تخيل العالم الذي خرج لتوه من حربين عالميتين، ويعيش في أجواء حرب باردة تلعب المعلومات فيه دورًا حاسمًا، فامتلاك المعلومات الأكثر دقة وتنوعًا يعني اليد العليا في حرب الأعصاب تلك، وفي هذه الأوقات المضطربة وقعت حادثة قتل.

كان من الممكن أن تُقيّد هذه الحادثة ضد مجهول، أو اعتبارها حادثة متكررة، ولكن توقيت وقوع الحادثة عامَ 1948، بعد انتهاء الحرب العالمية بثلاثة أعوام، وفي فترة محاولة إثبات الهيمنة بين القوى العظمى المُتوجسة والمترقبة، ومع وجود قصاصة ورقية في جيب الضحية عليها عبارة فارسية غامضة، وشفرةٌ مجهولة في آخر الكتاب، كل تلك الظروف مجتمعة جعلت من قضية «رجل سومرتون» لغزًا محيرًا وقضية مثيرة للاهتمام حتى الآن.

جثة مجهولة.. شهادات وغموض

وجدت الشرطة الأسترالية جثةَ رجل على الشاطئ، في الساعة السادسة والنصف صباحًا يوم الأول من ديسمبر (كانون الأول) 1948، بمنطقة «سومرتون بارك بيتش» الواقعة جنوب مدينة أديلايد، جنوب أستراليا.

لاحظ زوجان رأياه في حوالي الساعة السابعة مساءً في اليوم الذي سبق اكتشاف الجثة أنهما رأوا هذا الشخص يمد ذراعه اليمنى إلى أقصى حد ومن ثم أسقطها بهدوء، وروى زوجان آخران أنهما ما بين الساعة 7:30 مساءً إلى الثامنة مساءً، خلال الفترة التي بدأت فيها أعمدة الإنارة في العمل، لم يرياه يتحرك خلال نصف ساعة رغم أن لديهم انطباعًا بأن وضعيته قد تغيرت نوعًا، كما أبدوا استغرابهم لكونه لم يكن يتفاعل مع البعوض، فقد اعتقدوا أنه مخمور أو نائم، وبالتالي لم يستدع الأمر اهتمامهم بشكل كبير حينذاك.

 وقالت إحدى الشهود للشرطة إنها شاهدت رجلًا ينظر إلى الرجل النائم من أعلى الدرج المؤدي إلى الشاطئ، وأكد باقي الشهود الآخرون أن الجثة كانت في الوضع نفسه عندما وجدتها الشرطة.

وفي عام 1959 – بعد أن صارت القضية حديثًا للرأي العام ووسائل الإعلام بسنوات – تقدم شاهد آخر وأبلغ الشرطة أنه وثلاثة آخرين رأوا رجلًا حسن الملبس يحمل رجلًا آخر على كتفيه على طول شاطئ سومرتون بارك في الليلة التي سبقت العثور على الجثة، وقد دونت هذه التفاصيل في تقرير للشرطة.

وصف الجثة

تمت إزالة جميع الملصقات من على ملابسه، ولم يكن لديه قبعة (وهو أمر غير معتاد في عام 1945) أو محفظة، وكان حليق الذقن ولم يكن يحمل بطاقة هوية، مما دفع الشرطة للاعتقاد بأنه انتحر، وأخيرًا، لم تتمكن الشرطة من مطابقة سجلات أسنانه مع أي شخص معروف، وبعدما تم تشريح الجثة، قدر الطبيب الشرعي وقت الوفاة في حوالي الساعة الثانية صباحًا يوم الأول من ديسمبر (كانون الثاني).

– صورة جثة الرجل المجهول – ويكيبيديا –

اكتشاف الحقيبة

في 14 يناير (كانون الأول) 1949 – بعد عام من اكتشاف الجثة – وجد العاملون في محطة سكة حديد أديلايد حقيبة بنية اللون تم إزالة الملصق الخاص بمكان تصنيعها ونوعها، وبفحص السجلات تبين أن هذه الحقيبة تم تسجيلها في مكتب أمانات المحطة في الساعة الحادية عشر صباحًا بتاريخ 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948.

