تعرف تلك اللحظات عندما يملؤك شعورٌ بالحماس الطاغي؛ بعد مشاهدة شيء ما، أو الاستماع إليه؟ ربما تسخر من نفسك حينها أو تشعر بالمبالغة، لكن تلك اللحظات حقيقية، والمعاني التي تقودك إليها كذلك، غير أنها قد لا تبدو منطقيةً طوال الوقت، عندما يكون عليك أن تشرح طويلًا للآخرين ما تلك اللمعة في عينيك، أو ما الذي يُقال في سماعات رأسك، يجعلك بتلك الحيوية والانفتاح.

تنبيه: هذا هو على الأغلب ما سيحدث عند مشاهدتك للمحاضرات التالية؛ إذ يطرح المُتحدثون فيها أفكارًا نادرًا ما نُعطي لأنفسنا الوقت للتفكير فيها وسط زحمة حياتنا اليومية، مع أنها ليست أفكارًا مُعقَّدة، بل على العكس، هي أفكار في غاية العفوية تنبع من فطرةٍ توحِّدنا جميعًا: «الإنسانية».

1. رسائل مَحبَّة للغُرباء – «هانا برينشر»

البداية مع هذا الحديث المُختَصَر عن فكرة بسيطة لفتاةٍ عشرينية تؤمن بأثر الورقة والقلم في عصرٍ تُسيَّر فيه أمور الحياة عن طريق الشاشات. في أقل من خمس دقائق، تروي «هانا برينشر» (Hannah Brencher) القصة وراء مبادرتها الفردية، التي اهتمت بها فيما بعد منظمة عالمية، لإرسال خطابات مَحبَّة للغرباء.

تبدأ الحكاية بـ«هانا» الطالبة تنتظر بجانب صندوق البريد رسائلَ عائلتها؛ عن كيف قضوا عُطلة نهاية الأسبوع، بينما يتبادل الطلاب الآخرون الأحاديث مع ذويهم عبر هواتفهم الذكية. لا يمر وقتٌ طويل قبل أن تستخدم «هانا» الفكرة نفسها، الخطابات الورقية، ولكن هذه المرة مع الغرباء، وما إن تستخدمها، حتى يصدِمها النجاح غير المُتوقع، والأعداد الضخمة من الأشخاص الذين يحتاجون، ليس للمساعدة، بقدر احتياجهم للتعاطف، هؤلاء الذين لا يتوقون سوى لِأن يخبرهم أحد أنَّه يهتم لأمرهم، لدرجة أن يُكلِّف نفسه عناء الجلوس، وتركيز التفكير على شخصٍ، لا يعرفه ليخُط له بيده.

2. ادعوهم إلى الغداء – «إليزابيث ليسير»

أنت هُنا أمام كاتبة تعرف كيف تُرتِّب أفكارها جيدًا بطريقةٍ تُقنعك وتمتعك في آنٍ واحد. تأخذك «إليزابيث ليسير» (Elizabeth Lesser) في رحلة تقنعك في بدايتها بوجود شخصيتين بداخل كل إنسان: «الصوفي» و«المُحارب». الأول يهتم بالقيم الكُبرى والصورة الكاملة، بينما يركز الثاني على الحياة اليومية وصراعاتها.

تميل «إليزابيث» إلى الإعجاب بهؤلاء الذين يستطيعون الموازنة بين الشخصيتين بداخلهم، وتضرب مثالًا «مارتن لوثر كينج» و«الأم تريزا» و«نيلسون مانديلا»، الذين تعتقد أنه يمكن للجميع أن يكونوا مثلهم: محاربين صوفيين.

كيف يمكن للأشخاص العاديين أن يفعلوا ذلك: أن يتصالحوا مع فكرة الاختلاف ويتقبَّلوا وجود الآخر؟ الإجابة بسيطة: وجبة غداء. أطلَقَت «إليزابيث» مبادرة بعنوان «ادعوهم إلى الغذاء»؛ تشجع الناس على دعوة الأشخاص الذين يقفون على الضفة الأخرى منهم: من مبادئهم وأفكارهم وخياراتهم في الحياة، لغذاء يتحدثون فيه بصدق، حديث من إنسانٍ لإنسان، بعيدًا عن تدخُّلات الإعلام، دون أن يكون الهدف من وراء الحوار إقناع أي طرف للآخر؛ فهذا في الحقيقة يُخِل بقواعد ذلك الغذاء.

لن تجد في حديث «إليزابيث» مثاليةً لا منطق لها، ولن تشعر بأنها تُكلمك من مكانٍ مُنعزل عن الواقع؛ فهي لن تنصحك وحدك أصلًا، وإنما ستتحدث بلهجةٍ ذاتيةٍ مُوجهةٍ لك ولها معًا. لن تقنعك أن الاختلافات ستزول والصراعات ستنتهي بمجرد غذاء، فتلك الوجبة ما هي إلا بداية «يُلقي فيها شخصان مُحاربان السلاح، ويقتربان من بعضهما».

3. تقبُّل الآخر.. تقبُّل نفسي – «ثاندي نيوتن»

ماذا عن وجهٍ معروف هذه المرة؟ ولا مبادرات بهذه المحاضرة أيضًا؛ فهذا حديثٌ هادئ وحميم من المُمثلة «ثاندي نيوتن» عن تقبُّل الآخر. في الواقع، تكتشف «ثاندي» عند مرحلةٍ ما أن «الآخر» هو ذاتها؛ فقد نشأت طفلةً «سوداء مُلحدة» في مدرسة يرتادها «البيض الكاثوليك»، لتكون هي الطَرَف الذي يحتاج من الآخرين إلى تقبُّلهم له.

تحكي «ثاندي» كيف تحوَّلت من القلق من فكرة أنها لا تملك «ذاتًا» إلى الاعتقاد في كون تلك «الذات» ثقلًا على أصحابها، وكيف أن «التخفُّف من النفس»، الذي تَطَلَّبه عملها في الرقص، ثم التمثيل، فيما بعد، تحوَّل في مرحلة ما إلى نقطة قوة: «لطالما تساءلت ما الذي يجعلني أشعر بآلام الأخرين عميقًا هكذا؟ لِمَ أستطيع إيجاد أحد ما من «اللاأحد»؟ هذا لأن ذاتي لا تقف حائلًا في الطريق».

4. لكل مَن حولك قصة، يجب على العالم الإصغاء لها – «ديڤ إسي»

تخيل أنك ذهبت مع صديقك المُقرَّب إلى غُرفة صغيرة، وطَرَحَ كلٌ منكما على الآخر بعض الأسئلة، وتم تسجيل ذلك الحوار بينكما لتحصلا على نسخة منه، بينما تُحفظ نسخة أخرى للتاريخ. تلك هي فكرة مُنظمة «ستوريكوربس» (StoryCorps)، التي أسَّسها «ديڤ إسي» (Dave Isay) عام 2003: «مكان هادئ يمكن لشخص ما تكريم آخر يهمه أمره عن طريق الاستماع لقصته».

بدأت «ستوريكوربس» «كابينة» تدخُلها مع صديق أو فرد من العائلة أو حتى مع غريب؛ لتُجريا حوارًا معًا، ثم تحتفظان بنسخة من التسجيل، وتذهب نسخة أخرى إلى «مركز الفلكلور الأمريكي» في مكتبة «الكونجرس». اليوم أصبَحَت «ستوريكوربس» تضم أكبر مجموعة تم تسجيلها للأصوات البشرية على الإطلاق، وتحوَّلت إلى تطبيق يمكن تحميله على الهاتف، وحَصَل «ديڤ» على جائزة TED، وتمنى، بهذه المناسبة، أن «يزدهر هذا الأرشيف الرقمي للحِكمة الجماعية البشرية».

يحكي «ديڤ» عن إحدى شرارات الفكرة: «في سنة 1998 أجريتُ حلقة وثائقية عن الفنادق الرديئة في شارع «بوري» بـ«منهاتن»؛ إذ أقام شباب بهذه الفنادق الرخيصة لعقود. عاشوا في كبائن بحجم زنازين سجن، مُغطاة بسلك معدنيّ؛ لتعجز عن القفز من غرفة لأخرى، ولاحقًا كتبتُ عنهم بالاشتراك مع المصور «هارفي وانج». أتذكر، وأنا أخطو لفندق رديء، بنسخة كتاب قديمة، وأنا أُري أحدهم صفحته. لقد وقف هناك يحدق فيها بصمت، ثم انتزع الكتاب من يدي ليهرب عبر الرواق الضيق الطويل حاملًا الكتاب فوق رأسه صارخًا: أنا موجود، أنا موجود».

5. حول الإنسانية – «كريس أباني»

لا شيء يصلُح لختام قائمة محاضرات عن «الإنسانية» أكثر من هذه المحاضرة؛ إذ يحكي الروائي والشاعر النيچيري «كريس أباني» (Chris Abani) قصصَ أشخاصٍ «اعتياديين»، كما يصفهم في بداية حديثه، بدءًا من أمه، مرورًا بنساء قرية أبيه، وصديقين لـ«كريس»، وصولًا إلى قبيلة «إيجبو» (Igbo)، التي يتحول ـ بعد الحديث عن أهلها ـ إلى وصف هؤلاء البشر بأنهم «أُناس مُدهشون».

ستضحك كثيرًا وأنت تستمع إلى حكاياته عن والدته وطفولته وذكريات سجنه، لكن توقَّع أن تُدهشك بعض الحقائق التي يسردها عن بلاده أيضًا، هو الذي سُجِنَ فيها ثلاث مرات، ولا تستبعد أن يُبكيك ذاك الذي أضحكك في البداية.

تذكُر «إليزابيث»، صاحبة المحاضرة الثانية في هذه القائمة، مفهوم الـ«أوبونتو»، ويذكره «كريس» وسط حديثه أيضًا. «أوبونتو» هي فلسفة في «جنوب إفريقيا» تنص على التالي «إن الطريقة الوحيدة التي يمكنني من خلالها أن أصبح إنسانًا هي أن تعكس لي إنسانيتي»، أو بكلمات «إليزابيث» «أنا أحتاج إليك لكي أكون أنا، وأنت تحتاج إليَّ لكي تكون أنت».

عرض التعليقات
تحميل المزيد