في حلقة من مسلسل بدا متكررًا، يلتف الآن الروس والأتراك والأكراد والإيرانيون وأطراف سورية عدة، حول مدينة تل رفعت الواقعة على بعد 35 كم شمال مدينة حلب (شمال سوريا)، يترقبون مصيرها العسكري أو السياسي القادم. إذ تحاول تركيا السيطرة على المدينة عبر تفاهم مع روسيا، فيما تعارض إيران والنظام السوري المتفقين مع الخصم اللدود لأنقرة  (الوحدات الكردية) هذا الاتفاق، الأمر الذي ينذر بمصير للمدينة يشبه مصير عفرين.

تركيا تتجه نحو تل رفعت

من أهم المناطق التي حددت شرقًا لمحاربة الأكراد السوريين بعد معركة عفرين هي مدينة تل رفعت، ففي الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، هددت تركيا بشن عملية عسكرية في تل رفعت الواقعة في الشمال السوري، بذريعة إنهاء سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية هناك.

 ونقل عن الناطق باسم الحكومة ونائب رئيس الوزراء التركي (بكر بوزداغ)  قوله إن تركيا: «ستُطهّر منطقة تل رفعت بريف حلب الشمالي بسوريا من تنظيم (ي ب ك/ ب ي د) الإرهابي على غرار عفرين، فلن يسمح بتقسيم تراب ووحدة سوريا أو إجراء تغيير ديموغرافي فيها مبني على المذهبية وهذا أمر مهم للغاية».

وتعتبر تركيا السيطرة على هذه المدينة «امتداد طبيعي» لمناطق عمليات «غصن الزيتون» التي تنفذها القوات التركية وفصائل من المعارضة السورية، ويتمركز فيها مقاتلو الوحدات الكردية المنسحبون من عفرين وأريافها، إذ تسيطر الوحدات الكردية على نحو 60 مدينة وبلدة وقرية في شمال حلب، وكانت وسائل إعلام تركية  قد أكدت أن القوات التركية والجيش السوري الحر سيطرا على المدينة ومطار منغ العسكري من المقاتلين الأكراد، إلا أن ذلك لم يحدث، وإنما اقتصر الأمر على تسلم نقاط في محيط المدينة من قوات روسية.

 وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على تل رفعت بعد شن الطيران الروسي لأكثر من 200 غارة، وبعد أن أحكمت حصارًا خانقًا على المدينة ومحيطها في فبراير (شباط) 2016، وعقب هذه السيطرة خاضت هذه الوحدات مشروعًا لتهجير السكان العرب من المنطقة، فنزح هؤلاء إلى مناطق مجاورة، حيث يعيش المُهجّرون مأساة كبيرة بسبب عدم تلقيهم أي مساعدات إنسانية، وتقدر الأمم المتحدة عددهم بحوالي 170 ألف نازح، في حين تقول مصادر أخرى إن العدد يفوق 200 ألف.

دوافع تركيا للسيطرة على تل رفعت

تبعد تل رفعت -التي تعد بوابة الدخول للمناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري- عن عفرين 20 كم، ولذلك فهي في موقع استراتيجي، فمدينة عفرين التي تبعد عن حلب بنحو 40 كم تجاورها مدينة مارع التي تُعتبر معقلًا رئيسيًا للمعارضة المسلحة شرقًا، ويمكّن الاستيلاء عليها من الربط بين مناطق المعارضة في عفرين ومارع، كما لا يمكن حماية عفرين وأعزاز التي تشرف على مطار منغ إلا بتأمين تل رفعت.

يافطة توضح اتجاه مدن الشمال السوري (المصدر: موقع بلدي نيوز)

وتعد تل رفعت الجسر الواصل للحزام الكردي الذي يسعى الأكراد السوريون لتشكيله شمالي سوريا، ويطلق التنظيم اسم «كانتون الشهباء» على هذا الخط الذي يضم منبج وتل رفعت، لكن مدينة الباب ومناطق «درع الفرات» تحول دون وصل تل رفعت بمنبج، وترى تركيا في إنهاء هذا الجيب الكردي في محيط عفرين موتًا فعليًا لفكرة وصل مناطق الوحدات الكردية في منبج بمناطق السيطرة السابقة في عفرين وتل رفعت ومحيطها، وذلك في موازاة مساعي أنقرة لإنهاء تواجد الوحدات الكردية في منبج عسكريًا أو سياسيًا.

الأهم أن المعارضة السورية التي ساندت تركيا في عملياتها العسكرية «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، تضغط على أنقرة لاستعادة هذه المدينة ذات الرمزية الثورية لديهم، فهي من أولى المدن في الشمال السوري التي خرجت عن سيطرة النظام أواخر العام 2012، ويؤكد الجيش الحر أن استعادة المدينة ومحيطها هي أولوية بالنسبة له بعد معركة عفرين، فتركيا بتحريرها المدينة ستضمن استمرار ولاء هؤلاء في الحرب على الأكراد حتى القضاء على فكرة قيام دولة كردية.

مهجرون قسريًا من مناطق ريف حلب، يطالبون بخروج (ب ي د) من مناطقهم (المصدر: موقع بلدي نيوز)

كما أن تركيا معنية بالتأكيد الفعلي للسوريين أن عمليات الجيش التركي تصب لصالحهم، وأنها تساعدهم في التخلص من تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) والعودة إلى منازلهم في أقرب وقت، وتحركاتها هي استجابة لـتظاهرات خرجت في المخيمات قرب معبر باب السلامة، قام بها المُهجّرون من أبناء تل رفعت والقرى المجاورة، للضغط على تركيا للاستمرار بعملية «غصن الزيتون» للعودة إلى مدينتهم.

روسيا تقدم تل رفعت على طبق الخلاف التركي الأمريكي

لا تبعد الرغبة التركية بالسيطرة على «تل رفعت» عن سياق النزاع الدولي الذي يضع نصب عينيه الشمال السوري، فهذه المنطقة الواقعة هي منطقة أمن قومي لأنقرة، وكذلك هي محل تجاذبات روسية-أمريكية متوازية مع التجاذبات التركية-الأمريكية.

صورة نشرتها الوحدات الكردية وقالت إنها لمغادرة القوات الروسية تل رفعت

وفي ظل وجود رغبة روسية في توتر الأجواء بين أنقرة وواشنطن مع الحديث عن إصرار تركي بالسيطرة على منبج التي تسيطر عليها واشنطن، تسعى تركيا للوصول إلى تل رفعت بالتفاهم مع روسيا التي دخلت المدينة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أغسطس (آب) الماضي.

وفيما أعلنت صحيفة «يني شفيق» في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن انسحاب القوات الروسية من تل رفعت، حيثُ «انسحب 80 جنديًا روسيًا تمامًا من عفرين وتوجهوا إلى نبل –زهرة الواقعة تحت سيطرة النظام»، تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان في أواخر مارس (آذار) عن اتفاق بين الأتراك والروس ينص على: «تسليم تل رفعت وقرى محيطة بها خاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردي، إلى مقاتلين من الفصائل السورية والمقاتلة المتحالفة مع القوات التركية ضمن عملية غصن الزيتون».

وبغض النظر عن وقوع اتفاق بين الروس والأتراك من عدمه -حيث لم يؤكد ذلك أي من الطرفين-، يرى المراقبون أن موسكو تدرك قوة أنقرة في الشمال السوري قانونيًا وسياسيًا، على عكس إيران التي تعاني من العقوبات الاقتصادية والسياسية الدولية، إذ تشعر موسكو أن إرضاء تركيا في الشمال بمثابة ضمانة لترسيخ وجودها في الساحل وهي شريك سياسي وعسكري مهم لتحديد المستقبل السوري، كما  أعاد التأييد الروسي لعملية  «غصن الزيتون» بعد العلاقات بين موسكو وأنقرة إلى طبيعتها، ولذلك ليس من المستبعد أن يتمدد هذا التوافق إلى مصير تل رفعت.

الرئيسان الروسي والتركي (المصدر : سبوتنيك)

يقول الباحث في الشأن التركي (محمد الشرتح) : «في عملية السيطرة على مدينة عفرين كانت الخطة الروسية تقضي بأن يتم إخراج وحدات حماية الشعب الكردية من المدينة مقابل سيطرة النظام على منطقة تل رفعت والقرى المجاورة وتوسيع سيطرته لتأمين حماية لبلدتي نبل والزهراء، وهذا الأمر لم ترضَ عنه فصائل غصن الزيتون التي يتطلع مقاتلوها للعودة لمدنهم».

ويضيف لموقع «أورينت نت»: «اتفقت روسيا وتركيا على انسحاب الروس من المدينة، ولكن رغبة روسيا وإيران في مقايضة مناطق أخرى مقابل سيطرة الأتراك على تل رفعت حال دون انسحاب الروس من المدينة، فروسيا تريد تأمين منطقة الساحل وإبعاد الثوار عن مطار حميميم من خلال نيتهم السيطرة على منطقة جسر الشغور حتى منطقة الساحل، مقابل سيطرة الأتراك على مدينة تل رفعت والمناطق القريبة منها، وهذا ما قوبل برفض الأتراك».

النظام وإيران يعرقلان الرغبة الروسية

«بين مارع وعفرين تتجه أنظار الجيش التركي والمجموعات التابعة له نحو مدينة تل رفعت، فخلال الأيام الماضية سيطر الجيش التركي على هذه المدينة إعلاميًا فقط. لتدخل كاميرا قناة العالم إلى داخل المدينة مكذبة رواية الاتفاق الروسي التركي والذي من المفترض أنه نص على تسلم المدينة للتركي»، هذا ما جاء في تقرير موقع قناة «العالم» الإيرانية ضمن المحاولات الإعلامية الإيرانية التي تؤكد على الموقف الإيراني الرافض لأي اتفاق روسي تركي حول تل رفعت.

خارطة توضح مناطق الشمال السوري (المصدر: وكالة الأناضول)

فخلال الأيام القليلة الماضية عمل النظام السوري وإيران على الترويج على تواجد المليشيات الإيرانية بكثرة في المدينة وريفها، فأظهر تل رفعت مكتظة بالموالين للنظام والموالين للوحدات الكردية، التي سلمت جيش النظام تل رفعت في 23 فبراير (شباط) الماضي بعد التوصل لاتفاق بينهما.

 كما قام النظام بالتنسيق مع الوحدات بتعزيز التواجد الأمني في تل رفعت، فشكلت مجموعة أمنية تابعة لـ«الأمن العسكري» يزيد عدد عناصرها عن ـ20، وتمركز عناصر هذه المجموعة مع عناصر مليشيات نبل والزهراء ولواء الباقر في «الجمعية الفلاحية»، فقد سمحت الوحدات للنظام باختراق «مجلس منبج العسكري» من خلال قادة وعناصر «لواء جند الحرمين» التابع للمجلس والذي انضم إلى صفوف (قسد) في مارس 2017.

يقول الصحفي «خالد الخطيب» : «تشمل استراتيجية النظام المتبعة في الآونة الأخيرة منطقتي منبج وتل رفعت، لقطع الطريق على أي تفاهم تركي–روسي، وتركي–أمريكي، قد يقضي بانسحاب وحدات حماية الشعب الكردية من المنطقتين لصالح المعارضة. تلك الاستراتيجية يمكن أن تعرقل معارك المعارضة في حال قررت التقدم عسكريًا بدعم تركي».

ويضيف في مقاله التحليلي بموقع «المدن» اللبناني: «في حال لم تتمكن مليشيات النظام من منع التفاوض المؤجل حول تل رفعت فإنها ستعمل على طرح الإدارة المشتركة للمنطقة، بالتنسيق مع الوحدات، وهو مطلب يلقى القبول المبدئي لدى روسيا، كما هو الحال لدى الأمريكيين في منبج. وهو ما ترفضه المعارضة المسلحة وتركيا في المنطقتين».

وكما أسلفنا، فإن سيطرة تركيا والمعارضة السورية على تل رفعت التي تعد بوابة الدخول للمناطق النظام السوري، تشكل خطرًا على النظام والميلشيات الإيرانية في مدينة حلب وبلدتي نبّل والزهراء، ولذلك لا يستبعد إمكانية «اندلاع معارك عنيفة بين قوات الجيش التركي وفصائل الجيش السوري الحر المتحالفة معها، من ناحية، وميليشيات كردية وأخرى موالية لإيران، من ناحية أخرى، في محيط مدينة تل رفعت، بعد أنباء عن رفض النظام السوري وإيران، وخلفهما التحالف الدولي التفاهمات التركية الروسية التي تقضي بتسليم المدينة لأنقرة»، حسب تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد