“إنها قادمة، ولا أعتقد أن من الممكن إيقافها”، هكذا عبرت ماري لوجيبسين الباحثة في مختبرات غوغل إكس التابعة لشركة غوغل قبل عامين وهي تبشر العالم بولادة نظارات “جوجل كلاس” الذكية.

لكن ما وقع هو العكس تمامًا، فلم يمض عام واحد على طرحها في الأسواق بثمن 1500 دولار، حتى أعلنت غوغل بداية العام الجاري وقف تسويق نظاراتها الذكية حتى إشعار آخر بسبب الإقبال الضعيف عليها من الجمهور.

بدا الأمر صعبًا على الفهم لحظتها، بالنسبة لمسؤولي الشركة نتيجة الصدمة غير المتوقعة، فالنظارة الذكية مثلت طريقة جذرية جديدة للغاية للتواصل مع العالم، عبر ما يشبه شاشة كمبيوتر متصلة بالإنترنت على جبينك، وتستطيع التقاط الصور والفيديو والصوت بطريقة فورية، ناهيك عن سهولة التحكم بها بمجرد إشارات بالإصبع أو الصوت، دون أن ننعزل عن العالم كما الشأن مع الهاتف والحاسوب، بيد أن كل ذلك لم يجعلها تحظى بقبول لدى جماهير مستهلكي الأدوات التقنية. تم تفسير ذلك بأن هذه التكنولوجيا سابقة لأوانها ولم يصل المجتمع البشري بعد للتكيف معها بمرونة.

 فهل أصبح البشر عاجزين حقًّا عن مواكبة تطور التكنولوجيا السريع؟

لنجيب عن السؤال سنحاول طرق ثلاثة جوانب أساسية، وهي علاقة التكنولوجيا بالبشر، وطبيعة التكنولوجيا التي نمتلكها اليوم، وكيف ستبدو التكنولوجيا مستقبلًا.

التكنولوجيا والبشر، من يطور من؟

يقول أحد أوائل المنظرين الاجتماعيين للتطور التكنولوجي، وهو الأمريكي مارشال ماكلوهان، بأن الوسيط التكنولوجي هو نفسه الرسالة، ويقصد بذلك أن الوسائط التكنولوجية بطبيعتها تختزل مضمونًا معينًا في ذاتها، بحيث تخلق بيئة جديدة تساهم في تغيير طريقة تفكير الإنسان ورؤيته، وهكذا فإن الجيل الذي تربى مع الراديو والصحف، يختلف في تفكيره ونمط حياته عن  الجيل الذي نشأ في أحضان الإنترنت والهواتف الذكية.

بهذا المنظور تكون التكنولوجيا مؤثرة في تحديد نمط حياة الإنسان وطريقة تفكيره، وهو ما يثير فزع البعض من طبيعة تكنولوجيا اليوم، والغموض الذي يكتنف حول تأثيراتها على حياتنا.

يتحدث كيفين كيلي في هذه المحادثة الشيقة عن كيف تؤثر التكنولوجيا في حياتنا، يمكنك متابعتها لمعرفة أكثر في هذا الجانب. لإظهار الترجمة انقر على substile أسفل الفيديو.

بالمقابل فظهور أدوات تكنولوجية ما لا يرتبط فقط بتحقيق التراكم المعرفي الكافي لإخراجها إلى الوجود، وإنما ينبغي أيضًا أن تتوافق مع الجانب الاجتماعي للأفراد وإلا سيلفظونها، فقد ظهرت العديد من الاختراعات التي أهملت من قبل المجتمعات، نظرًا لعدم تلبيتها الحاجات الاجتماعية والنفسية الحقيقية للأفراد بمرونة كافية، إذ إن لكل أداة وظيفة مزدوجة، اجتماعية وأخرى تقنية وظيفتها البحتة.

بهذه الطريقة تساهم المجتمعات أيضًا في توجيه بوصلة تطور التكنولوجيا نحو الأشياء التي تحتاجها أكثر، وتلفظها حينما لا تتوافق مع الطبيعة الاجتماعية للأفراد، إنه نوع من الديموقراطية التي من خلالها يستطيع الجمهور السماح لتكنولوجيا معينة أن تواصل تطورها بالإقبال عليها، أو الكف عن استهلاكها وبالتالي إهمالها، وبهذا المعنى يصبح الناس هم من يطورون التكنولوجيا وهم من يحدد اتجاهاتها.

ما طبيعة تكنولوجيا اليوم؟

بدأ البشر باستعمال الأدوات منذ العصور البدائية، فكان يصنع أدوات بسيطة من أجل أداء مهام بطريقة أقوى، وما فتئ يطور أدواته عصرًا بعد عصر حتى يومنا هذا، لكن ما حصل في العقود الأخيرة، هو أنه أصبح يطور أدواته على مستوى مجرد، بخلاف العصور الأخرى التي كان فيها التطوير على المستوى الفيزيائي فقط.

بدخول البشر عصر الأتمتة والرقميات، بدأت تتلاشى الحدود بين عقل الفرد والأدوات التي يستعملها، بل إن تكنولوجيا اليوم أصبحت امتدادًا لعقولنا، بحيث لا يمكن لكثير منا القيام بالعديد من عمليات التفكير بدونها، صارت الأدوات تؤدي وظيفتها بطريقة فائقة الدقة والقوة والسرعة بل إنها تتحول شيئًا فشيئًا من طبيعتها الغبائية إلى اكتسابها درجة من ذكاء.

