تقع كل الحكومات في أغلب دول العالم في مأزق ربما يتجدد كل عام، وذلك مع إعداد الموازنة الجديدة، هذا المأزق يتمثل في قرار المفاضلة بين سياستين وهما: ضرائب أكثر مع عجز أقل، أو ضرائب أقل مع نمو وانتعاش اقتصادي أقوى، لكن في الواقع غالبًا ما يكون الاختيار الأول هو الأوفر حظًّا في وقت تعاني فيه الموازنات عجزًا متفاقمًا، وهو ما يجبر الجميع على التضحية بنسبة النمو الأعلى لمصلحة نسبة العجز الأقل.

لكن وعلى ما يبدو فإن هذه القاعدة ستشهد انقلابًا في الأيام القادمة، إذ اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خفض ضريبة الدخل على الشركات الأمريكية، بواقع 20% إلى 15% من 35%، بالإضافة إلى خفض الضرائب على المواطنين العاديين، وبحسب وزير الخزانة الأمريكي ستيف منوتشين، فإن خطة ترامب تعد «أكبر خفض ضريبي» في تاريخ الولايات المتحدة.

منوتشين قال إن الخطة هي أكبر إصلاح ضريبي في تاريخ أمريكا، ووفقًا لمقترح ترامب فإنه يريد خفض عدد الشرائح الضريبية إلى ثلاث شرائح من سبع ومضاعفة الاستقطاعات الضريبية في الإقرارات الضريبية للأمريكيين، وإلغاء ضريبة التركات وما يعرف باسم «ضريبة الحد الأدنى البديلة» وهي ضريبة إضافية على الدخل، وهذه التغيرات جوهرية في قانون الضرائب الأمريكي، كما أن الكونجرس هو الجهة الوحيدة التي يمكنها إجراء تعديلات كبيرة في القانون.

في البداية وقبل الحديث عن تداعيات وأبعاد خطة ترامب لخفض الضرائب، يجب أن نوضح دور الضرائب في أي اقتصاد، فإن لها العديد من الأهداف؛ أبرزها: توزيع الدخول والثروات بين المواطنين، وتمويل ميزانية الدولة، إذ تعد أهم إيرادات الموازنة في أغلب دول العالم.

وبعيدًا عن الأهداف فإن للضرائب بشكلٍ عام دورًا كبيرًا في عملية التوازن الاقتصادي، فهي من أهم محددات قدرة الدولة على الإنفاق العام، ودفع معدل النمو للانتعاش.

ويبرز دور الضرائب في كونها أهم مصادر التمويل الداخلية التي تعتمد عليها الحكومات، إلا أن السياسة الضريبية تصاغ وفق الأهداف الاقتصادية العامة، فعادة ما يستجيب النظام الضريبي للمتغيرات الاقتصادية، ففي حالة حدوث عجز في الموازنة العامة، تسعى الدول لزيادة حصيلتها من الضرائب لسد هذا العجز، وفي حالة ضعف النمو والاستثمار تلجأ لخفض الضرائب لتحفيز النمو والاستثمار، وتعد هذه لمحة مختصرة عن دور الضرائب.

لماذا يريد ترامب خفض الضرائب؟

يسعى الجمهوريون بقيادة ترامب بكل الطرق لتحقيق نسب نمو عالية، إذ يأمل ترامب بأن تصل نسبة النمو إلى 4%، إذ تخلى الجمهوريون عن التقشف الذي كانوا يطالبون به بالسنوات الماضية، وذلك في سعيهم لتحقيق نسب نمو اقتصادي أعلى من نسبة الديمقراطي باراك أوباما، التي بلغت ٢%، إلا أن آمالهم تواجه توقعات مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، التي ترى أن الاقتصاد الأمريكي سينكمش بنحو تريليون دولار، جراء سياسات الحماية التجارية وتخفيضات ضريبية.

وترى مؤسسة الأبحاث الاقتصادية أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة كان سينمو بمعدل ثابت نسبيًّا عند 2% من 2018 حتى عام 2021، ليرتفع الناتج الإجمالي الأمريكي إلى 18.5 تريليون دولار في الظروف الطبيعية، ولكن سياسات ترامب قد تدفع معدل النمو للتباطؤ في 2019 إلى ما يقرب من الصفر، ليتقلص الناتج الإجمالي إلى 17.5 تريليون دولار، بحسب أكسفورد إيكونوميكس.

لكن وسط هذه التوقعات، تؤكد إدارة ترامب أن السياسة الجديدة تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي، إذ قال وزير الخزانة إن خطة الضرائب «سوف تعوض ما يتم فقده من خلال تحفيز النمو الاقتصادي، وكذلك المستقطعات وإغلاق الثغرات الضريبية».

النمو يعاند ترامب

يسعى دونالد ترامب منذ توليه رئاسة أمريكا لمحاولة إنعاش النمو بشتى الطرق، إلا أن نتائج النمو خلال أول 3 شهور من 2017 تكشف عن فشل ذريع في تحقيق هذا الهدف، إذ نما الاقتصاد الأمريكي بأضعف وتيرة في ثلاث سنوات في الربع الأول من العام، الأمر الذي يشكل انتكاسة لتعهد ترامب بتعزيز النمو، فوفقًا لوزارة التجارة الأمريكية فإن الناتج المحلي الإجمالي زاد بوتيرة سنوية بلغت 0.7%، وتلك القراءة هي الأضعف منذ الربع الأول من 2014.

ونما الاقتصاد 2.1% في الربع الأخير من العام الماضي، فيما يرى الاقتصاديون أن من الصعب على ترامب الوفاء بتعهده بزيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى 4% دون زيادة الإنتاجية، وذلك في الوقت الذي بلغ فيه النمو في إنفاق المستهلكين -يشكل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي في البلاد- 0.3% في الربع الأول، وهي أبطأ وتيرة منذ الربع الأخير من 2009، وتأتي عقب معدل قوي بلغ 3.5% في الربع الرابع.

ورغم هذه النتائج السلبية إلا أن صندوق النقد الدولي، رفع توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي في عامي 2017 و2018 بناءً على خطط ترامب لخفض الضرائب، وزيادة الإنفاق لكنه قال إن هذا سيقابله بوجه عام ضعف النمو في عدة أسواق ناشئة رئيسية، ووفقًا لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي توقع الصندوق نمو الاقتصاد الأمريكي بنحو 3.4% في 2017، و3.6% في 2018.

وقال الصندوق إن الولايات المتحدة ستشهد تحسنًا طفيفًا بواقع 0.1 نقطة مئوية في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017، وزيادة أقوى بواقع 0.4 نقطة مئوية في 2018 مع وضع ترامب خططًا لإجراءات مالية توسعية بما في ذلك خفض الضرائب والإنفاق على البنية التحتية.

مأزق عجز الموازنة

رغم الإيجابيات الكبيرة على النمو والاستثمار التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد الأمريكي من خطة خفض الضرائب، إلا أن عجز الموازنة يبقى أهم عوائق هذه الخطة، إذ حذر خبراء اقتصاد من أن هذه السياسة قد تفاقم من عجز الموازنة، وتزيد حجم هذا العجز تريليونات الدولارات الإضافية على خلال العقد المقبل.

فيما تأتي هذه التحذيرات بعد أن قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن العجز في الموازنة بلغ 176 مليار دولار في مارس (آذار) الماضي مع تجاوز الإنفاق للإيرادات، وذلك مقارنة بعجز بلغ 108 مليارات دولار في مارس (آذار) 2016، كما وصل العجز منذ بداية السنة المالية 2017 إلى 527 مليار دولار مقارنة مع 459 مليار دولار في الفترة المماثلة من السنة المالية 2016.

وفي مارس (آذار) الماضي، بلغت الإيرادات الأمريكية 217 مليار دولار بانخفاض نسبته 5%، عن مارس (آذار) 2016، في الوقت الذي قفزت فيه المصروفات إلى 393 مليار دولار بزيادة 17% عن مستواها قبل عام.

وكانت الموازنة الأمريكية سجلت عجزًا، بلغ 192 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن رئيس مكتب الإدارة والموازنة في البيت الأبيض ميك مولفاني، قال إن نسخة تفصيلية من ميزانية ترامب سيجري نشرها في مايو (أيار) 2017 تتضمن خططًا للتخلص من العجز، مضيفًا: «نعمل على محاولة الوصول بها إلى التوازن خلال عشر سنوات»، لكن يبقى السؤال: كيف سيتعامل ترامب مع هذا العجز الذي يتوقع أن يتفاقم مع خطة خفض الضرائب؟

مدحت نافع، الأكاديمي المصري، والخبير الاقتصادي، يرى أن مسألة خفض الضرائب، والحوافز الضريبية بشكلٍ عام لم تعد الأفضل بين الحوافز التي يريدها المستثمر، فيما يرى أن السياسة الضريبية الجديدة ربما تعمق الفجوة في توزيع الدخل في المجتمع الأمريكي.

وتابع نافع خلال حديثه لـ «ساسة بوست» إن خفض الضرائب سيؤدي إلى زيادة تنافسية المنتج الأمريكي المحلي وتنافسيته للتصدير ما لم يتعرض للمعاملة بالمثل، إلا أنه لم يستبعد أن تحفز خطة معدلات النمو، مؤكدًا أن العجز سيتفاقم جراء هذه الخطط بلا شك.

مخاوف داخلية

في الوقت الذي يروج فيه المستشارون الاقتصاديون للرئيس الأمريكي، لخطط خفض الضرائب، مؤكدين أن هذه التخفيضات يمكن أن تعوَّض عن طريق إغلاق الثغرات في القانون الضريبي الحالي التي تسمح لشركات كبرى بالتهرب من دفع الضرائب بطريقة قانونية، والتي تحرم البلاد من مليارات الدولارات، قالت مؤسسة الضرائب البحثية، إن تنفيذ خطة الإصلاح الضريبي ستؤدي إلى خسارة متوقعة من قلة الإيرادات الضريبية تقدر بـ 2.6 تريليونات دولار إلى 3.9 تريليونات دولار خلال السنوات العشر القادمة.

إلا أن مستشاري ترامب الاقتصاديين مثل ويلبر روس وبيتر نافارو يرون أن خفض الضرائب يسمح بتعزيز الاقتصاد، ويساهم في رفع دخل المواطن والشركات الأمريكية، ما يعني دفع قيمة ضرائب أكبر تترافق مع ارتفاع المداخيل، وفي ظل تحذيرات ترامب بفرض ضرائب عقابية على الشركات الأمريكية التي تنقل التصنيع إلى الخارج، يرجح البعض أن يكون لهذه السياسة أثر إيجابي في الاقتصاد الأمريكي.

عقبة الديون

يرى مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، أن خفض الضرائب بات توجهًا لدى العديد من الاقتصاديات خلال الفترة الماضية، إذ تتجه بريطانيا كذلك لتقليص ضريبة الشركات الرئيسية لديها إلى 10 من 20%، وكذا الحال في الهند إذ تعتزم الحكومة هناك خفض الضرائب بما فيها الضرائب على الدخل وضرائب الشركات.

ويقول عبد السلام خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن هدف هذه الدول من هذه الخطوة تشجيع الاستثمار، وزيادة معدل النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، وبالتالي الحد من البطالة، إضافة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن محدودي ومتوسطي الدخل وموظفي الدولة، خاصةً إذا تعلق الخفض بضرائب الدخل.

إلا أن الخبير الاقتصادي يرى أن الأهداف التي يسعى ترامب لتحقيقها من الخفض التاريخي للضرائب، ستواجه صعوبات شديدة، أهمها تمرير مشروعه، إذ إن الخطة سترفع الدين الأمريكي بمعدلات كبيرة، وهو أمر يعارضه الكثير من أعضاء الكونجرس بما فيها أعضاء من حزب الرئيس نفسه.

وتابع عبد السلام: «تشير الأرقام إلى أن خطة الخفض الضريبي سترفع معدل الدين الأمريكي من 89% إلى 115%، كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، وهو أمر يرفضه الكونجرس، كما أن الخطة ربما ستقود إلى خفض الدخل الأمريكي بما يتراوح بين 3 إلى 7 تريليونات دولار، وأن التقدير المتوسط لخسارة الدخل ربما يكون في حدود 5.5 تريليونات دولار، وذلك بحساب الخسارة على مدى 10 سنوات».

مخاوف عالمية

على الجانب الآخر تبرز مخاوف عالمية مشروعة من الخطط الضريبية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، إذ حذر قطاع الصناعة الألماني من زيادة حدة المنافسة الضريبية العالمية، وقال ديتر كيمبف، رئيس اتحاد الصناعات الألماني، إن تلك التعديلات الضريبية تهدد باشتعال المنافسة العالمية على خفض الضرائب، فيما أكد أن التعاون الدولي مع الولايات المتحدة في إطار مجموعة العشرين ازداد صعوبة.

في الوقت ذاته حذرت كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد الدولي، من أن التحسن المتوقع في الاقتصاد الأمريكي بسبب سياسات ترامب سيكون له تداعيات على اقتصادات العالم، إذ توقعت إصلاحات اقتصادية، والمزيد من الاستثمار في البنى التحتية خلال ولاية ترامب، إلا أنها حذرت من تداعيات التحسن في أكبر اقتصاد في العالم على باقي الدول.

لاجارد قالت عن إعلان خفض الضرائب إنها أخبار جيدة، إلا أن الأخبار المقلقة هي أنه سيكون لذلك عواقب على باقي أنحاء العالم، وهو ما نراه يحصل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد