عام 2014 انتزع حوالي 120 ألف معلم أردني قرار حكومي باستحقاقهم رفع علاوة مهنة بنسبة 50% على رواتبهم الأساسية، لكن الحكومات الأردنية المتعاقبة لم تنفذ القرار؛ ما دفع المعلمين مع تفاقم الأوضاع المعيشة نحو المطالبة بتطبيق القرار الآن.

نقابة المعلمين الأردنية بدأت في اتخاذ خطوات عملية في  8 سبتمبر (أيلول) الحالي، حتى أن خطوتها الأخطر كانت في قرار الاضراب الشامل عن العمل ردًا على تعرض المعلمين لانتهاكات واعتقالات على يد الأجهزة الأمنية، وهو القرار الذي عطل انطلاق العام الدراسي لأكثر من مليون ونصف المليون تلميذ في المدارس الحكومية الأردنية.

وفيما تتمسك النقابة باستمرار الإضراب حتى الحصول على العلاوة، تقترح الحكومة الأردنية التي تعاني موازنتها من عجز مزمن حاد؛ الرجوع إلى المسار المهني، وتحديد علاوة على الأداء.

فاض الكيل.. أوضاع اقتصادية مزرية تدفع المعلمين للاحتجاج

يستاء مدرس أردني في الأربعينات من عمره من الأوضاع المعيشية التي يتواجد بها زملاؤه، يرى أحدهم يعمل في مجال التمديدات الصحية، وآخر يعمل سائق أجرة، وثالث يعمل بائعًا في محل لبيع الخضر بعد أوقات الدوام الرسمي.

تظاهرة للمعلمين يطلبون بزيادة قدرها 50 ٪ في رواتبهم في عمان

يقول المدرس الذي تواصل مع «ساسة بوست» شريطة عدم الكشف عن اسمه: «يعتاش المعلم الأردني على راتبه الأساسي الذي أصبح لا يوفر المتطلبات الأساسية للعيش، فالكثير من زملائي يعملون في أكثر من وظيفة أو مهنة لتحقيق متطلبات الحياة المتزايدة يومًا بعد يوم»، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «لا يكاد يمر يوم إلا بخبر رفع سعر سلعة أو ضريبة أو خدمة، وكل تلك الأمور بارتفاع مستمر، وهذا الوضع دفع المعلمين الذين لا يكفيهم الراتب للاحتجاج».

ويضيف المدرس أن الواقع المعيشي للمواطن الأردني بشكل عام والمعلم بشكل خاص هو الذي دفع لمثل تلك الاحتجاجات، فالمعلمين يطالبون منذ عام 2014 بحق مستحق لهم وهي 50% من العلاوة، لكن تأخر الحكومات المتعاقبة على الوفاء بهذا الحق دفع المعلمين للاحتجاج مؤخرًا.

ويتابع المعلم الأردني القول إن الاضراب لم يكن مطروحًا كما هو الآن، لكن تعامل الحكومة بالعنف مع احتجاجات المعلمين في الخامس من هذا الشهر أجج مشاعر المعلمين ودفعهم للإضراب الشامل، ويختم بالقول: «يوجد أطراف من مصلحتها خصخصة التعليم، وهي أطراف تقف ضد المعلم واحتجاجه وتنفيذ مطالبه، لكن أتوقع أن يكون للاحتجاج دور وضغط كبير».

وتطالب نقابة المعلمين الأردنيين التي تقوم على الاضراب المفتوح في المدارس الحكومية، بزيادة 50% على رواتب المعلمين الأساسية، باعتبارها حقًا مستحقًا منذ عام 2014، ويصل الراتب الأساسي للمعلم المعين حديثًا درجة سابعة 150 دينار أردني (211 دولار)، ومع قيمة الزيادة الفنية وغلاء المعيشة العلاوة العائلية للمتزوج يصل الراتب الإجمالي إلى 470 دينار أردني (660 دولار)، لكن الراتب يخضع لبعض الاقتطاعات مثل الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي؛ بواقع 16.5%، كما لا بد من الإشارة إلى أن هناك تفاوتًا في الأجور بين موظفي الحكومة في المؤسسات المختلفة، ناجم عن التطبيق المشوه لنظام الخدمة المدنية.

«شعب المهندسين».. لماذا يعجز الأردن عن القضاء على أرقام البطالة المخيفة؟

«وَفِه التبجيلا».. إضراب شامل بعد الإهانة والضرب بالهراوات

في الخامس من سبتمبر الجاري، حاول المعلمون الأردنيون الوصول إلى الدوار الرابع (قرب دار رئاسة الوزراء) في العاصمة عمّان من أجل تنظيم اعتصام لهم، بيد أنه قوات الأمن الأردنية قررت منع ذلك بأي طريقة، حيث شهدت العاصمة الأردنية لأول مرة أكبر عملية إغلاق أمنية.

فقد تم الاعتداء على المعلمين بالهراوات وأُطلق صوبهم الغاز المسيل للدموع،  واعتقل العشرات منهم ونقلوا إلى المراكز الأمنية في ظروف مهينة بعد مصادرة هواتفهم، وتجريدهم من ملابسهم لأكثر من 20 دقيقة.

هذه الإهانة التي وجهتها الحكومة للمعلمين، دفعت نقابة المعلمين نحو تحويل الاحتجاجات إلى اضراب شامل مع بدء العام الدراسي، وبالفعل التزم معلمو الأردن بقرار مجلس النقابة لتصل نسبة الإضراب في المدارس إلى 100%، وقال نائب نقيب المعلمين لـ«الجزيرة نت» ناصر النواصرة: «الأهم من العلاوة، هو كرامة المعلم، أن المعلمين لن يدخلوا الصفوف الدراسية قبل محاسبة المتجاوزين والمعتدين عليهم الخميس الماضي، فنحن نريد محاسبة كل من اعتدى على المعلمين، ويجب أن تعود كرامة المعلمين، ويتحقق مطلب علاوة 50%».

يستاء الناشط الاجتماعي الأردني حمزة شاهين من التعامل الحكومي الأردني الذي يعتبره موقفًا غير واضح، إذ يوجد اقتراحات من الحكومة لنقابة المعلمين ولكنها لم تخرج إلى التنفيذ وبقيت في إطار المبادرات والاقتراحات، إذ إن «نقابة المعلمين متمسكة بمطلب العلاوة 50%، والحكومة متمسكة بربط العلاوة بالحوافز أو ما يعرف بالمسار المهني (مزاولة المهن التعليمية)، الذي أطلقته وزارة التربية وقالت أنه يمكن المعلم من الحصول على ما نسبته 250% من العلاوة»، حسب شاهين.

يقول شاهين لـ«ساسة بوست»: «في البداية قررت نقابة المعلمين القيام بوقفة احتجاجية ولم تكن تخطط لإضراب شامل، وبالفعل كان دوام الطلبة مستمرًا، ولكن نتيجة ما جرى يوم الخميس ومنع الوقفة الاحتجاجية، جاء التصعيد بشكل مباشر من نائب النقيب لإعادة الهيبة واحترام المعلم».

شاهين الذي يدعو لإيجاد حل عاجل للخروج من هذه الأزمة وإعادة الدراسة كما كانت؛ ينتقد التحريض على المعلمين، ويقول: «مررت بالكثير من الأخبار والمنشورات التي تحرض على الزملاء المعلمين وهذا الأمر مرفوض، المعلم مربي الأجيال ويحافظ عليهم ويقدم كل ما يملك من أجل طلابه»، ويضيف: «في النهاية المعلم هو ابن وزارة حكومية نعتز ونفتخر بها هي وزارة التربية والتعليم التي قدمت الكثير من أجل المعلم ويوجد شراكة بين الوزارة والنقابة، وأتمنى حل هذه الأزمة وإيجاد حل بأسرع وقت».

الحكومة تتعنت والمعلمون ماضون في الإضراب..

«ليست هناك حلول سهلة، ولا حلول آنية لهذه الأزمة، لكن ناقوس الطلبة والمدارس هو المحرك الأساسي للعمل، ونَفَس الحكومة طويل في الحوار للوصول إلى حل، لكن وجود الطلبة خارج مقاعد الدراسة يضع مسؤولية على الجميع؛ ومن منطلق المسؤولية فلا يمكن استمرار هذا الحال»، هكذا لخص رئيس وزراء الأردني عمر الرزاز، موقف حكومته من أزمة المعلمين.

من احتجاجات المعلمين في الأردن

وقال رئيس الوزراء إن اتفاقًا سابقًا من شأنه أن يرتقي بحوافز المعلمين وصولًا إلى 250% من الراتب الأساسي، وليس إلى 50% كما هو مطروح حاليًا، لكن ذلك مع ربط هذه الحوافز بمؤشرات قياس لأداء المعلم، والأهم انعكاسها على أداء الطالب وتطوير العملية التعليمية ومخرجاتها.

ولم يقف الموقف الحكومي عند ما سبق، فالحكومة التي تلقت خبر تهديد تقديم استقالات جماعية للمعلمين، حال لم تتحقق مطالبهم بالعلاوة المالية، أوعزت لمدراء التربية «قبول استقالة أي معلم على الفور» بل طالب وزير التعليم الأردني وليد المعاني بتزويده بأسماء المضربين.

 لذا يرى الصحافي الأردني محمد العرسان أن حل أزمة المعلمين يكمن في حل سريع، يتمثل بانصياع الحكومة لمطالب المعلمين، وسط معادلة ترضي الطرفين، مثل تقسيط علاوة الـ50% على عدة سنوات، وسحب فتيل الإضراب، ويضيف العرسان: «الأمر يتطلب من الحكومة النزول عن الشجرة فورًا ووقف شيطنة مطالب المعلمين وذلك لمصلحة الطلبة والمعلمين، خصوصًا أن السياسات الحكومية المتعاقبة القائمة على الجباية هي التي أوصلت المعلم وقطاعات أخرى للنزول إلى الشارع والمطالبة بحقوقهم».

كما يرى العرسان وجوب أن تقوم الحكومة الأردنية بإعادة النظر بمجمل سياساتها الاقتصادية، وتخفيف العبء الضريبي، وخصوصًا على ضريبة المبيعات التي تتقاضاها من قوت وغذاء الفقراء، كون هنالك قطاعات أخرى واسعة تراجعت قدرتها الشرائية وباتت تشعر بأن العدالة غائبة في توزيع الثروات وهذا قد يكون له انعكاس خطير في المستقبل.

ويعتقد العرسان أن إضراب المعلمين، يعكس خللًا في العدالة الاجتماعية بين فئات المجتمع الأردني، لذا يجب النظر إلى ذلك الإضراب بدءًا من جذور المشكلة، الناتجة عن السياسات الاقتصادية الحكومية التي خلفت جيوشًا من الفقراء، بعد ربط الاقتصاد الأردني، بوصفات لصندوق النقد الدولي طبقها الأردن كي يتمكن من الاقتراض وعلى رأس هذه الوصفات، رفع الدعم عن السلع، وفرض الضرائب، ورفع الأسعار مما ادى الى تآكل مداخيل شرائح واسعة في المجتمع كما هو حال المعلمين».

«كأنك يا أبو زيد ما غزيت».. كيف انهارت طموحات الأردنيين في حكومة عمر الرزاز؟

المصادر