لنأخذ مثالًا على ذلك الهاتف الذكي، وهي الواسطة التكنولوجية التي تميز عصرنا هذا، بفضله أصبحنا نخترق الزمان والمكان، ونفوض إليه الكثير من مهامنا، ويختزن داخله صندوقًا من كل الأدوات القديمة: التليفون، والتليفزيون، والراديو، والسينما، والكتاب المطبوع، والأسطوانة، والجريدة، والمجلة، والخطاب، والتلغراف، والمحادثة، والمكتبة، والمدرسة، والمحاضرة، وماكينة الصرف الآلي، والكمبيوتر، وأدوات أخرى لا حصر لها.

يشرح الباحث الأنثروبولوجي جان شيباس طريقة تعامل البشر مع الهاتف حيث يتجاوز ذلك الوظيفة التقنية إلى أبعاد أخرى، لنتابع ما يقول.

إنه بمثابة ثقب أسود يجتذب إليه يومًا بعد يوم مع تطور تقنياته وتطبيقاته المزيد من الأدوات والوظائف، ليصبح وسيطًا ساخنًا يغمر حواسنا بمجرد لمسه، خالقًا بيئة اصطناعية.

إلى أين تتجه التكنولوجيا اليوم؟

عودة إلى موضوع نظارات “جوجل جلاس” التي لم تلق رواجًا، بالرغم من قيامها بنفس الوظائف والمهام التي يقوم بها الهاتف الذكي بطريقة أكثر فورية ومرونة، يجدر بنا في هذا الحال تتبع خط تطور التكنولوجيا عامة، حيث نستشف من ذلك أن التكنولوجيا تزداد مع الوقت فورية ورمزية وشمولية في وظائفها.

يقوم سيرجي برين أحد المسؤولين في شركة جوجل، بإعلان لتكنولوجيا النظارات الذكية.

وهذا ما تحققه النظارات الذكية أيضًا، لكن يبدو أن جوجل تسرعت في هذه النقلة النوعية على مستوى الرمزية بالتحديد، فالناس بالرغم من كونهم أصبحوا أكثر تطبيعًا مع العالم الافتراضي، إلا أنهم ما يزالون غير مستعدين كفاية للتخلي عن الحدود الواقعة بين العالم الطبيعي والافتراضي والدخول في عالم “الواقع المعزز”، كما أن البشر اعتادوا منذ عصور بعيدة استعمال أيديهم أثناء استخدام الأدوات وما يزالون كذلك مع الهاتف الذكي، بيد أن النظارات الذكية تكسر هذه العادة المتأصلة القديمة في الإنسان، وربما لهذا السبب لم ينتشر بعد استعمال السيارات ذاتية القيادة، وهي تكنولوجيا متوفرة حاليًا.

لدى الشركات التقنية في وادي السيلكون ما أسماه مايكل ساكزاس «عقدة بورج»، وهو الاعتقاد شبه الديني بأن تكنولوجيا الكمبيوتر قوة لا يمكن إيقافها، تحملنا إلى عالم أفضل، والخاسرون فقط سيكونون من الغباء بحيث يقاومون التكنولوجيا، هذا الاعتقاد يجعلهم يمضون في طريقهم دون الالتفات إلى مدى رغبة الناس بهذا الطريق أصلًا، ودون تحديد واضح وشفاف لتأثيرات هذا المسار على حياتنا الاجتماعية، أو على الأقل حجم الجرعة التي نحتاجها.

بالتأكيد أصبح الواقع الاجتماعي بفضل تكنولوجيا اليوم أكثر تحررًا وديموقراطية وإنسانية، لكن بالمقابل فقد غدا الناس أكثر عصبية وأقل استمتاعًا بالحياة، بعكس المدينة الفضيلة التي تبشرنا بها التكنولوجيا، حيث سنوفر الكثير من الجهد ونزخر بأوقات الفراغ بعد تخلصنا من وظائفنا المُهينة محدودة النطاق، لنستمتع بوفرة حينها من سبل التسلية، ونقوم بسهولة بكل الأشياء التي نحبها أو نرغب فيها، دون أن نحتاج لسنوات التكوين أو جهد كبير لفعلها، فيما يشبه الحلم الشيوعي لماركس “في  المجتمع الشيوعي حيث لا ينحصر نشاط الفرد في مجال واحد، بل يكون في وسع أي فرد التفوق في أي مجال يرغب فيه ينظِّم المجتمع الإنتاج العام، ومن ثم يتيح لي أن أمارس عملًا اليوم وعملًا غيره غدًا؛ كأن أصطاد الحيوانات والطيور صباحًا، وأصيد الأسماك بعد الظهيرة، وأرعى الماشية في المساء، ثم أنشغل بالنقد بعد العشاء، دون أن أتحول لقناص أو صائد أسماك أو راعي ماشية أو ناقد”.

لم يبدأ عصر الثورة الرقمية، إلا قبل بضعة عقود فقط، إلا أن التكنولوجيا الذكية تغير حياتنا على نحو مذهل وسريع كما هو جلي أمام أعيننا، ولا أحد يعلم بعد عقد من الزمن ما الذي سنصل إليه، ولا سيما بعد جنون موجة تطوير الذكاء الاصطناعي، وكمية البيانات الهائلة التي أصبحنا نملكها عن ذواتنا وعالمنا.

لكن بدون شك فالمجتمعات التي تقتصر على الاستهلاك، ولا تساهم في خلق هذه التكنولوجيا وفق حاجياتها وظروفها الاجتماعية، فإنها ستبقى تابعة لحاجات المجتمعات الأخرى التي تخلقها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد