آمنت معظم حياتي – كأغلب العلمانيين وكالعديد من المتدينين – بالفكرة الشعبية السائدة عن الانتحار، بأنه اختيار فردي لكل شخص ولا يمكن إدانته أخلاقيًا. وبما أننا لا يمكن أن نشعر بالمعاناة المؤدية لذلك القرار فعلينا ألا نحاكمه. لكني لا أعتقد الآن بأن أيًا من هذا صحيح.

ما السبب في تغيير وجهة نظري؟

لقد انتحر اثنان من أصدقائي بفارق زمني عام ونصف عن بعضهما. أنا أيضًا لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير بالانتحار عدة مرات. وكشاعر ومؤرخ كتبت العديد من المرات عن تاريخ العلمانية، فكرت جيدًا فيما أنا مقبل عليه. لاحظت أنه من الغريب أننا جميعًا نشعر بالوحدة في نوبات تفكيرنا بالانتحار ثم كيف نهتم بالتواصل عندما يقوم شخص ما بالانتحار. وبدأت أفكر بإيجابية فيما يخبرنا به الألم. نحن غير وحيدين كما نعتقد، وبإمكاننا أن نصنع فارقًا كبيرًا للمجتمع بمجرد بقائنا على قيد الحياة. فقد قرأتُ إحدى المرات كيف يمكن أن تؤدي عملية انتحار لحالات انتحار أخرى. وحتى لو ظننا في وقت ما أننا عبء كبير على غيرنا فبالانتحار نصبح عبئًا أكبر.

وقد توصلت لتلك الاستنتاجات بعد كتابة قصيدة ثم تدوينة عن الانتحار. ثم جعلني التفاعل معهما ورد الفعل أدرك أنني أحتاج للتعلم ولقراءة المزيد. وبذا بدأت مرحلة بحث عميقة في التاريخ والحاضر عن الانتحار.

ما تعلمته أن أغلب المجتمعات لديها رفض أكثر من مجتمعنا للانتحار، بسبب ما يعنيه الناس لبعضهم البعض وبسبب ما يدينون به لأنفسهم في المستقبل. غالبًا ما يتم تذكر سقراط على أنه انتحر. لكنه قال لطلابه وأصدقائه في زنزانة السجن – حيث تناول السم – ألا يقتلوا أنفسهم أبدًا إلا إذا أُجبرتهم المحكمة على ذلك. وتحدث أرسطو أيضًا عن أن الانتحار خطأ بسبب أن: “العدل والظلم دائما ما يشمل أكثر من شخص”. وفي عصرنا الحالي فقدنا الاتصال مع تلك القيم وغيرها بسبب الحرب الناشبة بين الدين والعلمانية. وقد حان الوقت لإعادة التفكير في موقف العلمانية من الانتحار وقد ألفت في هذا كتابي: “ابق حيًا: تاريخ الانتحار والجدل المثار ضده”.

دعوني أوضح بأني لا أتحدث هنا عن القتل الرحيم، وهو ما أؤمن بأنه من حقوق الإنسان وخاصة حينما يتم إبقاء الإنسان حيًا لفترة طويلة على الأجهزة الطبية. فأنا أتحدث عن “الانتحار نتيجة اليأس”. وبقليل من التساهل من الممكن اعتبار الحديث عمن يظن أحباؤهم وأطباؤهم بوجوب بقائهم على قيد الحياة.

بعد عدة سنوات من التفكير والكتابة، فقد خَلصتُ لعشر نقاط عن كيفية التفكير بشكل مختلف عن الانتحار.

1- الانتحار ليس أحد الحقوق الشخصية

 

الانتحار يؤذي من حولنا بشكل رهيب. وفي بعض الأحيان يكون الأذى قاتلًا: فخلال التاريخ لاحظ الناس في جميع الحضارات أن حالة انتحار واحدة قد تؤدي لعدة حالات أُخرى. فبعد نشر كتاب جوته “آلام فيرتر”، قام بعض الشباب في أوروبا بقتل أنفسهم وهم يرتدون زي كزي فيرتر، أو يحملون الكتاب في أيديهم، وبالعديد من الحسابات فقد كانت هناك حالات انتحار أكثر في البلدان التي توفر فيها الكتاب.

والآن تظهر الإحصاءات الحديثة باستمرار وجود انتحارات عنقودية، وهي عبارة عن ارتفاع معدلات الانتحار في مدارس وكليات ومدن معينة ولفئات عمرية ومهن معينة. وربما تتذكر عناوين الصحف الرئيسية خلال العقود السابقة عن ظاهرة الانتحار بين الفلاحين ورجال الشرطة أو بين المراهقين في الثمانينات في كلية معينة أو نزل طلاب معين. الآن هناك عناوين صادمة عن حالات الانتحار بين مواليد فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبين العسكريين وبين الأمريكيين الأصليين وخاصة الشباب منهم.

هناك دلائل متنوعة عن أهمية التأثير. ففي عام 1970 رصد الباحث ديفيد فيليبس – هو الآن دكتور علم نفس في جامعة سان دييجو – ارتفاع حالات الانتحار بعد موت مارلين مونرو والعديد من المشاهير. وقد أسمى هذه الظاهرة تأثير فيرتر (نسبة لكتاب جوته آلام فيرتر). وزادت معدلات الانتحار أكثر لمن كان في نفس الفئة العمرية والجنس للمنتحر المشهور. وبخلاف المشاهير، فقد أظهرت الدراسات وجود ارتباط قوي بين تقارير الإعلام عن حالات الانتحار وبين ازدياد حالات الانتحار فعليًا في محيط من سمع التقارير – ومرة أخرى – خاصة بين من في نفس الفئة العمرية ونفس الجنس للمنتحر. تأثير الإعلام يبدو قويًا خاصة على المراهقين. بل إن هناك حتى “جرعة مؤثرة” بزيادة التعرض عنها لمثل هذه الأخبار تؤدي لميول انتحارية أكثر.

يرفض فيكتور هوجو الانتحار بسبب ما ذكره في كلمته: “بمجرد ما يمس هذا جيرانك، فالانتحار يصبح جريمة”. وكان لجان جاك روسو شخصية حكيمة تنصح أحد الشباب ممن لديهم ميول انتحارية بضرورة رفض الانتحار لعدة أسباب منها: أنه من الممكن أن يسبب العديد من حالات الانتحار الأخرى. الانتحار ضار جدًا ليكون شيئًا مقبولًا.

2- مجرد البقاء حيًا يُعد مشاركة اجتماعية في الحفاظ على الأرواح

 

بسبب قوة التأثير الناتج من حالات الانتحار، فالبقاء حيًا في أيامك العصيبة يُبقِي على أرواح أناس أُخرى. ففي دراسة كبيرة ودقيقة من جامعة جونز هوبكنز في عام 2010، وجد الباحثون أن انتحار أحد الوالدين لأطفال دون الثامنة عشرة يزيد معدل انتحار أولئك الأطفال لثلاثة أضعاف، مع وجود نماذج مختلفة – بالطبع – طبقًا لمن يستضيف الأبناء بعد ذلك وطبقا لعمر الأطفال وقت انتحار الوالد/الوالدة. وفي دراسة أُجريت عام 2014 أظهرت النتائج بأن محاولة انتحار أحد الوالدين يزيد احتمالية محاولة الابن الانتحار خمس مرات أكثر، “حتى بعد انتقاله عند عائلة أخرى“.
وهذا يعني بأنك إن لم تقتل نفسك فاحتمالية قتل ابنتك لنفسها ستقل، لكن إذا فعلتها فغالبًا ستفعلها هي الأخرى.

رجل عسكري سابق اقتبس الفكرة التالية من كتاب “ابق حيًا” في بحث شخصي عن الانتحار في جريدة الدايلي بيست وذكر: “إذا أرت لرفيق سلاحك أن ينجو، فيجب أن تتقبل المساعدة وتقاتل لتنجو أولًا في معركتك الخاصة”. لا أدري لما لا نستطيع دائمًا أن ندرك قيمتنا الحقيقية، لكن عندما يدرك الناس أن نجاتهم وقبولهم للمساعدة سوف يحافظ على حياة الآخرين، سيشعرون بأريحية أقل وهم يتهيؤون للكارثة. نحن نحافظ على حياة بعضنا البعض عندما نحافظ على حياتنا. المجتمع يجب أن يُبدي الامتنان لمن يعيشون للآخرين، وأنا سعيد لأبتدئ هذا. شكرًا لكم، غالبًا ما نخبر الناس أن يحصلوا على مساعدة، لكننا لا نخبرهم لماذا يجب أن يفعلوا هذا.

3- يجب أن نفكر في حقوق ذواتنا المستقبلية

 

ألبير كامو، اشتهر بكلمته “أننا يجب جميعًا أن نواجه التساؤل عن الانتحار”، لكنه باستنتاجه القوي الذي وصل له بأننا “يجب أن نرفض الانتحار” كان أقل شهرة. وقد جادل بأن الحياة الأكثر دائمًا ما تكون أفضل، حتى ولو لم نكن سعداء. فقال كامو أن ما ستحصل عليه من الخبرة لا يمكن إدراكه حتى تصل هناك، وهو يستحق النضال والانتظار لأجله.

وكما تقلل ثقافتنا من ارتباطنا ببعضنا البعض، فإنها تُظهر ذواتنا كشيء ثابت لا يتغير. نحن ننسى أننا سنتغير وننمو بطرق لا نستطيع تخيلها الآن. كيف سنصبح في المستقبل؟ يجب أن نبذل مجهودًا لنحترم ذلك الشخص الذي سنكونه في المستقبل.
العديد من الشخصيات البارزة على مر التاريخ دائما يُذكروننا بأنه عندما يظهر أن كل شيء ضائع، تتغير الظروف بشكل مفاجئ. فيلسوف عصر النهضة ميشيل دي مونتاج عرض العديد من القصص عن أشخاص انتحروا فقط قبل أن تتغير كل الظروف للأحسن، وقصصًا أخرى عن أشخاص رفضوا الانتحار مما أدى لحياة رائعة بعد ذلك. إذا استطعنا فقط الانتظار،  فربما نستطيع إيجاد حل لمشاكلنا الحالية.

هناك أشخاص معينون عليهم أن يعطوا فكرة “الذات المستقبلية” تفكيرًا جديًا. لا يكتمل نمو الفص الدماغي الأمامي حتى سن 25 سنة. حتى ذلك الحين فأنت لا تدري كيف ستختبر العالم في بضع سنوات. الفص الأمامي هو مكان التفكير التنفيذي: التخطيط والسلوك المعرفي المعقد، التعبير عن الشخصية، صناعة القرارات والسلوك الاجتماعي الطبيعي. أنت على وشك أن تصبح أفضل فيما توده. حتى الآن، عليك أن تجد طريقة لتنتظر. إذا كنت ستمر بفترة سيئة في حياتك، فتذكر الأشياء التي قد تصبح جيدًا فيها أيضًا، هذا إذا كنت ستثق في ذاتك المستقبلية لتفعل أشياء أنت لا تستطيع فعلها بعد.

4- الانتحار واحد من أعلى عشرة أسباب للوفاة في أمريكا

 

عدد الأمريكيين الذين انتحروا عام 2000 كان 30,000 فرد، ولايزال العدد يتزايد. آخر تعداد كامل كان في عام 2012، ووصل الرقم ل 46,000 شخص. الانتحار هو ثاني سبب مؤدٍ للوفاة للأشخاص ما بين 15 و24 عامًا. وفي دراسة حديثة على طلاب الجامعات فإن الانتحار فاق الكحول كسبب للوفاة.

في نفس الوقت، فأغلب حالات الانتحار كانت للعجائز البيض الذكور. النساء يحاولن الانتحار أكثر، لكن الرجال يموتون أكثر. هذا في الأغلب لأن الرجال يستطيعون الوصول للأسلحة النارية بشكل أكبر، في عام 2010 وصلت نسبة حالات الانتحار لـ61% من إجمالي حالات الوفاة بسلاح ناري في الولايات المتحدة. الانتحار يقتل أكثر من جرائم القتل.

وبالنسبة للعسكريين، فقد أوضحت دراسة أُجريت عام 2012 أن عدد العسكريين المنتحرين كان أكثر ممن قُتلوا في المعركة أو ممن ماتوا في حوادث سير في هذا العام. (نتائج عام 2013 ظهرت مؤخرًا وأظهرت انخفاض عدد حالات الانتحار بين العسكريين العاملين بينما زادت بين جنود الاحتياط). عامة، فعدد ضحايا الانتحار يفوق بمراحل قتلى حوادث السيارات الآن.

منظمة الصحة العالمة قدرت ارتفاع نسبة الانتحار بين عامي 1945 و2000 بـ60% في الدول المتقدمة، وأصبح الانتحار بذلك القاتل رقم واحد للأشخاص من عمر 15 عامًا وحتى 49 عامًا. باستثناء الثلاث سنوات الأسوأ نتيجة تفشي الأمراض، فقد قتل الانتحار أشخاصًا أكثر مما فعل مرض الإيدز. فعلى مستوى العالم هناك تقريبًا مليون منتحر سنويًا.

5- الانتحار غالبًا ما يكون فعلًا متهورًا اندفاعيًا وإذا هدَّأتَ هذا الاندفاع، فستنجو من محاولة الانتحار

تبعًا لدراسات وملاحظات أجراها مختصون، فعندما ينجو شخص من محاولة قتل نفسه، فإنه بنسبة ساحقة سيشعر بالامتنان لبقائه على قيد الحياة. وبعد متابعة على مدار 25 عامًا لأشخاص حاولوا الانتحار بالقفز من أعلى جسر golden gate كانت نتيجة الأحياء أو من ماتوا بطريقة طبيعية 96%. غالبًا ما نفكر بالانتحار كقرار لا مفر منه لحياة مليئة بالمشاكل والصراعات والاكتئاب، لكن في الغالب فالحقيقة ليست كذلك. في أغلب الحالات تكون خسارة أحد الأشخاص أو التعرض للإذلال أهم العوامل لقرار الانتحار.

يظن البعض أن انتحار العسكريين يكون نتيجة لاضطرابات ما بعد صدمة الحرب، لكن نتائج الدراسات أظهرت أن ثُلث عدد المنتحرين منهم لم يشاركوا في أي حرب، في حين فقد أكثر من نصف المنتحرين أشخاصًا قريبين لهم، أو تعرضوا لإهانات في العمل. كما أظهرت دراسة عن انتحار رجال الشرطة أن نسبة 64% من المنتحرين تم وصف انتحارهم كـ”مفاجأة”. وهناك تقارير إخبارية عن زملاء ناجحين ومحبوبين وكانت تظهر عليهم إشارات قليلة عن الاكتئاب وفي النهاية انتحروا. جزء من المشكلة أن الانتحار يظهر كخيار متاح وطبيعي في أوقات معينة وضمن مجموعات معينة، ومن الجيد إدراك ذلك والعمل على مقاومته. إذا أحسست في أي يوم بالتفكير في الانتحار، فعليك أن تعترف لنفسك بأنك تملك النزعة الانتحارية الآن وبأنك مستعد لمقاومتها.

6- الموانع الحسية للانتحار أظهرت فاعلية وكذلك تستطيع الموانع الفكرية

 

أظهرت الدراسات بأن مجرد وضع حاجز كبير على جسر اشتهر كمكان للانتحار يساعد على الحفاظ على الأرواح. فمن يأتي إليه ولا يستطيع الانتحار لا يذهب لجسر آخر لينتحر. حواجز الجسور تُقلل من معدل حالات الانتحار. لهذا تم وضع حاجز على جسرgolden gate  مؤخرًا كما وضح العديد من الخبراء في مجالات مختلفة فموانع الانتحار الحسية تنقذ الأرواح. فالانتحار عمل اندفاعي جدًا لدرجة أن أغلب الناس لا تنشغل بالتخطيط لاختيار جسر آخر للطوارئ يكون مناسبًا للانتحار.

في عام 1990 رُصد العديد من حالات الانتحار نتيجة لجرعات زائدة من المسكنات “أسيتامينوفين” لذلك أصدروا قانونًا يوجب صرف هذه المسكنات بكميات قليلة. ونتيجة لذلك قلت حالات الانتحار بالمسكنات جدًا. عدد من تعاطوا جرعات زائدة ظل كما هو، لكن قليلًا من الحالات كانت قاتلة. نجا مَنْ حاولوا الانتحار لأن الانتحار فعل اندفاعي جدًا لذلك فهم يتعاطون ما يجدونه أمامهم في المنزل. لذلك أنقذت العبوات الصغيرة العديد من الأرواح.

