كانت مدينة طنجة من عام 1923 إلى عام 1956، مصنفة منطقة دولية، تخضع لحكم مجموعة واسعة من الحكومات الأجنبية، إبان فترة الاستعمار، ونتيجة لذلك تحولت إلى مركز للحرية العالمية، حتى أنها اكتسبت سمعة في الغرب كملاذ للجواسيس، والمجرمين، ورجال الأعمال، والمغامرين.

هذا الوعد المُغري بالحرية هو ما جذب مجتمعًا صغيرًا من الفنانين والكتاب المغتربين إلى المدينة، خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خاصًة الأدباء والفنانون الأمريكيون الذين كانوا يتمردون على مجتمعهم التقليدي، ويبحثون عن المغامرة والاستمتاع بالعيش الحر. هؤلاء هم أبرز الأدباء الأمريكيين الذين افتتنوا بسحر مدينة طنجة، وأَلّفوا خلال فترة إقامتهم بها أفضل إنتاجاتهم الأدبية، بعد أن وجدوا السحر والإلهام.

1- ويليام بوروز

نشأ الكاتب الأمريكي وليام بوروز (1914 – 1994) في أسرة ميسورة، وكان طالب دراسات عليا في الأنثروبولوجيا. في عام 1942 تقدم للتجنيد في الجيش الأمريكي للخدمة خلال الحرب العالمية الثانية، لكن طلبه رُفض، ومنذ ذلك الحين أصبح مدمن مخدرات ومتجولًا هائمًا، من الولايات المتحدة إلى المكسيك، وفي النهاية إلى طنجة والشبيهة بالحلم بالنسبة إليه.

في طنجة المغربية كتب وليام بوروز روايته الشهيرة «الغذاء العاري» سنة 1956، وهو عمل مثير وغامض، يحكي فيه بوروز تجاربه الذاتية الهائمة مع الحشيش والهيروين، وفنادق وأزقة هذه المدينة المليئة بالأشياء الغريبة. وضمتها مجلة «التايم» الأمريكية في قائمتها لأفضل الروايات الإنجليزية في الـ100 عام الماضية.

قال وليام بوروز إنه خطّ روايته تلك وهو تحت تأثير الحشيش في معظم الوقت، ولم يستحم أو يغيّر ملابسه لأشهر خلال فترة كتابته لتلك الرواية، ولم يكن مفاجئًا أن أصدقاء بوروز هم من أخرجوا عمله إلى النور، بعد أن جمعوا فصولها بين فوضى أكوام من المخطوطات والملاحظات والرسائل.

2-بول باولز

كان بول فريديريك باولز (1910- 1999) مؤلفًا ومترجمًا أمريكيًا. زار طنجة لأول مرة في عام 1931، ومنذ ذلك الحين تعلق قلبه بها، حيث قرّر الاستقرار بها عام 1947 مع زوجته، وأمضى بقية حياته في هذه المدينة الساحلية المغربية.

خلال فترة عيشه بطنجة، كتب بول باولز العديد من الروايات والقصص القصيرة ومقالات أدب السفر، معظمها تصف الحياة في طنجة وغرائبها كمنطقة دولية مغموسة بالثقافة المغربية، وعبر عن هذا عندما قائلًا: «كنت أدرك شيئًا فشيئًا وجود أجواء لا يمكنني تصويرها، إلا بالكتابة عنها»، بالإضافة إلى ذلك ترجم الكاتب الأمريكي العشرات من قصص الأدباء المغاربة للغة الإنجليزية.

كان باولز رائدًا أيضًا في الموسيقى بشمال أفريقيا، فقد سجّل الكثير من المقاطع الموسيقية ذات الطابع المغربي التقليدي لفائدة مكتبة الكونغرس الأمريكية، وقد أدرك باولز أن الثقافة الحديثة ستغير حتمًا وتؤثر على ممارسة الموسيقى المحلية، وأراد الحفاظ على بعض منها من خلال توثيقها.

أحب بول باولز المدينة حبًّا جمًا، وصار اسمه مرتبطًا بها، ككاتب أمريكي دولي يعيش في طنجة الدولية، حتى أصبح نقطة جذب، جعلت الكتاب والمفكرين الأمريكيين الصاعدين الآخرين يختارون طنجة ضمن وجهاتهم السفرية بحثًا عن الإلهام.

3- إيرا كوهين

نشأ إيرا كوهين (1935 – 2011) في مدينة نيويورك لأبوين صم، وأصبح شاعرًا وناشرًا ومخرجًا. في عام 1961 بدأ رحلة مغامرة وركب كوهين في سفينة شحن يوغسلافية قادمة إلى طنجة، وعندما استكشف المدينة وجد ضالته، وقرر أن يستقرها بها، وعندئذ بقي الفنان الأمريكي في طنجة سنوات قبل أن يعود إلى نيويورك في الثمانينات.

أثناء إقامته بطنجة نشر كوهين مجلة أدبية بعنوان «كناوة»، احتوت على مقالات مبكرة من دائرة بيت الكتاب الأجانب العاشقين لطنجة، بما في ذلك ويليام بوروز. أنتج أيضًا كوهين تسجيلات موسيقية «جيلالا» الشائعة بين الدراويش المغاربة، كما نشر كتاب «الحشيش» الذي كتبه خلال فترة عيشه بالمدينة المغربية.

4- بيتر أورلوفسكي

كان بيتر أنتون أورلوفسكي (1933 – 2010) شاعرًا ورسامًا أمريكيًا، من أصول أسرة روسية مهاجرة، نشأ في فقر شديد وأُجبر على ترك المدرسة الثانوية حتى يتمكن من إعالة أسرته الفقيرة. جّند في عام 1953 للمشاركة في الحرب الكورية في سن التاسعة عشرة، لكن الأطباء النفسيين أمروا بنقله من الجبهة للعمل كمسعف، وبعد ذلك بسنوات وبتشجيع من شريكه ألين جينسبيرج بدأ يكتب أورلوفسكي الأشعار، ويرافقه في رحلاته، حيث أقاما في مدينة طنجة لمدة بعدما سُحرا بأجوائها.

وألف أورلوفسكي كتابًا بعنوان «حياة في الكلمات: سجلات حميمة» يصف فيه رحلته إلى المغرب، كما كتب رسائل طويلة ومفصلة إلى والدته وأصدقائه، يسرد فيها تجربته في مدينة طنجة.

5- جاك كيرواك

جاك كيرواك (1922 – 1969) وهو روائي أمريكي، كان رائدًا في حركة الأدب الأمريكي المعروفة بـ«Beat Generation»، إلى جانب ويليام بوروز وألين جينسبيرج، وهي حركة شبابية أمريكية ظهرت في الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي، رفضت المجتمع التقليدي، وأطلقت العنان لحرية التعبير والتصرف، مفضلين العيش الحر وموسيقى الجاز الحديثة والحشيش.

وعُرف جاك كيرواك بصفته جوّالًا هائمًا بين مناطق العالم، وكانت طنجة إحدى محطات رحلاته المغامرة، إذ وثّق زيارته في إحدى مؤلفاته قائلا، «لقد تذوقت «ماجون» هناك، وهي حلوى تُحضّر بالعسل والتوابل والحشيش، إنها تعطي تنفيسًا هائلًا مع خليط من الأحاسيس الملونة».

وقد فقدت مدينة طنجة منذ عقود تلك الجاذبية التي كانت تستقطب بها الأدباء والكتاب الغربيين، إبان فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومع ذلك لم يزل محترفو وهواة الثقافة والأدب في طنجة يحاولون بكل حماس استعادة مجدها الذهبي في الأدب الدولي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد