذ عملية دهس أسفرت عن مقتل اثنين من الإسرائيليين، نجد أن ثمة محاكمة تجري بحق المشتبه بهم في مقتل محمد أبو خضير.
وأبرز التقرير في هذا الصدد ما أكد عليه محمود القرين، الناشط الفلسطيني البالغ من العمر 29 عامًا، من أن القانون يتم توظيفه لضمان حقوق المستوطنين الإسرائيليين في مقابل إغفال وضياع حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية.

وتابع القرين قائلاً: «إن المستوطنين الإسرائيليين يفعلون ما يريدون القيام به، ولن يستطيع أي منا أن يوقفهم. فقط الحكومة الإسرائيلية هي التي تستطيع تغيير الأوضاع. لقد حاولت إسرائيل تدمير البناء المجتمعي في القدس الشرقية لأنه شكل تهديدًا بالنسبة إليهم حسبما يقولون، كما أنهم يعتبرون النشطاء غير قانونيين أو إرهابيين.»

وعزا التقرير الهجمات الإرهابية في القدس مؤخرًا إلي غياب القيادة الفلسطينية خاصة وأن العمليات الأخيرة ربما تكون قد تم تنفيذها من قبل أفراد يعملون بشكل مستقل وبمعزل عن نشاط الفصائل الفلسطينية. وقد أرجع بعض المراقبون والمحللون السياسيون تصاعد وتيرة تلك الهجمات في القدس الشرقية إلي حالة اليأس المتزايدة. وهو ما عبر عنه دانيال سيدمان بقوله أن ما يدور في عقول الناس الأن في القدس الشرقية هو حالة من اليأس، خاصة وأنهم يشعرون بأنهم علي غير هدي السكان. وأضاف بأنه، وعلي مدار ثمانية عشر عامًا، يشتبك الاطفال مع الشرطة كل ليلة بتحريض من أبو مازن، حسب قوله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد