هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

في هذا التقرير نتتبع أنشطة السياسي العراقي طارق الهاشمي في لوبيات واشنطن في الأعوام الأولى لصراعه مع نوري المالكي، رئيس وزراء العراق الأسبق، ثم خروجه من العراق، ومحاولاته إلغاء الأحكام الصادرة ضدّه في العراق، وسعيه إلى العودة للحياة السياسية في العراق من بوابة واشنطن.

من هو طارق الهاشمي؟

طارق الهاشمي هو سياسي سنّي عراقي برز بعد احتلال العراق، وشغلَ منصب نائب الرئيس منذ 2006 حتى استقالته عام 2013، وخروجه من البلاد بعد صراع سياسي حاد له مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ظهر للعيان في 2011، ويقول الهاشمي إن أصل الخلاف تأييده للاحتجاجات العراقية في ذلك العام، ورفضه مقترح المالكي للرد عليها بالقوة.

اتهم المالكي وحكومته الهاشمي بـ«دعم الإرهاب» وتنسيق وتمويل هجمات «إرهابية»، وصدرت في حقه مذكرات اعتقال تلاها في سبتمبر (أيلول) 2013 حكمٌ بالإعدام شنقًا. اعترض الهاشمي على الأحكام الصادرة ضده، واعتبرها محاكمةً مسيّسة، وخرج إلى إقليم كردستان العراق لفترة من الزمن، ومنه لتركيا.

شكّل الهاشمي في سبتمبر 2009 قائمةً نيابية جديدة باسم «قائمة التجديد»، ووقّعت القائمة عقد ضغط سياسي في الولايات المتحدة مع مارك الصالح، وهو رجل أعمال عراقي – أمريكي ومستشار سياسي للهاشمي، وهو المحرك الأول لأنشطته السياسية في الولايات المتحدة، كما تكشف وثائق وزارة العدل الأمريكية، ويُذكر هنا أن من حقّ الأفراد المستقلين، وليس الشركات فقط، أن يعملوا في مجال الضغط السياسي.

وقد عمل مارك الصالح لزبائن عراقيين آخرين كبار كلهم من السنة، مثل الشيخ والسياسي العراقي جمال الضاري، شيخ قييلة زوبع، وأحد معارضي التدخل الإيراني في العراق، والشيخ علي حاتم السليمان، شيخ عشائر الدليم واحدة من أكبر القبائل السنية في العراق.

الهاشمي يقصد واشنطن قبل شهر من الانتخابات

جاء عقد الهاشمي وقائمته الانتخابية مع الصالح بتاريخ 9 فبراير (شباط) 2010، أي قبل شهر تقريبًا من الانتخابات البرلمانية، التي أشعلت نتائجها خلافًا سياسيًا كبيرًا في العراق عندما رفض المالكي وكتلته القبول بنتائج الانتخابات واعترضوا عليها.

كان الخلاف على تفسير الدستور وتحديده لمن يحق له أن يشكّل الحكومة من الكتل البرلمانية؛ القائمة الانتخابية الأكبر التي تفوز بالانتخابات؟ أم الكتلة المتحالفة الأكبر (مُشَكّلة من قوائم) داخل البرلمان بعد انتخابها؟ وقالت المحكمة الدستورية بالتفسير الثاني؛ ما سمح للمالكي بتشكيل الحكومة والسيطرة عليها من جديد.

من تعاقد السياسي العراقي طارق الهاشمي وقائمته الانتخابية، قائمة التجديد، مع مارك الصالح، رجل الأعمال العراقي – الأمريكي الذي يعمل في مجال الضغط السياسي لصالح عدّة سياسيين سنة من العراق. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

بدأ مارك الصالح بتنفيذ خدماته على مستوى رفيع، فاجتمع بمكتب كولين كاهل، مستشار الأمن القومي لجو بايدن حين كان نائبًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهو أيضًا من دعاة التحالف الأمريكي بالكامل مع الأكراد في العراق، وكان يعمل حينها نائبًا لمساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط في البنتاجون.

واجتمع الصالح بمكتب جون كيري، وكان حينها سيناتورًا ديموقراطيًا يترأس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قبل أن يصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية الأمريكية.

تُورد ملفات الصالح اجتماعه مع سفراء ومراكز بحثية أمريكية، ولكن دون الإفصاح عن أسمائها، وتقول الوثائق إنه اجتمع بدبلوماسيين عرب أيضًا.

وفي عامي 2011 و2012 يذكر الصالح اجتماعه بأعضاء من الكونجرس يعملون على الشؤون الخارجية، ومع أعضاء من فريق نائب الرئيس بايدن، لمناقشتهم بـ«تهميش السنة» في العراق على يد حكومة المالكي، وتجاوزاته للدستور، وضرورة أن تضغط الولايات المتحدة عليه ليقتسم السلطة مع الأطراف السياسية الأخرى في العراق.

Embed from Getty Images
صورة قديمة لطارق الهاشمي، نائب الرئيس العراقي، مع جو بايدن، بصفته نائبًا للرئيس الأمريكي عام 2009.

وفي 2013 اجتمع الصالح مع مسؤولين بالحكومة الأمريكية، من الكونجرس ووزارة الخارجية، ومع مراكز بحثية، لمناقشتهم بالأوضاع في العراق، وللضغط ضدّ محاكمة الهاشمي باعتبارها «مفبركة ومسيّسة يقودها نظام المالكي المستبد والطائفي» ضد الهاشمي وغيره.

وتُورد الملفات أن الصالح نشر موادًا ترويجية لصالح الهاشمي وقائمة التجديد في وسائل إعلام أمريكية مثل صحيفة «ذا هيل» ومجلة «فورين بوليسي» وشبكة «إن بي سي».

وانتهى هذا العقد بين الهاشمي ومارك الصالح في 15 فبراير 2013 بعد استمراره لثلاث سنين، تحصّل فيه الصالح على قرابة 260 ألف دولار أمريكي مقابل خدماته. ومن الجدير بالذكر أنه لم يلتزم بشكل كامل بالقانون الأمريكي الفيدرالي لتسجيل أنشطة الضغط السياسي، المعروف بقانون «فارا»، إذ لم يفصح عن أسماء المسؤولين الأمريكيين الذين اجتمع بهم، ولا مواضيع الاجتماعات أو تواريخها.

مارك الصالح.. رجل لوبيات سُنّة العراق في واشنطن

لعلّ مارك الصالح بتعاقداته الكثيرة لأطراف سنّية عراقية مختلفة يصحّ أن يقال عنه «رجل لوبيات السنّة العراقيين في واشنطن».

وتكشف وثائق مارك الصالح في وزارة العدل الأمريكية عن تعاقد في يوليو (تموز) 2014 مع مجلس العموم لشيوخ العشائر العراقية والعربية، وينصّ العقد على الضغط في أمريكا ضد التواجد الإيراني في العراق وضد «الميليشيات الشيعية» المسلحة فيه.

مارك الصالح، مستشار سياسي لطارق الهاشمي، نائب الرئيس العراق سابقًا. مصدر الصورة: مركز واشنطن لدراسات الشرق الأوسط.

وتكشف الوثائق عن عقد آخر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، العقد لمارك الصالح مع «برنامج العراق للأمن والاستقرار»، وهو مركز يترأسه مارك نفسه، والتعاقد ليُفصح عن تمثيله للمركز في أنشطة ضغط سياسية، وبحسب الوثائق، للمركز مكاتب في العاصمة العراقية بغداد، وفي أربيل، وفي العاصمة الأردنية عمّان، وتذكر الوثائق أن البرنامج للتنسيق بين العراقيين وشيوخ القبائل. ومجددًا يظهر في العقد هدف الضغط ضدّ «الميليشيات الشيعية الإرهابية» في العراق.

ولدينا عقدٌ آخر للهاشمي أشرفَ عليه مارك الصالح، وقع في 20 أبريل (نيسان) 2012 مع شركة «سانتياس إنترناشونال – Sanitas International» للضغط السياسي، ولكن العقد منحصرٌ بأنشطة الترويج الإعلامي للهاشمي.

اتفق الطرفان في هذا العقد على دفع 54 ألف دولار، ولكن لم نستطع التوثق مما إذا كان قد دفعها الهاشمي، أو أن الشركة قد قدمت خدماتها له؛ إذ لم تكشف الوثائق عن هذه التفاصيل، وانتهت العلاقة بين الطرفين في يناير (كانون الثاني) 2013.

ومن الجدير بالذكر أن الشركة عملت أيضًا للشيخ العراقي والسياسي السنّي جمال الضاري، ولها زبائن آخرين من الشرق الأوسط، منهم عارف النايض، السياسي الليبي، ورئيس مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، وأحد مؤيدي اللواء الليبي خليفة حفتر.

العقد الأخير للهاشمي

العقد الأخير لطارق الهاشمي في سجلات وزارة العدل الأمريكية سجّل بتاريخ 30 يوليو 2013، مع شركة «كاسيدي آند أسوشيتس – Cassidy & Associates»، انتهت العلاقة بعد ستة شهور في نهاية 2013، ودفع فيها الهاشمي، عبر حزبه السياسي حزب التجديد، مبلغ 31 ألف و440 دولارًا أمريكيًا، مقابل خدمات إعلامية، مثل نشر مقالات رأي في صحف أمريكية.

وتذكر ملفات الشركة وجود «تواصل محدود» مع سياسيين أمريكيين، ومن الجدير بالذكر أن ممثل الشركة في هذا التعاقد هو جريج هارتلي، الذي عملَ سابقًا كبيرًا لموظفي النائب روي بلانت، زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس النوّاب سابقًا.

وكبقية العقود أشرف على هذه العلاقة مارك الصالح نيابةً عن الهاشمي وحزبه.

فماذا كان مصير الهاشمي؟

أيّد الهاشمي احتجاجات السنة في العراق في مراحل مختلفة، ورفض الاتهام العام لسنّة العراق بالتعاون مع التنظيمات الجهادية المتهمة بـ«الإرهاب»، مثل تنظيم «القاعدة» أو «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وقال في تصريحاته: إن تظاهرات السنة تأتي ردًا على «القمع والتمييز والظلم والفساد» ضدهم «على مدى 11 عامًا»، والهاشمي معارض للنفوذ الإيراني في العراق والفصائل المسلحة الموالية لطهران، وصرّح سابقًا: إن «قاسم سليماني كان الحاكم الفعلي للعراق».

Embed from Getty Images
طارق الهاشمي، السياسي العراقي ونائب الرئيس سابقًا، مع هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مطلع عام 2010. 

وقد تقدّمت حكومة المالكي بشكوى للإنتربول صدر على إثرها في مايو (أيار) 2012 مذكرة توقيف بحق الهاشمي، ولكن رُفعت عنه عام 2016 بعد تشكُّك الجهاز من صحة المعلومات التي قدمتها بغداد ضدّ الهاشمي، ومن الجدير بالذكر أن المحامي الشخصي للهاشمي فقد أثره لتجد أجهزة الأمن العراقية جثته شمال العاصمة بغداد في مطلع 2017.

وفي منتصف 2020 قرّر السياسي العراقي السني رافع اليساوي تسليم نفسه للقضاء العراقي لتعاد محاكمته في قضايا صدر عليه فيها أحكام غيبية، وكان وزيرًا للشؤون الخارجية ووزيرًا للمالية في حكومات المالكي، ولكن عزل من منصبه في 2014 بتهم متصلة بـ«الإرهاب»، وتنقل قناة الجزيرة أنه في نهاية 2018 برّأته وزارة المالية لعدم وجود أدلة كافية ضده.

وعلى أثر هذا التطوّر، صرّح الهاشمي إنه مستعد لتسليم نفسه للقضاء العراقي لتصفية قضاياه المُعلّقة، بشرط «التقاضي العادل ووفقًا للدستور».

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد