تعتبر القاهرة، واحدةً من أفضل المدن لبدء الشركات الصغيرة فيها (start up)، وذلك وفقًا لمجلة فوربس، التي أوضحت أسباب ذلك بالإشارة إلى أن القاهرة تحفل بعددٍ من أفضل المواهب في مجال الهندسة في الشرق الأوسط، وبفضل التعليم الذي يتلقاه المهندسون في الجامعات، كما أنها تزخر بالعديد من الأفكار  وحملات التمويل الجماعي، التي تساعد رواد الأعمال الشباب على تنفيذ مشروعاتهم.

وما يُدلل على أن القاهرة بيئة واعدة للشركات الصغيرة، أرقام التمويل التي تضعها الشركات وبرامج التحفيز لتشجيع إنشاء عدد أكبر منها، كبرنامج التحفيز «Flat6Labs»، الذي أعلن في مارس(آذار) الماضي، عن 5.6 مليون دولار لتمويل عدد من الشركات الصغيرة، في عدد من بلدان الشرق الأوسط، من بينها مصر.

لكن، ما يحدث من اضطراب في السوق المصرية، بخاصةٍ مع تفاقم أزمة الدولار، وتخطيه حاجز 15 جنيهًا، في السوق السوداء، مقابل ثبات سعره في البنوك عند 8.88 جنيه، بالإضافة إلى التقليل المستمر لحدود السحب من كروت الدفع الإلكتروني، قد يهدد هذا الواقع الواعد.

شركات التسويق الإلكتروني مهددة بالتوقف

كان محمد نور من بين الشباب الذين آثروا المخاطرة ببدء مشروعه الخاص في مجال التسويق الإلكتروني، على أن يبقى موظفًا في إحدى الشركات. قد تحقق الوظيفة الأمانَ لمحمد، لكنها لا تصل به إلى طموحه، الذي يسعى وراءه عبر شركته «PRODEV»، التي تقدم خدمات استضافة المواقع والتسويق الإلكتروني.

نشاط شركة نور الذي استمر لثلاث سنوات، مهدد الآن بالتوقف، بعد قيام البنوك بتقليل حدود السحب على كروت الائتمان والدفع الإلكتروني، الأمر الذي يمنعه من ممارسة نشاطه بحرية. يقول نور: «كل من يقوم بنشر إعلانات عبر فيسبوك وجوجل، من يشتري سيرفرات أو دومين، لا يستطيع فعل ذلك دون الدفع الإلكتروني».

وأضاف نور لـ«ساسة بوست»، أن الانخفاض في حدود الكروت، الذي وصل في بنوك إلى 100 دولار في الشهر، «لا تستطيع أي شركة تسويق تغطية ميزانية عملائها من الإعلانات وباقي الخدمات به»، وفق كلامه.

ويوضح نور كيف أن الوضع الحالي، يجعل الشركات مضطرة للتحايل على القرارات الأخيرة، بطرق مختلفة، مثل أن تغطي الشركات ميزانية عملائها من الإعلانات، عن طريق تحويلات من أصدقاء في دول كالسعودية والإمارات، حيث لا توجد حدود قصوى للدفع الإلكتروني، ومن ثمّ تُغطّى هذه الكمية من الدولار، بمقابلها بالجنيه المصري.

إلا أن هذه الطريقة «تزيد العبء المالي على العميل، لأنه يدفع ثمن الدولار في السوق السوداء، لا ثمنه المقرر من قبل البنك، وهو ما يساوي تقريبًا ضعف الميزانية من الجنيه المصري»، كما يقول نور.

وشركة نور واحدة من عدّة شركات تعمل في مجال التسويق الإلكتروني، شكّلوا مجموعة عمل، تحاول إيجاد حلولٍ للوضع الذي يهددهم جميعًا.

من بدأ هذه المجموعة كان أحمد عبدالعزيز، عبر دعوة على صفحة شركتهeMarketing Square» ». تواصل «ساسة بوست» مع عبدالعزيز، الذي  كشف عن مدى التضرر الذي أصاب شركته، بسبب قرارات البنك المركزي، التي تقلل باستمرار الحدود القصوى للدفع الإلكتروني.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/eMarketingSq/photos/a.372059813003391.1073741828.370380926504613/539097702966267/?type=3&__mref=message_bubble” width=”” ]

وقال عبدالعزيز، إنه يُسيّر عمله الآن، من خلال بطاقة إحدى البنوك المصرية، التي ظلّت حدود الدفع الإلكتروني فيها «معقولة»، لكنه مهدد بالتوقف عن عمله تمامًا، إذا تم تقليل حدودها هي الأخرى: «خسرت بالفعل عميلين لعدم قدرتي على تغطية ميزانية إعلاناتهما»، كما قال.

يرى عبد العزيز، أن البنك المركزي بهذه القرارات، «لا يدرك حجم السوق الذي يتسبب في إضراره»، مُضيفًا: «يجب أن تكون هناك حلول كأن يتم استثناء بطاقات الدفع الخاصة بشركات التسويق الإلكتروني من هذه القرارات التي تضر بنشاطها».

مبيعات أقل وزيادة في أسعار خامات الإنتاج

أسس محمد هيبة بعد عودته من إيطاليا، في يناير (كانون الثاني) الماضي، «Fab Lab 10th City» وهي جزء من شبكة عالمية لعدة معامل، هدفها إتاحة الوصول إلى أدوات التصنيع الرقمية، كما تعتبر واحدة من الشركات الصغيرة التي تعمل في مجال صناعة التكنولوجيا وتطوير الروبوتات.

يقول هيبة لـ«ساسة بوست»، إن كون شركته تابعة للشركة التي كان يعمل بها سابقًا في إيطاليا قبل انتقاله إلى مصر، يزيح عنه مشكلة توفير الدولار من أجل استيراد الخامات اللازمة لعمل الشركة: «تقوم الشركة في إيطاليا باستيراد الخامات من الصين، وأنا أقوم بجلبها من إيطاليا مباشرة، لكني بالطبع علي أن أوفر أثمان هذه المعدات التي يتم استيرادها بما يقابل ثمنها بالدولار»، حسبما قال.

وأوضح هيبة أن هبوط الجنيه أمام الدولار، زاد من قيمة الخامات التي يقوم بتوفيرها لشركته بما يقارب الـ20%، وهي الأسعار المرشحة للزيادة مع زيادة هبوط العملة الوطنية أمام الدولار. «لا تتأثر الكورسات التي نقدمها في مجال عملنا بشكل كبير، لكن عملنا نفسه يتأثر بهذه الزيادات المتلاحقة»، كما يقول هيبة.

وعلى عكس هيبة وشركته «Fab Lab 10th City»، فإن «ريسيكلوبيكيا»، الشركة الصغيرة المتخصصة في إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية استفادت من الأمر، بحسب متولي مجدي، مدير تسويق الشركة، وذلك لأن زيادة أسعار الدولار  زادت أرباحها بالعملة المصرية.

يقول مجدي، إنّ «جزءًا من عملنا هو توريد الخامات الثمينة التي نقوم بجمعها وتصنيفها من المخلفات الإلكترونية إلى دول تمتلك تكنولوجيا إعادة تدوير مثل هذه المعادن، زيادة سعر الدولار هو يعني زيادة دخلنا من الجنيه المصري، ومع ذلك فإن زيادة السعر تقع علينا بالسلب أيضًا».

يوضح مجدي في حديثه لـ«ساسة بوست» أنه مع زيادة سعر الدولار، زادت سعر المادة الخام التي تعتمد عليها شركتهم، وهي الخردة والمخلفات الإلكترونية، بالإضافة إلى اضطرارهم لزيادة مرتبات العاملين بالشركة ليستطيعوا مواكبة الزيادات المتلاحقة في الأسعار.

تنسحب هذه الآثار أيضًا على سهيل عثمان، صاحب إحدى الشركات التي تعتمد في نشاطها على استيراد وتصدير بعض المنتجات، متمثلة في تقليل المبيعات، كما يقول، إلا أنه يرى أن المشكلة أكبر مع الشركات التي تعتمد في نشاطها على التصنيع.

وأوضح عثمان «استيراد الخامات يصبح صعبًا مع قلة توافر الدولار  في البنوك، ويصبح ذا تكلفة عالية مع توفيره من السوق السوداء»، مُضيفًا: «الشركات الصغيرة لا تستطيع تحمّل خسائر مماثلة».

الدولار فقط؟

ربما تكون أزمة الدولار هي الأزمة الراهنة التي تمر بها هذه الشركات، لكنها ليست المشكلة الوحيدة التي تقف في طريق الشركات الصغيرة التي تحقق نموًا متسارعًا، تهتم به العديد من مشاريع التمويل، والمهتمين بالاقتصاد، فهناك عدد من المشاكل المتعلقة بكيفية تعامل الدولة مع هذه الشركات.

من ذلك الضرائب الباهظة، التي عانى منها محمد هيبة، صحاب شركة «Fab Lab 10th City»، ويُفسر هيبة السبب بأن مصلحة الضرائب، لا تنظر إلى طبيعة المشروع، وإنما إلى المعدات، أو المشاريع التي نقوم بها، فيفرضون أرقامًا كبيرة، دون تفهمٍ لطبيعة الشركة.

واعتبر هيبة أن البيروقراطية الموجودة في النظام المصري، تُعتبر واحدةً من الصعوبات التي وقفت أمامه: «الكثير من الأوراق والكثير من الموافقات، هذه أمور تؤخر الكثير من المشاريع، وتؤخر بالفعل دخول معدات نحتاجها هنا للعمل».

مستقبل واعد ينقصه التشريع الملائم

تعتبر بيئة الشركات الصغيرة في مصر بيئة واعدة في عيون الكثير من المراقبين والعاملين في مجالات اقتصادية مختلفة، فقد وصف موقع «techcrunch»، القاهرة، في مقال نُشر في مارس (آذار)  2015، بأنها تشهد ربيعًا من نوع جديد، مشيرًا إلى نمو أعداد الشركات الصغيرة، خاصةً العامل منها في المجال التكنولوجي.

 

كتب المقال مايكل بوتشر، وهو مدون في العديد من المواقع المهتمة بالتكنولوجيا، وقد سجّل في مقاله هذا رحلته إلى القاهرة، ولقاءه عدد من رواد الأعمال الشباب في مصر. يقول بوتشر، إن مصر «أصبحت بيئة لعدد كبير من رواد الشركات الصغيرة التكنولوجية».

وأوضح بوتشر أنه قبل عام 2011، لم يكن أحد في مصر يعلم بـ«Angel list»، وهي شبكة اجتماعية خاصة بالشركات الصغيرة، لكن ومنذ عام 2011، بدأت شركات صغيرة مصرية تنشئ صفحات على الموقع، بدأت بثلاثة شركات في 2011، ووصلت حتى فبراير 2015 إلى 67 شركة.

ويرى بوتشر أنه رغم صعوبة إيجاد رواد الأعمال الشباب لسبل التمويل في مصر، إلا أنهم يبتكرون طرقهم الخاصة لتمويل مشاريعهم، مثل التواصل مع البرامج التحفيزية التي بدأت في الظهور أيضًا، أو التمويل الجماعي.

أشهر هذه البرامج هي «Flat 6 Labs»، البرنامج الذي ساعد في ظهور شركات صغيرة مثل «Instabug»، التطبيق الذي يساعد المستخدمين على وضع شكواهم وآرائهم حول التطبيقات التي يستخدمونها عبر هواتفهم الذكية، والذي انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع تطور وتزايد أعداد الشركات الصغيرة، تزداد فرص التمويل مع ظهور برامج تحفيزية، وتوافر دعم أكبر  ليس لمصر فقط، ولكن لعدد كبير من بلدان الوطن العربي، فمنذ ستة أيام أعلنت «SAP»، واحدة من كبرى الشركات العالمية في مجال التكنولوجيا عن برنامجها لإيجاد رواد الأعمال الموهوبين، وذلك من أجل دعم الأفكار المختلفة بتأثير  قد يتعدى المنطقة، بحسب ما نقله موقع «Trade Arabia».

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/cairoangels/photos/a.281206711984750.55758.280923045346450/840299829408766/?type=1&theater” width=”” ]

بالإضافة إلى ذلك، فإن «Cairo Angels»، أحد البرامج التحفيزية لرواد الأعمال، يستثمر أكثر من 12 مليون جنيه مصري في أكثر من 50 شركة صغيرة مصرية، وذلك بحسب حوار أجرته منة عبد الرحمن، المدير العام لـ«Cairo Angels» مع صحيفة «Daily News Egypt».

تقول منة عبد الرحمن لديلي نيوز، إنها ترى أن «ريادة الأعمال أساسية لبناء الاقتصاد المصري، بخاصة وأن الشركات الصغيرة تحقق العديد من الإنجازات في وقت صغير  على الرغم من كونهم في سوق جديد، بالإضافة إلى الاضطرابات التي تحل بالسوق».

كما ترى أن العنصر الناقص في هذه البيئة هو الاهتمام الحكومي بالشركات الصغيرة، وذلك لخلق مناخ تشريعي ملائم لها، وتسهيل إجراءات فتحها وغلقها، وتعديل القوانين بما يتناسب وتطور أنشطة هذه الشركات، مشيرة إلى أن هناك تدابير حكومية منعت أنشطة وأغلقت بالفعل شركات من هذا القطاع.

وفي حوار صباحي أجرته ألين بولوك، محررة إدارة الأعمال في مجلة بلومبرج مع مذيعي قناة «بلومبرج» عن الموضوع الرئيسي في قسم التكنولوجيا للمجلة في يونيو (حزيران) الماضي، والذي كان عن التنمية التي يشهدها المشهد التكنولوجي في دول العالم، كانت القاهرة من بين المدن المتحدث عنها.

وقالت بولوك إن السوق التكنولوجية في مصر ما زالت فتية، مشيرة إلى «Fab LAB» كواحدة من الشركات المصرية الواعدة العاملة في هذا المجال، فقد وصفت بولوك الشركة الصغيرة بأنها مساحة عمل آمنة من أجل المخترعين والمطورين؛ ليقوموا بالعمل سويًا في ظل توفير المعدّات المختلفة التي يحتاجونها.

وأضافت أنه على الرغم من أن الدعم الذي تتلقاه شركات مثل «Fab Lab» لا يشبه دعم الشركات في وادي السيليكون الأمريكي، إلا أن الشباب الصغير يساندون بعضهم من خلال عملهم سويًا على مشروع واحد، أو في شركة واحدة، ويتحملون العديد من المخاطرة في ظل الظروف التي لحقت بمصر منذ سقوط نظام مبارك في 2011.

عرض التعليقات
تحميل المزيد