«ها هو البيترول»، «عندنا البيترول عندنا»، ردد المعتصمون التونسيون في منطقة «الكامور» الشعارات السابقة، وهم يجوبون شوارع المدينة التونسية المحتجة «تطاوين»، حاملين كميات من النفط في قوارير بلاستيكية، تمكنوا من الحصول عليها بعد كسر أنبوب للنفط في إحدى محطات الضخ.

الشعارات السابقة التي أضيفت للشعارين الأشهر «الرخ لا» و«الضخ لا (لا تراجع)»، توحي باستمرار الاحتجاجات القائمة منذ حوالي شهر إلى مرحلة أكثر خطورة، في ظل عجز الحكومة التونسية عن تلبية مطالب المحتجين بالاستفادة من النفط ودعم التنمية، إذ أخرجت تلك الاحتجاجات خلال الأيام القليلة الماضية من إطارها السلمي نحو الاشتباك الذي أدى إلى مقتل شاب وجرح آخرين.

لماذا يحتج شباب «تطاوين»؟

«أثناء محاولة الدخول لإغلاق نقطة الضخ بدأ الأمن في إطلاق كثيف للغاز على صفوف المحتجين، والوضع هناك شديد التوتر»، قال ذلك المواطن التونسي «نجيب ضيف الله»، وهو يتحدث عن الأوضاع في محافظة تطاوين الواقعة أقصى الجنوب التونسي.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” id=”” url=”https://www.facebook.com/Tunisie.Numerique/videos/1569397969793897/” width=”446″ ]

 انتقلت الأوضاع التي بدأت سلمية منذ حوالي الشهر نحو تطور خطير في 22 مايو (أيار) الجاري، عندما أقدمت قوات الجيش على حماية المنشآت البترولية في تلك المنطقة، إثر قيام المتظاهرين بمنع ضخ النفط في أحد الحقول بمنطقة الكامور، وهو ما أدى إلى اشتباك بين المتظاهرين والشرطة التونسية، تسبب بمقتل متظاهر دهسًا بواسطة سيارة أمنية، قالت الشرطة التونسية إن دهسه كان عن طريق الخطأ، كما وقعت حالات إغماء واحتقان شديدة، ومن ثم نقلت الاحتجاجات إلى وسط العاصمة «تونس»، ومناطق أخرى تنديدًا بالتصعيد الأمني ضد المحتجين، كما شهدت المداخل الرئيسية في تطاوين احتجاجات داعمة للمعتصمين في الصحراء.

وفي عمق الصحراء القاحلة، يعتصم ما يقارب ألف شاب تونسي، داخل مخيم نصبوا فيه قرابة سبعين خيمة، ووفروا فيه مرافق العيش الأساسية، وفي الخيمة الواحدة التي يجتمع فيها الخريج الجامعي العاطل عن العمل مع بائع البنزين، يطالب هؤلاء بمنحهم نسبة 20% من أرباح الشركات النفطية في المحافظة، ويطالبون بتوفير فرص العمل في قطاع النفط، كما طالبوا بإنشاء صندوق تنمية بقيمة 50 مليون دولار، تخصص أمواله من أرباح شركات النفط.

حرق مبنى حكومي خلال احتجاجات تطاوين.

وفي محاولة مبدئية لتدارك الأمور، عرضت الحكومة التونسية على المحتجين 1000 فرصة عمل في الشركات النفطية بشكل فوري، و500 فرصة عمل مؤجلة للعام المقبل، لكنهم رفضوا العرض وطلبوا أن تكون انتدابات 1500 شاب فورية، كما طالبوا بتعيين ألفي شاب في شركة البستنة (شركات عمومية للخدمات العامة)، وأصروا على توفير أموال صندوق التنمية.

نفط تونس.. محدود أم مسروق؟

«إذا أردنا أن تصبح هذه الديمقراطية صلبة وقوية (…) يجب أن تحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للثورة وهي الكرامة والتشغيل، وهنا لم ننجح لأن البطالة زادت والفوارق الاجتماعية زادت والجهات المهمشة لا تزال مهمشة»، هذا الإقرار السابق لرئيس الوزراء التونسي «يوسف الشاهد» بفشل الحكومات السابقة في تحقيق التنمية الاقتصادية، يضعنا أمام البحث عن حال الوضع النفطي في تونس، هل يسرق كما يقول المواطنون التونسيون المحتجون أم أن تونس بلد قليل الإنتاج النفطي كما يقول المسؤولون الحكوميون؟

شعارات احتجاجية (المصدر: نون بوست).

فالأوضاع التي «تتجه نحو مزيد من التوتر» كما يتوقع العميد المتقاعد من الجيش «مختار بن نصر»، هي ناجمة بالأساس عن مشكلة عدم معرفة التونسيين لحقيقة الوضع النفطي في بلادهم، سواء قبل الثورة أو بعدها، لذلك هم يطالبون بالكشف عن حقيقة ثروات بلادهم الطبيعية، ذاك الهدف الذي اندلعت من أجله قبل نحو العامين احتجاجات «وينو البترول»، عقب اكتشاف بئر نفطية جديدة في منطقة الفوار (جنوب تونس)، إذ يشكك التونسيون في الأرقام الرسمية حول إنتاج البترول، ويؤكدون على وجود نهب في الثروات الاستخراجية من بترول وفوسفات وغيرها، وهم مصرون على تطبيق ما جاء في الفصل الـ13 من الدستور التونسي، وتحديدًا تحقيق «مبدأ الرقابة البرلمانية على العقود والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية»، إذ لم تعرض عقود الاستثمار على اللجنة المختصة في البرلمان، ولا على المواطنين كما جاء في الفصل الـ32 من الدستور بأن هناك «حق المواطن في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة».

على النقيض، تصر الجهات الرسمية في تونس على التقليل من أهمية الثروات النفطية، ويصفونها بأنها ضعيفة الإنتاج ولا تفي بحاجات البلاد، وتؤكد الإدارة العامة للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية على أن: «إنتاج تونس هو 47 ألف برميل نفط في اليوم و6.7 مليون متر مكعب من الغاز، وهي كمية لا تفي بحاجة البلاد»، وحسب المصادر الرسمية التونسية فإن الإنتاج النفطي المتدهور يتوقع ألا يتجاوز 4.4 ملايين طن مكافئ نفط عام 2017، مقابل قرابة سبعة ملايين طن مكافئ نفط سنة 2010، حيث تراجعت تغطية الحاجيات الداخلية من الطاقة من 90 بالمائة خلال سنة 2010 إلى حدود 56 بالمائة حاليًا.

واستجابة لذلك نشر وزير الطاقة والمناجم السابق «منجي مرزوق»، الوثائق التعاقدية لكل السندات سارية المفعول في مجال المحروقات (العقود البترولية) وعددها 82 عقدًا موزعة على 29 رخصة و53 امتياز استغلال، لكن هذه الأرقام لم تقنع التونسيين، كما أن الدراسات غير الرسمية، تتوافق مع الرأي الشعبي وتؤكد وجود شبهات فساد في ملف الثروات الطبيعية في تونس، حيث تنهب الشركات الأجنبية المستثمرة في مجال النفط مدخرات تونس بحسب تلك الدراسات، ويتحدث التونسيون عن عدم وضع بعض الشركات البترولية الأجنبية التي تخضع لحراسة أمنية مشددة لعدادات قياس إنتاجها بغية السرقة الممنهجة، وبالتواطؤ مع الدولة.

ووسط حجم المطالبات تلك، قالت الحكومة التونسية إنها تسعى إلى توفير مبدأ الشفافية في ملف الطاقة، وإحداث تعديل قانون المحروقات، الذي ينظّم عقود النفط مع الشركات البترولية، كما أعلنت قبل أيام عن إنشاء لجنة وطنية تنظر في ملف البترول والطاقة، مهمتها تقديم تقرير شفاف عن كل الموارد التونسية.

لماذا تعجز الحكومة التونسية عن تلبية مطالب المحتجين؟

منذ اندلاع الثورة التونسية التي أطاحت بنظام زين الدين بن علي في يناير (كانون الثاني) عام 2011، لم يتخطَّ النمو الاقتصادي نسبة 1%، إذ لم تستطع الحكومة التونسية التحكم في تدهور سعر صرف الدينار في الأسواق العالمية، لتراجع المعروض من هذه العملات مع انخفاض إيرادات السياحة، حيث يبلغ سعر اليورو حاليًا 2.7 دينار تونسي.

جانب من الاشتباكات بين الشرطة التونسية والمحتجين (المصدر:AFB).

ورغم الاستبشار بارتفاع إنتاج الفوسفات بنسبة 46% هذا العام، في أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ الثورة، إلا أن مساهمة شركات الطاقة في الموازنة العامة للحكومة التونسية تراجعت، من 1.3 بليون دولار في العام 2010 إلى 400 مليون دولار في العام الجاري، وهو ما يشكل نكسة اقتصادية، تزيد من العجز الكبير في الموازنة العامة للدولة، وفيما يتعلق بنسبة البطالة التي بلغت 15% من إجمالي قوة العمل عام 2016، لم تستطع هذه الحكومة تقليص عدد العاطلين عن العمل، حتى إن بطالة حملة الشهادات الجامعية العليا وصلت نسبتها إلى 15.3%، أما فيما يتعلق بمناطق جنوب ووسط تونس التي تشهد احتجاجات، فنسبة البطالة لا تقل عن 26% من قوة العمل، بينما وصلت نسبة الفقر إلى 30% من مجموع السكان.

ضربة أخرى يعيشها الاقتصاد التونسي، تتمثل في تراجع الاستثمارات الأجنبية بشكل حاد، إذ لم تحفز التسهيلات التي وفرتها الحكومة المستثمر الأجنبي والمحلي على وضع ماله في السوق الداخلي، ووصلت الاستثمارات الأجنبية إلى نحو تسعمائة مليون دولار سنة 2015 بعد أن كانت تقدر بنحو 1.58 مليار دولار سنة 2010.

وتصل بنا الأوضاع السابقة إلى عجز الحكومة التونسية عن تلبية مطالب المحتجين في تطاوين وغيرها، ففي ظل الوضع الاقتصادي المتأزم والصراع السياسي المستمر منذ الثورة، يغلب توقع عجز الحكومة عن تحقيق مطالب المحتجين بتوفير فرص العمل في قطاع النفط، أو إنشاء صندوق استثمارات للتنمية، ففي الوقت الذي يصر فيه المحتجون على نيل مطالبهم، يسعى رئيس الوزراء التونسي «يوسف الشاهد» لتنفيذ إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشفية يطالب بها صندوق النقد الدولي لمنح مساعدات ميسرة لتونس.

المصادر

s