أكثر من نصف القتلى بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة يموتون نتيجة حالات انتحار، وأكثر من نصف حالات الانتحار تتم باستخدام أسلحة نارية. لذلك فوجود وسائل انتحار فورية سيء للغاية. وإذا كانت تراودك أفكار انتحارية، فاترك سلاحك بحيث تحتاج بضع ساعات وبعض المجهود وتدخلًا بشريًا لتحصل عليه. وقد علمت من بعض الأشخاص أنهم يتركون أسلحتهم في منازل بعض أقربائهم لذلك السبب.

الفيلسوف الأسترالي لودويج وتجنستن يقول أن الانتحار دائمًا يحدث باستعجال أحد الدفاعات النفسية للإنسان، ولا يوجد ما هو أسوأ من استعجال دفاعاتك. وأضاف بأنه انتابته رغبات انتحارية مرات عديدة في حياته وأن ثلاثة من إخوته الأربعة قد انتحروا، لكنه وجد أسبابًا يعتقد نتيجتها أن الانتحار خاطئ لذلك لم يقم به. كقاعدة عامة، لا يمكننا إجبار أنفسنا على ألا نشعر بالإحباط، لكن يمكننا إخبار أنفسنا بألا ننتحر.

7- لا يمكن أن نثق بأمزجتنا طوال الوقت، ولذلك يجب أن ندرب أنفسنا على أن نتخطى الاندفاعات الانتحارية الطارئة

 

رالف والدو إيمرسون قال: “أمزجتنا لا تثق ببعضها البعض”. فمن بين ما يقارب 4,000 شخص انتحروا العام الماضي في الولايات المتحدة فبالتأكيد هناك من لم يتوقعوا هذه الميتة لأنفسهم. فبعضهم فقط عَلقوا في لحظة سيئة وبوجود أداة قاتلة وعدم وجود فكرة واضحة عن عدم القيام بالانتحار. هناك عدد كبير ممن يمتلكون رغبات انتحارية يقاومون بشدة كي لا يموتوا، ولذلك يجب تشجيع أفكارنا عن الحديث على الخط الساخن لمقاومة الانتحار.

هناك بعض ممن يقرؤون هذه المقالة الآن لا يرون أنفسهم أنهم سينتحرون لكنهم سيفعلون، ذلك إذا لم يقوموا ببعض المجهود العقلي للحول دون ذلك. حصن نفسك ضد الانتحار على قدر ما تستطيع بالتفكير في الموضوع في هذا الإطار الجديد. لا تترك نفسك فريسة للحزن الذي قد يدفعك للانتحار. فالتحضير الذهني يقيك من النزعات الانتحارية المصاحبة للاكتئاب إذا أصبت به.

تلقيت خطابًا من محامٍ ذكر لي فيه أن محاضرتي عن حالات انتحار أحد الوالدين ممن لديهم أبناء تحت سن الثامنة عشرة قد أراحته وثبتته بعد عقود طويلة من التذبذب. كان هذا مريحًا. وقد أوحى لي بفكرة عظيمة، فقد كان يقوم بكتابة ملاحظة لنفسه كلما كان سعيدًا، حتى يقرأها لنفسه عندما يكون حزينًا، ليذكر نفسه بوقته الجيد وبخط يده ويأمل في وقت مستقبلي أفضل. فعليك التقرير الآن بألا تدع مزاجك السيء يقتلك.

8- إذا أدرك الجميع مدى انتشار الرغبات الانتحارية، فسيقل خوفهم من رغباتهم

 

الكثير من الناس يفكرون في الانتحار – تخميناتي العلمية تقول أن العدد يفوق نصف عدد السكان. في دراسة تمت عام 2006 على 26,000 طالب وخريج جامعي أظهرت أن أكثر من نِصْفهم فكر في الانتحار في مرحلة ما. و18% من الطلاب فكروا في الانتحار بجدية. وعندما أتحدث مع الأشخاص البالغين فأغلبهم يعترف بأنهم يرغبون في الموت في بعض الأوقات. التفكير في الموت لا يعني أنك يجب أن تقتل نفسك أو أنك ستفعلها. تعامل مع الأفكار بجدية كمؤشر بأن هناك شيئًا ما خطأ، وبأنك يجب أن تجد شخصًا ما لتتحدث معه. لكن هذه الأفكار شائعة جدًا لتكون مخيفة. إذا أدركنا أن كثيرًا منا فكر فيها، فسنكون أقل قابلية لتتحكم فينا هذه الأفكار.

9- معدل الانتحار المتصاعد أصبح حدثًا شائعًا، وكأي حدث يمكن تقليل تأثيره أو عكسه

 

معدلات الانتحار تزيد وتقل. والتفسير لتلك الظاهرة عندي أن الناس تقلد بعضها البعض، حتى تصل لنقطة تشبع ويصبح بعدها هذا السلوك موضة قديمة. وعندما يتم نسيان هذا الشعور تعود الكرة مرة أخرى.

المجتمعات البشرية أوقفت العديد من الموضات والعادات من قبل، حتى مع أنواع شديدة الإدمان من المخدرات. هناك العديد من العادات الاجتماعية تم إيقافها رغم أنها كانت شديدة ومستوطنة في تلك الأزمان مثل: تصغير القدم – عملية كانت شائعة قديمًا في الصين عن طريق وضع أقدام الفتيات الصغيرات في قوالب حتى لا تكبر-، المبارزة، تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي. وقد تم إيقاف كل هذا عن طريق إعادة تعريف ما هو صواب وما هو خطأ ورفض ما يسبب الألم والخسارة للإنسان. ربما يمكننا تغير ارتفاع معدلات الانتحار أيضًا.

بالتأكيد ظروف حياة كل فرد تؤثر بشكل كبير جدًا على قرارات كل شخص ومزاجه العام، لكن إن لم يكن الانتحار خيارًا متاحًا على الطاولة عن طريق سماعنا لأخبار عن منتحرين في نفس ظروفنا فبإمكاننا إيقاف الانتحار من كونه عادة شائعة يتم تقليدها. وبالطبع يجب ألا نهمل الأفكار الانتحارية الناتجة عن الصدمات النفسية والإهمال والحالات العصبية. وأيضًا الأفكار الآتية نتيجة سوء الحالة الاقتصادية أو السياسية أو بسبب الحرب وفقدان الحافز للحياة في العالم. لكن ما يصنع الفارق هو ظهور الانتحار كرد فعل متاح ناجح للمعاناة، ويمكننا منع ذلك.

10- إذا خططنا ونجحنا في تقليل معدلات الانتحار، فزماننا سيبدو كمجزرة بالنسبة للأجيال القادمة

 

ما هو شعورك إذا أخبرتك عن حضارة يتم فيها حصد أرواح 40,000 رجل وامرأة وطفل كل عام؟ كيف لا يبدو هذا كمجزرة دموية؟ رسائل الانتحار مليئة بشعور المنتحرين بأنهم عبء على المجتمع. من أين أتوا بتلك الفكرة؟ من مجتمعنا وثقافتنا التي أخبرتنا بأننا يمكن أن نقرر إذا كنا نستحق الحياة أم لا. المجتمع هو من أخبرنا بأن على الآخرين أن يُقيمونا على أساس مشاركتنا وسلبياتنا وسعادتنا ومعاناتنا. أشياء خاطئة وقاسية ليتم ترسيخها بين الناس.

أعتقد أن المجتمع والثقافة هما من يعطيان معنى لأي منا، ولا يستطيع أي شخص أن يصبح ذا معنى وحده بدون الآخرين. تخيل أنك استيقظت غدًا لتجد نفسك وحيدًا على الكوكب. هل ستظل تفعل ما اعتدت فعله كل يوم؟ المشاركة هي ما يعطي معنى للحياة. هل تتخيل – مثلًا – أنك تستطيع أن تتعرف على أي حيوان بجلب فرد منه وفحصه في المعمل فقط؟ لا نصبح شيئًا بدون تواجدنا معًا ويجب أن نقول هذا. أو حتى لا نقول شيئًا لكن نتوقف عن قول إن قتل أنفسنا هو اختيار فردي ومقبول أخلاقيًا. إذا كان المجتمع متواطئًا على جعلنا نكره أنفسنا، فأعتقد أننا لا يجب أن نستمع لذلك عن طريق قتل أنفسنا. للعديد منا الذين يفكرون بالانتحار، فجزء من النجاة هو التمرد للحياة. وأعتقد أن أفضل طريقة للتمرد هي البقاء حيًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد