أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون موعد استفتاء الجزائريين على الدستور في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني)، الذي يوافق ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، فكان ذلك صدمة جديدة للجزائريين، الذين اعتادوا أن تكون ذكرى الثورة مناسبةً ليتذكر فيها الجزائريون تضحيات أسلافهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي دون استغلالٍ سياسي.

لكن لم تكن هذه المرة الأولى التي يستغل فيها النظام الجزائري المحطات التاريخية، إذ دأب الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة، على إرسال رسائل للجزائريين من خلال الأيام والأعياد الوطنية، ليرسم صورة الرئيس المهتم بالتاريخ الوطني.

ذكرى الحراك.. من رفض النظام إلى يوم «الأخوة بين الشعب والجيش»

في غمرة احتفال الجزائريين بالذكرى الأولى لاندلاع حراكهم السلمي ضدّ نظام بوتفليقة، في 22 فبراير (شباط) 2019، سارع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لإعلان يوم اندلاع الحراك يومًا وطنيًا يحتفى به في كامل تراب الجمهورية، وكانت المفاجأة التي أغضبت الكثير من المشاركين في الحراك هو تسمية اليوم باليوم الوطني للتلاحم بين الجيش والشعب، وذلك حين خرج الشعب متلاحمًا مع جيشه من أجل تكريس الديمقراطية، حسب ما ورد في المرسوم الرئاسي الذي وقّعه تبون.

ويتبنى نظام تبون رواية مفادها أنّ فضل ما حدث من تغييرات بالجزائر منذ إطاحة الحراك ببوتفليقة وإجباره على الاستقالة في أبريل ( نيسان) 2019، يعود إلى جهود الجيش الجزائري، بقيادة قائده الراحل أحمد قايد صالح، وذلك من خلال مرافقة الحراك في تجسيد مطالبه.

لكن الحقيقة، التي لا تخفى على المتابعين للشأن الجزائري لحظة اندلاع الحراك، تقول أنّ الجيش كان أحد «الداعمين للعهدة الخامسة»، وحدث ذلك علنًا حين أدان الفريق الراحل أحمد قايد صالح بعد خامس يومٍ من اندلاع الحراك الشعبي ضد ترشح بوتفليقة، وحذّر مما أسماها «نداءات مشبوهة».

وقال صالح في كلمة أمام قيادات عسكرية بالمنطقة العسكرية السادسة: «هل يعقل أن يتم دفع بعض الجزائريين نحو المجهول من خلال نداءات مشبوهة، ظاهرها التغني بالديمقراطية، وباطنها جر هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة وغير مأمونة؟»، وتابع أن هذه المسالك «لا تؤدي حتمًا إلى خدمة المصلحة العليا للجزائر، ولا لتحقيق مستقبلها المزدهر».

ويرى الكثير من الجزائريين في إعلان تبون لذكرى الحراك يومًا وطنيًا للتلاحم بين الجيش والشعب التفافًا على الحقيقة واستغلالًا ليوم تاريخي من أيّام الجزائر الخالدة.

في تصريحٍ سابقٍ لـ«ساسة بوست»، قال الصحفي والناشط السياسي عبد الوكيل بلام: «إعلان ذكرى الحراك يومًا وطنيًا بتلك الطريقة هو تزييفٌ للحقيقة والتاريخ، فقد خرج الجزائريون يوم 22 فبراير ضدّ نظام فاسد كان الجيش أحد أهمّ روافده»، وأضاف بلام أنّ: «اليوم الحقيقي لتلاحم الشعب مع الجيش كان في جنازة الفريق الراحل أحمد قايد صالح حين نزل مئات الآلاف من الجزائريين لتشييع جنازته».

في ذكرى الاستقلال.. تبون يعيد رفات شهداء الجزائر إلى بلادهم

في 18 من فبراير الماضي، الذي يصادف اليوم الوطني للشهيد، كتب الرئيس تبون تغريدة على حسابه الرسمي على تويتر، جاء فيها: «في هذا اليوم المبجل والممجد لشهداء الجزائر الأبرار، أجدد عهدي ووفائي لرسالتهم، ووعدي لهم باسترجاع ذاكرتنا ورفاة شهدائنا من المستعمر، شهداء الثورات الشعبية التي مهدت لثورة نوفمبر المظفرة المنتصرة».

