في فترة الخريف من كلّ سنة يتّجه السيّاح من كل أنحاء العالم لزيارة منطقة طاسيلي الواقعة في قلب الصحراء الجزائريّة، قاصدين لوحة رسمها الإنسان القديم على جدران كهفه قبل آلاف السنين، تظهر فيها بقرة تنزل الدموع من أعينها. وقد أثار لغز «البقرة الباكية» العديد من علامات الاستفهام حول المغزى من هذه الرسمة، إذ يقول المرشدون السياحيون في المنطقة إنه قبل آلاف السنين جاء راعٍ برفقة قطيعه من البقر إلى المنطقة قاصدًا بركة الماء ليشرب منها قطيعه، فلمّا وجد البِركة قد نضبت، فبدأت أبقاره بالبكاء من شدّة العطش، وقد صوّر هذا المشهد الاستثنائي على جدار كهفه ليبقى شاهدًا على هذه الحادثة على مر العصور. 

Embed from Getty Images

رسم البقرة الباكية  

في منطقة طاسيلي جنوب الجزائر، وفي قلب الصحراء الكبرى، تبدو تكتّلات من صخور البركانية داكنة اللّون، على شكل قمم صخرية كعمارات قديمة مهجورة، إلاّ أن تشكيلها الجيولوجي يرجع إلى عمليّة التعرية التي تتسبّب فيها الرياح والعوامل الطبيعية الأخرى؛ وتعرف هذه القمم باسم «الغابات الحجريّة». وسط هذه «الغابات» توجد كهوف تُخفي أسرار الإنسان القديم الذي سكن المنطقة، وأرّخ لتلك الفترة السحيقة من خلال رسومات تركها على جدران هذه الكهوف؛ وهو ما حوّل هذه المنطقة المهجورة التي لا يصل إليها بشر بسبب تواجدها وسط الصحراء القاحلة، إلى مزار للسيّاح والباحثين من مختلف أنحاء العالم، لكن هذه الرسوم الصخريّة لن تروي فقط قصّة الإنسان القديم وكيف عاش قبل التاريخ، بل ستروي أيضًا كيف استخدمت فرنسا عِلم الآثار والاكتشافات في منطقة طاسيلي لتُحكم قبضتها الاستعماريّة في الجزائر. 

منطقة طاسيلي.. أكبر متحف لرسومات ما قبل التاريخ في العالم

«طاسيلي ناجر» هي منطقة تقع في الصحراء الجزائرية في الجنوب الشرقي من العاصمة، وهي مرتفعة بحوالي 2000 عن سطح البحر، وتمتد لمساحة شاسعة تبلغ 12000 كم مربع، وتغطّي مساحتها قممًا صخرية متآكلة وسط الرمال وتسمى «غابات صخرية»، كما تتشكّل في مضايقها كهوف قديمة تحتوي على نقوش ورسومات يعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وقد صنّفت منظّمة اليونيسكو منطقة الطاسيلي باعتبارها إرثًا تاريخيًا سنة 1982.

Embed from Getty Images

الغابات الصخريّة

وقد فتحت تلك الرسومات الباب للمستكشفين وكتّاب الخيال العلمي لنسج النظريّات حول مغزاها وصاحبها الرئيس، فهنالك من أوّلَ بعض الرسومات وأزيائها وأجسامها الغريبة باعتبارها كائنات فضائية، فيما تحدّث البعض أن هذه الرسومات تؤرّخ لقارة «أطلنتس» المفقودة، بينما يتحفّظ العلماء على مثل هذه النظريات لانعدام الأدلة الدامغة عليها.

لوحة الإله الأعظم

منطقة صِفار التي تضمّن آثار طاسيلي، يعتبرها الباحثون أكبر متحف طبيعي مفتوح في العالم، إذ تتضمّن كمًّا هائلًا من آثار الإنسان القديم ورسوماته ونقوشه التي خلّدها في جدران هذه الكهوف، وتضمّ رسومًا لكائنات بشرية مع أبنائها، وأخرى لحيوانات لا تسكن عادة الصحراء كالزرافات، والفيلة، والغزلان، والجواميس وغيرها، بالإضافة إلى أدوات الصيد، ورسومات غامضة يرجّح البعض أن تكون صورًا للآلهة بالإضافة إلى الحاشية التي تنتشر حولها؛ وقد ساعدت هذه الرسومات الباحثين على تتبّع تاريخ الصحراء الكبرى ودراسة الحضارات القديمة التي كانت تسكن تلك المنطقة الجرداء حاليًا، إذ استندوا على هذه الرسوم للاستدلال بأن الصحراء الكبرى كانت مهدًا لتجمّعات بشرية كبيرة في السابق، كما أن بيئتها كانت غنية بأشكال الحياة المتنوّعة من الحيوانات والنباتات. 

Embed from Getty Images

رسوم لزرافات 

تطرح آثار الطاسيلي أسئلة أكثر ممّا تقدّم أجوبة، إذ يتساءل الباحثون عن مصدر الطلاء الذي رسم به الإنسان القديم ليبقى واضحًا طوال كل هذه السنين، وبالرغم من العوامل طبيعية كالأمطار، وقد اختلف الكثير من علماء الآثار حول مغزى تركّز تلك اللوحات الصخرية في تلك المنطقة بالذات وعن تاريخ الحضارة البشرية التي عاشت في تلك المنطقة قبل آلاف السنين، وبسبب غموض بعض الرسومات ورموزها الغريبة، ذهب بعض المستكشفين إلى تفسيرات خوارقيّة لها، من بينها نظريّة المخلوقات الغريبة، وقارّة أطلنتس الغامضة. 