 حتى الآن هي حقيبة، مجرد حقيبة عادية، لكن العثور على بكرة خيط شمعي برتقالي من ماركة «باربور»، وهي ماركة إنجليزية غير موجودة بأستراليا، بل إنها نفس الماركة التي استخدم خيطها في إصلاح بطانة جيب بنطال الميت المجهول لم يجعل منها مجرد حقيبة مفقودة، ومثلما أزيلت كل ملصقات التعريف بملابس الميت فقد أزيلت أيضًا كل ملصقات الملابس الموجودة في الحقيبة.

كان من الشائع في ذلك الوقت إزالة ملصقات التعريف من على الملابس، فنظرًا لظروف الحرب وصعوبة الحصول على ملابس جديدة، كانت الملابس المستعملة تباع بأسماء مالكيها القدامى مخيطة فيها، وإزالة الملصقات لم يكن أمرًا غريبًا، خاصة إذا كان قد اشتراها كلها مستعملة إلا أن اللافت بالنسبة للشرطة كان عدم وجود أي مراسلات أو خطابات من أي نوع رغم وجود أقلام رصاص وأوراق داخل الحقيبة. لا شيء حتى الآن يخبرنا عن هوية الميت أو دوائر معارفه بعد.

حذاء نظيف وربما كثير من السم

بدأ التحقيق في وفاة الرجل الذي أجراه الطبيب الشرعي توماس أرسكين كليلاند بعد أيام قليلة من اكتشاف الجثة، ولكن تم تأجيله حتى 17 يونيو (حزيران) 1949 حين قام كليلاند، بصفته أخصائي علم الأمراض، بإعادة فحص الجثة ليخرج بعدد من الاكتشافات المهمة، فقد تبين أن حذاء الرجل كان نظيفًا بشكل ملحوظ ويبدو أنه قد تم تلميعه مؤخرًا، وليس في الحالة المتوقعة من رجل كان يتجول طوال اليوم.

وأضاف أن هذا الدليل يتناسب مع النظرية القائلة بأن الجثة ربما تم إحضارها إلى شاطئ سومرتون بارك بعد وفاة الرجل، وهو ما يفسر عدم وجود دليل على القيء والتشنجات بجوار الجثة، وهما رد الفعل الفسيولوجي الرئيسي للسم.

تكهن كليلاند أنه نظرًا لعدم تمكن أي من الشهود من التعرف بشكل دقيق إلى الرجل الذي رأوه في الليلة السابقة، لا يزال هناك احتمال أن يكون الرجل قد مات في مكان آخر وأُلقي فيما بعد، وقال كليلاند في وقت مبكر من التحقيق: «سأكون مستعدًا لإقرر أنه مات بسبب السم، وأن السم ربما كان عبارة عن جلوكوزيد وأنه لم يتم تناوله عن طريق الخطأ؛ لكن لا يمكنني القول ما إذا كان قد تناوله بنفسه أو بواسطة شخص آخر وعلى الرغم من هذه النتائج، لم يتمكن من تحديد سبب وفاة الرجل مجهول الهوية.

كما شهد سيدريك ستانتون هيكس، أستاذ علم وظائف الأعضاء وعلم العقاقير في جامعة أديلايد، أنه من بين مجموعة من الأدوية، كانت هناك عقاقير شديدة السمية يمكن شراؤها من الصيدلية آنذاك دون الحاجة لوصفة طبية، (تم تحديد تلك العقاقير لاحقًا على أنها ديجيتال وأوابين، وكلاهما من نوع جليكوسيدات القلب الكارديو وليد)، وأشار هيكس إلى أن «الحقيقة» الوحيدة المفقودة فيما يتعلق بالجثة هي دليل على القيء، وأضاف أن غيابها لم يكن مفهومًا لكنه لا يستطيع التوصل إلى «نتيجة واضحة» بدونها. 

تمام شود.. عمر الخيام هل هذا أنت؟

خلال التحقيق، تم العثور على قطعة صغيرة من الورق الملفوف عليها عبارة «تمام شود» في جيب مخيط داخل جيب بنطلون الرجل الميت، واستدعت الشرطة مسؤولو المكتبات العامة لترجمة النص وعرّفوه على أنه عبارة تعني «انتهى» أو «تم» وهي الكلمة الفارسية الموجودة في الصفحة الأخيرة من رباعيات عمر الخيام.

– قصاصة تمام شود التي وجدت بجيب الجثة – ويكيبيديا

 كان الوجه الخلفي للورقة فارغًا، وقد أجرت الشرطة بحثًا على مستوى أستراليا للعثور على نسخة من الكتاب تحتوي على نفس الصفحة الخلفية الفارغة، ونشرت صورة من قصاصة الورق تلك في الصحف 

بعد تزايد الاهتمام العام بالقضية من قبل الشرطة، تم تحديد مكان نسخة رباعيات الخيام التي اقتُطعت الصفحة منها، وهي نسخة صدرت عام 1941 من ترجمة إدوارد فيتزجيرالد ( 1809 – 1883 ) للرباعيات الفارسية، والتي نشرتها ويتكومب أند تومبس في كرايستشيرش، نيوزيلندا، كذلك فقد وجدت في آخر الكتاب خمسة سطور مكتوبة كلها بحروف كبيرة (كابيتال) مما أوحى بكونها شفرة من نوع ما. 

وقد دارت الكثير من التكهنات حول رمزية تلك الحروف وفيما إذا كانت شفرة سرية وقد استُدعي العديد من خبراء فك الشفرات لكن دون جدوى، حتى أنه في عام 1978 قام مقدم البرنامج الأسترالي ستيوارت ليتل مور من قناة «أي بي سي» الأسترالية، باستضافة محللي شفرات لفك الشفرة الغامضة إلا أنهم لم يستطيعوا فكها، وقالوا بأنها في أحسن الفروض قد تكون بلا معنى وناتجة عن عقل مضطرب.

-«الشفرة المزعومة» التي وجدت بآخر الكتاب – ويكيبيديا –

المتهمة الأولى

تم العثور أيضًا على رقم هاتف في الجزء الخلفي من نسخة رباعيات الخيام تلك، يخص ممرضة تدعى جيسيكا طومسون (1921-2007) – وقد ولدت في نيو ساوث ويلز – وعاشت في شارع موزلي، بجلينيلج ، على بعد حوالي 400 متر شمال الموقع حيث عُثر على الجثة.

وعندما استجوبتها الشرطة، قالت طومسون إنها لا تعرف الرجل ولماذا سيحصل على رقم هاتفها ويختار زيارتها ليلة وفاته، ومع ذلك، ذكرت أيضًا أنه في وقت ما في أواخر عام 1948، حاول رجل مجهول زيارتها وسأل أحد الجيران المجاورين عنها

في كتابه «الرجل المجهول»، ذكر المحقق الشرطي والكاتب جيري فيلتوس أنه عندما أجرى مقابلة مع طومسون في عام 2002، وجد أنها إما «مراوغة» أو «لم ترغب في الحديث عنه»، ويعتقد فيلتوس أن طومسون تعرف هوية رجل سومرتون، وقالت ابنة طومسون، في مقابلة تلفزيونية عام 2014، إنها تعتقد أن والدتها كانت تعرف الرجل الميت.

في عام 1949، طلبت طومسون من الشرطة عدم الاحتفاظ بسجل دائم لاسمها أو الكشف عن تفاصيلها لأطراف ثالثة، إذ سيكون من المحرج والمضر بسمعتها أن يتم ربطها بمثل هذه القضية، وقد وافقت الشرطة وهو قرار أعاق التحقيقات اللاحقة كثيرًا.

قالت طومسون أيضًا إنها أثناء عملها في مستشفى رويال نورث شور في سيدني خلال الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك نسخة من الرباعيات، وفي عام 1945، في فندق كليفتون جاردنز في سيدني، أعطتها لملازم في الجيش الأسترالي يُدعى ألف بوكسال، كان يخدم في ذلك الوقت في قسم النقل المائي التابع للمهندسين الأستراليين الملكيين، وأخبرت طومسون الشرطة أنها انتقلت إلى ملبورن وتزوجت بعد انتهاء الحرب، كما قالت إنها تلقت رسالة من بوكسال وردّت عليه أنها متزوجة الآن. 

نتيجة محادثاتهم مع طومسون، اشتبهت الشرطة في أن بوكسال هو الرجل الميت، ومع ذلك، في يوليو (تموز) 1949 ، تم العثور على بوكسال حيًا في سيدني وكانت الصفحة الأخيرة من نسخته من الرباعيات سليمة مع وجود كلمة «تمام شود» في مكانها بآخر الكتاب.

هل كان الميت المجهول جاسوسًا؟

كانت هناك تكهنات مستمرة بكون الرجل المجهول جاسوسًا، خاصة وأن مكان وجود الجثة في مدينة أديلايد الواقعة بالقرب من موقعين مهمين بالنسبة لأي جاسوس وهما منجم راديوم هيل لاستخراج اليورانيوم وهو أول منجم لاستخراج اليورانيوم في أستراليا وقد ظل في الخدمة في الفترة من ( 1906 – 1961)، ومنشأة ووميرا، وهي منشأة أبحاث عسكرية أنجلو-أسترالية.

تزامنت وفاة الرجل أيضًا مع إعادة تنظيم وكالات الأمن الأسترالية، والتي ستبلغ ذروتها في العام التالي بتأسيس منظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية وقد تبع تأسيسها حملة واسعة من التجسس السوفيتي داخل أستراليا، – حسب الخبراء- وقد تم الكشف عن أشهرها المعروفة بـ عملية بيتروف من خلال اعتراض تلك الاتصالات السوفيتية ضمن مشروع استخباراتي أمريكي عرف باسم فينونا.

هل توقفت التكهنات الحالية حول الميت المجهول؟

في واقع الحال أن التكهنات حول رجل سومرتون لم تتوقف حتى الآن، وقد قامت عدة حملات من التحقيق ضمن محاولات عدة لحل القضية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، التحقيق الذي قاده البروفيسور ديرك أبوت وفريقه من جامعة أديلايد في مارس (آذار) 2009 في محاولة لحل القضية دون الوصول لنتائج نهائية حاسمة.

 وفي أكتوبر 2019 وافقت المدعي العام الأسترالي فيكى تشابمن، على إعادة فتح التحقيق في القضية لإخضاع الجثة لتحليل الحمض النووي على أن تتحمل الأطراف التي طلبت فتح التحقيق كافة التكاليف، وفي 19 مايو (أيار) 2021 قامت الشرطة بإعادة فتح التحقيق واختبار الجثة ودراستها مرة أخرى لحل لغز قضية الرجل المجهول حسبما نشر في تقرير لـ«بي بي سي».

هل انتهى الأمر؟

في واقع الأمر إن قضية رجل سومرتون المجهول، أو قضية تمام شود كما تعرف بشكل أكثر شهرة، بقيت قضية بدون حل أو جان أو حتى معرفة من كان الضحية الذي طلبت الشرطة الأسترالية المساعدات من كافة الجهات بما فيها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الوليدة آنذاك، وشرطة سكوتلاند يارد البريطانية، لمعرفة هويته ولكن دون جدوى، فقد ظل مجهولًا تمامًا حتى الآن رغم كل تلك المحاولات التي استغرقت سنوات طويلة لمعرفته. 

وللمفارقة فإن الرجل رغم غموضه أو ربما بسبب غموضه قد احتل مكانة هامة ومثيرة للاهتمام في الوعي الجمعي الأسترالي، وربما الغربي كله، حتى أن أحد الفنانين المعاصرين وهو الكندي دانيال فوشارت صنع فيديو ثلاثي الأبعاد بملامح وجه الرجل المجهول تجعله يبدو كما لو كان حيًّا يواجهنا الآن، وفي النهاية دفن (الرجل المجهول) في مقبرة تاريخية بها العديد من المشاهير الأستراليين وهي مقبرة ويست تراس تحت عنوان مميز على شاهد قبره.

«هنا يرقد الرجل المجهول الذي وُجد في سومر تاون بيتش في 1 ديسمبر 1948» – شاهد قبر الرجل المجهول – ويكيبيديا –

المصادر

تحميل المزيد