وبعد مفاوضاتٍ ماراثونية تمّت في سريّة عالية ودامت عدّة أشهرٍ، نجح تبون في الإيفاء بالوعد الذي قدمه في يوم الشهيد، بإرجاع رفات قادة المقاومات الشعبية، وحدث ذلك في الذكرى 58 للاستقلال.

في غمرة احتفال الجزائريين بيوم الاستقلال، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عن استرجاع بلاده 24 من رفات شهداء المقاومة الشعبية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وقال تبون خلال مراسم تقليد رتب كبار ضباط الجيش، إن «رفات الشهداء ستصل إلى الجزائر خلال الساعات المقبلة على متن طائرة عسكرية تابعة للجيش قادمة من باريس».

وفي الخامس من يوليو (تموز) الماضي – ذكرى استقلال الجزائر – أقامت السلطات الجزائرية جنازة عسكرية لرفات قادة المقاومات الشعبية وجرى نقل رفات المقاومين، الذين تم نفيهم إلى فرنسا أمواتًا قبل نحو 170 عامًا ليتم عرض جماجمهم في «متحف الإنسان» بالعاصمة الفرنسية باريس، من قصر الثقافة في العاصمة الجزائرية على متن عربات عسكرية حتى مقبرة العالية الخاصة بكبار شخصيات الدولة الجزائرية.

وأشاد وزير المجاهدين وذوي الحقوق، الطيب زيتوني، بـ«الخطوة التاريخية للرئيس تبون الذي عمل جاهدًا على استعادة رفات وجماجم المقاومين».

وخلّفت خطوة تبون في استرجاع جماجم الثوار الجزائريين تباينًا في المواقف بين الجزائريين، فما بين الإشادة والفرح لعودة رفات القادة الجزائريين ودفنهم تحت التراب، وبين من رأى أنّ الخطوة أتت لتكريس استغلال النظام للمحطات التاريخية.

وفي هذا السياق، دعا الصحافي فاروق غدير إلى عدم الخلط بين الحدث الرمزي وبين الموقف من النظام السياسي، وذلك تعليقًا على بعض الكتابات التي اتهمت السلطة باستغلال هذا الحدث، قائلًا: «المهم والأهم أن تدفن رفات الشريف بوبغلة والشيخ بوزيان ورفاقهما في الأرض التي ضحوا من أجلها.. البقية تفاصيل هامشية، فمهما كان موقفنا من هذا النظام فلا يجب أن ينسينا فرحة هذا اليوم بعودة هؤلاء الأبطال إلى أحضاننا، وغدوة إن شاء الله دولة مدنية ماشي عسكرية».

في ذكرى اندلاع ثورة التحرير.. استفتاء الدستور وتدشين مسجد الجزائر الأعظم

أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الاثنين الماضي، عن موعد استفتاء الجزائريين عن الدستور القادم، وحدّد تبون يوم الفاتح من نوفمبر الذي يصادف ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية ضدّ الاحتلال الفرنسي سنة 1954 موعدًا لإدلاء الجزائريين بأصواتهم في استفتاء على مشروع تعديل الدستور، وجاء في بيان الرئاسة الجزائرية، إن الرئيس تبون استقبل الاثنين، محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الذي «قدّم له عرضًا عن الاستعدادات الجارية لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية المبرمجة بدءًا بالاستفتاء على مشروع تعديل الدستور».

وتابع البيان: «خلال هذا اللقاء وفي ضوء مشاورات السيد رئيس الجمهورية مع الجهات المعنية، تقرّر تحديد تاريخ أول نوفمبر 2020، موعدًا للاستفتاء على مشروع الدستور».

المسجد الأعظم، ثالث أكبر مسجد بالعالم

المسجد الأعظم، الذي سيصبح ثالث أكبر مسجد بالعالم عند افتتاحه.

وخلّف زمن إجراء الاستفتاء جدلًا كبيرًا بين الجزائريين الذين اتهموا النظام باستغلال حدث تاريخي جديد قصد تمرير الدستور، الذي اعترض على مسودته الكثير من الجزائريين، نظرًا لأنه يحمل تعديلاتٍ تكرّس صلاحيات الرئيس تبون، وموادًّا تشكل خطرًا على الهوية الجزائرية، بحسب المعارضين له.

وكتب الناطق الرسمي لـ«حركة مجتمع السلم الجزائرية»، الدكتور بوعبد الله بن عجمية، على صفحته على «فيسبوك» معلقًا على اختيار النظام للفاتح نوفمبر موعدًا لتمرير الدستور بالقول: «1 نوفمبر ملك لكل الشعب الجزائري المؤيد والمعارض والحيادي، واستغلاله لإجراء الاستفتاء، وافتتاح الجامع الأعظم في يوم الاستفتاء أيضا قرار غير صائب على الإطلاق.. هناك فرق شاسع بين مناسبة سياسية كالدستور، سنختلف بالتأكيد حولها بين مؤيد ومعارض ومقاطع، وبين الأعياد والمناسبات الوطنية التي يجب أن تبقى حيادية عن المخاضات السياسية المصيرية».

علاوةً على إجراء الاستفتاء على الدستور، لن تكون الذكرى 66 لاندلاع ثورة الجزائر عادية، بعد أن قرر الرئيس الجزائري تدشين مسجد الجزائر الأعظم، الذي يمثل رمزيةً للجزائريين كونه ثالث أكبر مسجد بعد الحرمين، في نفس اليوم الذي تشاء الصدف أن يصادف يومًا دينيًا للجزائريين وهو الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.

وكان تبون قد اختار يوم رأس السنة الهجرية، الخميس الماضي، موعدًا لزيارة المسجد والوقوف على آخر الأشغال الإنشائية.

تبون يتبع خطوات بوتفليقة.. استغلال التاريخ في السياسة نهج قديم للدولة

بإعلان تبون عن موعد الاستفتاء على الدستور، عاد إلى أذهان الجزائريين نهج بوتفليقة في الحكم، وذلك بتقديس التاريخ واللعب على تحقيق مكتسبات سياسية من ذلك، إذ شاع عن بوتفليقة، الذي امتدّ حكمه لأزيد من 20 سنة، أنّه لا يترك يومًا وطنيًا أو حدثًا تاريخيًا إلّا وحقق منه مكسبًا سياسيًا يدعّم به أركان حكمه.

عربي

منذ 4 شهور
تبون خارج التوقعات.. رجل الجزائر الطموح الذي قد يقلب الموازين خارجيًّا

دأب بوتفليقة على الإعلان عن إصداره عفوًا رئاسيًا عقب كلّ عيدٍ تاريخيّ وهو الأمر الذي صار عرفًا رئاسيًا من بعده.

ولعلّ أبرز مكسبٍ سياسي حققه بوتفليقة هو تعديله للدستور سنة 2016، الذي نجح من خلاله في الحصول على صلاحياتٍ إمبراطورية، ومهّد لنفسه الطريق لعهدةٍ خامسةٍ لولا الحراك الذي قذف به خارج اللعبة.

كان الإعلان عن تلك التعديلات من خلال رسالة بوتفليقة للجزائريين عشية احتفالهم بالذكرى الـ61 لاندلاع ثورة التحرير ضد الاحتلال الفرنسي، كما كان آخر ظهورٍ علني له، قبل إعلانه استقالته، حين وضع إكليلًا من الزهور في مقام الشهداء بالعاصمة، احتفالًا بالذكرى ذاتها.

وكان آخر خطابٍ أدلى به بوتفليقة للجزائريين في ذكرى إحياء مجازر الثامن من مايو (أيّار) سنة 2012، حين طلب من الشباب استلام مشعل الحكم، قبل أن يستخدم كرسيًّا متحرّكًا للتنقل بعد تدهور حالته الصحية.

المصادر

تحميل المزيد