Embed from Getty Images

رسوم لما يبدو أنه حيوان الفيل

وتعاني هذه الآثار التي بقيت شاهدة على الوجود الإنساني في عمق الصحراء الجزائريّة والمصنّفة تراثًا عالميًا من طرف «اليونيسكو» من التخريب والإفساد من طرف بعض السيّاح والمغامرين، إذ يرسم البعض بالطلاء فوق هذه الرسومات التاريخيّة أو يدوّنون أسماءهم فوق الصخور؛ في مقابل تقاعس السلطات أحيانًا عن حماية هذا الإرث الإنساني الفريد.

عِلم الآثار سلاحًا في يد الاستعمار

في سنة 1958 – والتاريخ هنا مهمّ – أصدر عالِم الآثار الفرنسي هنري لاوتي كتابًا سيصنع ضجّة كُبرى في العالم، وجاء الكتاب بعنوان «À la découverte des fresques du Tassili par Henri Lhote» أو  «اكتشاف المصوّرات جصيّة في الطاسيلي»، ويضمّ الكتاب لأوّل مرّة صورًا وتفاصيل اكتشافات الرسوم الموجودة في كهوف منطقة طاسيلي، وقد سوّقت المؤسسة الثقافية والسياسية الفرنسية هذا الكتاب باعتباره أوّل وأضخم كشف لهذه المنطقة التي كانت «مجهولة تمامًا» في السابق، واعتبرته فتحًا علميًّا وثقافيًا غير مسبوق في العالم ربّما يضاهي اكتشاف الأهرامات.

لكن الغريب هو أنّ الكاتب لم يذكر أبدًا مجهودات العديد من الباحثين والمستكشفين الأوروبيين الذين سبقوه إلى تلك المناطق وقاموا بتدوين رسومات المنطقة ونشرها قبله بسنوات؛ فأوّل ذِكر لهذه الرسومات في منطقة الصحراء يرجع على الأقلّ إلى سنة 1850 للمستكشف الألماني هانريش بارث، فهل الأمر متعلّق بمجرّد سرقة علميّة، أم أن للأمر أبعادًا سياسية أعمق؟
Embed from Getty Images

رجل من الطوراق

يشير عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جيريمي كينان، في كتابه «the lesser Gods of the Sahara» إلى الخلفيات السياسيّة الاستعماريّة التي رافقت نشر كتاب هنري لاوتي، والاحتفاء الفرنسي غير المسبوق بالكتاب وترجمته إلى العديد من اللغات. يذكر كينان أنّ هنري لاوتي كان قد نشر من قبل بحثًا حول رسومات الطاسيلي في أحد المؤتمرات سنة 1952، وقد ذكر في تفاصيل البحث المجهودات التي سبقته للمستكشفين الأوروبيين؛ فما الذين تغيّر بين سنتيْ 1952 وسنة نشره للكتاب سنة 1958؟ إنها الثورة الجزائريّة. 

سياسة

منذ 3 سنوات
الهولوكست المنسي.. حين حولت فرنسا الجزائر إلى حقل للتجارب النووية الإسرائيلية!

1956 وأثناء انطلاق الرحلة البحثية التي قادها هنري لاوتي إلى منطقة الطاسيلي، كانت الثورة الجزائريّة في أوجّ عنفوانها. وكان الحاكم الفرنسي في الجزائر وأحد أكثر المتحمّسين لبقاء الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، جاك سوستال، قد جرى تغييره من منصبه ونقله إلى باريس لمهام أخرى، وقد شهد موكب مغادرته الجزائر مظاهرات محتدّة من طرف الأوروبيين الذين رفضوا مغادرته بسبب خطّه العنيف ضدّ الثورة الجزائريّة.

جاك سوستال سيكلّف بعد ذلك بمهمّتيْن رئيستين متعلّقتين بالصحراء، وذلك من أجل إبقائها تحت السيطرة الفرنسيّة: الأوّل تعيينه «وزيرًا للصحراء والشؤون النوويّة» من أجل الإشراف على تجارب القنبلة النووية التي أقامتها فرنسا في الصحراء الجزائريّة؛ والثاني، وهو الأخطر: إشرافه على البعثة «العلميّة» لهنري هاوتي في اكتشافه لمنطقة الطاسيلي المكتشفَة من قبل. 

Embed from Getty Images

تجارب فرنسا النووية في الصحراء الجزائرية 

يقول كينان في كتابه أنه ليس من قبيل الصُدفة أن بعثة هنري لاوتي قد تزامنت مع اكتشاف النفط في الصحراء الجزائريّة سنة 1957، بالإضافة إلى احتياج فرنسا للصحراء لإجراء تجاربها النوويّة، وتعنّت جبهة التحرير الوطني الجزائريّة في المفاوضات التي كانت تطالب فرنسا خلالها بالاحتفاظ بالصحراء مقابل استقلال الشمال، الأمر الذي رفضته جبهة التحرير الوطني. وبالتالي يرى كينان أنّ بعثة هنري لاوتي، وكتابه الذي يزعم من خلاله اكتشاف منطقة الطاسيلي: «قد وفّر للفرنسيين غطاءً ثقافيًّا لمشروعهم الإمبريالي والعنصري المتمثّل في «الجزائر الفرنسيّة»، إن نشر هذا الكتاب سنة 1958 جاء لتعزيز «فرنسية الجزائر» والتأكيد على «حقوق فرنسا الثقافية» حصرًا في الصحراء الجزائر، باعتبار أن فرنسا وحدها من يكتشف كنوزها الثقافيّة، ولذلك أغفل الكتاب عمدًا أي ذكر لاكتشافات الباحثين الألمان أو السويسريين الذين سبقوا هنري لاوتي إلى هذا الكشف، ناهيك عن السكّان الطوارق الأصليين».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد