تفرض الصين سياجًا حديديًّا على مواطنيها فيما يتعلق بمواقع الإنترنت الأجنبية؛ إذ تحجب حكومة بكين وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة في العالم، مثل «فيسبوك»، و«يوتيوب»، و«تويتر»، و«إنستجرام» وغيرها، ورغم ذلك فإن لدى الصينيين بدائل محلية تعوضهم عن هذه المواقع، بل تتفوق عليها في بعض الأحيان. أغلب هذه البدائل من إنتاج وتطوير شركة «تينسنت»، «غول» الصين التقني العملاق الذي يعادل «فيسبوك» و«جوجل» والذي يحظى بشهرة أقل عالميًّا، وفي السطور التالية نتحدث عن الشركة ودورها في الصين.

«وي شات».. كل ما يحتاجه الصينيون في تطبيق واحد

بأيقونة تجمع اللونين الأخضر والأبيض، وهما نفس لوني التصميم الذي يميز أيقونة تطبيق المراسلة الأشهر في العالم «واتساب»، خرج تطبيق «وي شات» الصيني إلى النور عام 2011، كان ذلك بعد عامين فقط من ظهور «واتساب»، لكن التطبيق الصيني أخذ مسارًا مختلفًا تمامًا، فقد تحول من مجرد تطبيق للمراسلات إلى ما يصفه البعض اليوم بـ«التطبيق الخارق Super App» الذي يجمع في خصائصه بين «فيسبوك»، و«إنستجرام»، و«واتساب»، و«أبل باي»، وغيرها.

تبدأ تجربة المستخدم مع «وي شات» بنافذة افتتاحية تشبه للوهلة الأولى ما تجده في «واتساب»، مع خيارات تتيح الانتقال إلى نافذة لاستكشاف المقالات والأخبار مثل «newfeed» في «فيسبوك»، كما يمكن للمستخدمين نشر منشورات خاصة بهم، واستقبال تفاعل الآخرين بالإعجاب والتعليق على منشوراتهم، ويتيح التطبيق خاصية طريفة للتعارف، وهي خاصية «shake»، حيث يمكن للمستخدم أن يتعرف إلى أشخاص جدد من الذين يقومون بهز الجوال في أي مكان في العالم في الوقت نفسه.

كان يمكن أن يظل «وي شات» تطبيقًا عاديًّا، يتيح فقط المراسلات النصية أو مكالمات الصوت والفيديو مع بعض الخصائص التي تتيح التفاعل الاجتماعي بين المستخدمين كما ذكرنا، ولكن اتخذت الشركة مسارًا آخر بإدخالها عام 2013 لنظام المدفوعات والمحافظ الإلكترونية «wechat pay»، الذي سمح بتحقيق حلم التخلص من تداول النقود الورقية واستخدام الدفع الإلكتروني بدلًا منه في الصين.

Embed from Getty Images

يمكن لكل شخص يمتلك حسابًا بنكيًّا في الصين أن يربطه بسهولة بحسابه على «وي شات» ليستقبل تحويلات مالية أو يرسلها، وتسهِّل هذه الخاصية إتمام المعاملات التجارية بين الزبائن وأصحاب الأعمال.

أحدث «وي شات» ثورة حقيقية في المعاملات المالية الصينية؛ إذ صارت أغلب المعاملات تجري من خلال التطبيق، وفي عام 2020 بلغ عدد مستخدمي «وي شات باي» نحو 800 مليون شخص، وأصبح معظم الصينيين يستخدمون التطبيق لأغراض البيع والشراء، بما في ذلك الباعة المتجولون في الشوارع.

يخصِّص التطبيق لكل مستخدم «رمز استجابة سريعة QR Code»، ليسهِّل تنفيذ أي معاملات مالية أو تجارية، وتوسَّع استخدامه إلى درجة أن بعض الحمامات العامة بدأت تشترط أن يدخل المستخدم الكود الخاص به لكي يتمكن من سحب ورق المرحاض للقضاء على ظاهرة سرقة ورق المرحاض أو سوء استخدامها.

يتيح «وي شات» كذلك إمكانية إنشاء تطبيقات مصغرة «Mini Apps» داخل التطبيق نفسه، بدون الحاجة إلى تنزيلها بشكل منفصل على هاتف المستخدم، أي إن «وي شات» صار «مخزن تطبيقات App store» منفصلًا.

باختصار، صار «وي شات» تطبيقًا لكل شيء، «الكل في واحد All-in-one»، يمكنك من خلاله دفع الفواتير، وتنظيم عمليات البيع والشراء، وحجز سيارة أجرة، وترتيب موعد مع الطبيب، وحجز تذكرة السينما، وشحن الطلبات واستقبالها، كل شيء وكل تفصيلة في حياة الصينيين اليومية صار «وي شات» جزءًا منها، بشكل يجعل من المستحيل على أي شخص في الصين الاستغناء عن التطبيق وخدماته.

«تينسنت».. عملاق صيني يحاول ابتلاع الجميع

لا يمثل تطبيق «وي شات»، رغم اتساع نطاق عمله، إلا واحدًا من المحاور التي تعمل شركة «تينسنت» الصينية على تطويرها، للاستحواذ على أكبر قدر من المجال الرقمي في الصين، لتحتل الشركة المرتبة الثامنة في قائمة أكبر الشركات في العالم لعام 2020، برأس مال يفوق 500 مليار دولار.

وقد أطلقت «تينسنت» في عام 2005 موقعها للتواصل الاجتماعي «كيو زون Qzone» الذي يتيح نشر ومشاركة الفيديوهات والصور والمدونات، ومقاطع الموسيقى، وقد بلغ عدد مستخدميه في عام 2015 نحو 650 مليون مستخدم نشط، ما يجعله ثالث أكبر وسائل التواصل الاجتماعي انتشارًا في العالم بعد «فيسبوك» و«يوتيوب».

وللشركة خبرة في عالم ألعاب الفيديو وتطبيقات ألعاب الموبايل، فهي تستحوذ بشكل كامل أو جزئي على عشرات الشركات المحلية والعالمية العاملة في مجال ألعاب الفيديو، من بينها شركة «Supercell» الفنلندية المطورة للعبة الحرب الإستراتيجية الشهيرة «Clash of Clans».

وفي عام 2011 استحوذ عملاق التقنية الصيني على 100% من أسهم شركة «Riot Games» الأمريكية التي تعد أكبر مطور لألعاب الفيديو في العالم، ومن أشهر إنتاجاتها «League of Legends»، وهي لعبة الفيديو المنتشرة عالميًّا، وبلغت قيمة أرباحها عام 2020 نحو 1.5 مليار دولار، وأيضًا لعبة «ببجي Pubg» الشهيرة، وبشكل عام يمثل الاستثمار في مجال الألعاب الإلكترونية نحو 40% من إجمالي عوائد الشركة الصينية سنويًّا.

وفي عام 2014، كانت «تينسنت» الصينية على وشك الاستحواذ على تطبيق «واتساب» الشهير، في صفقة كانت ستقلب موازين عالم التقنية آنذاك، لولا أن مارك زوكربيرج، مؤسس «فيسبوك»، دخلَ على خط المنافسة بعرض بقيمة 19 مليار دولار، أكثر من ضعفي العرض الذي قدمته الشركة الصينية، استغلَّ زوكربيرج تأخُّر إتمام صفقة الشركة الصينية مع تطبيق «واتساب» بسبب خضوع رئيس الشركة لعملية جراحية في الظهر.

يعطينا ذلك صورة عن جهود الشركة لإيجاد موطئ قدم لها – وحتى الاستحواذ إن توفرت الفرصة – في شتى مجالات السوق الرقمي في العالم، فإستراتيجية «تينسنت» تقوم على التوسع في شراء الأسهم في كافة الشركات وتطبيقات التواصل والترفيه العالمية، جنبًا إلى جنب مع تطوير نسخة الشركة الخاصة من تلك التطبيقات، والتي تخاطب بها المستخدم المحلي الصيني على وجه الخصوص.

واستثمرت الشركة في العام الماضي نحو 220 مليون دولار للاستحواذ على 12% من الشركة المطورة لتطبيق «سناب شات» الشهير، كما تمتلك الشركة نحو 9% من أسهم مشغل الموسيقى الشهير «سبوتيفاي»، بالإضافة إلى امتلاكها نحو 5% من أسهم شركة إيلون ماسك «تسلا»، عملاق صناعة السيارات الكهربائية.

كل تلك الاستثمارات الخارجية لم تغنِ «تينسنت» عن محاولة تطبيق نسختها الخاصة من كل تطبيق أو منصة تشارك فيها؛ إذ لديها تطبيق الموسيقى «Tencent Music»، وتطبيق «Tencent Video» الذي يبلغ عدد مستخدميه النشطين نحو 900 مليون شهريًّا، ومنصة «Tencent Picture» العاملة في إنتاج الأفلام وتوزيعها، وهي الخدمة التي أطلقتها «تينسنت» عام 2015 وأنتجت العديد من الأفلام والأعمال الدرامية والكوميدية، فضلًا عن استثمارها في شركة «ديدي»، البديل الصيني لشركة «أوبر» العالمية العاملة في مجال النقل والتوصيل.

ما هواتينج.. «حصان» الصين الرابح

لكن، إذا كان مارك زوكربرج هو صانع مملكة «فيسبوك»، ولاري بيدج وسيرجي برين هما العقلان المدبران لـ«جوجل»، فمن كان وراء بناء إمبراطورية «تينسنت» وتوسعها كل هذا التوسع؟ الإجابة هي ما هواتينج، الشهير بـ«بوني ما Pony Ma»، ولفظ «بوني» في الإنجليزية يشير إلى الحصان.

ولد ما هواتينج في أكتوبر (تشرين الأول) 1971، في إقليم شنجن الذي يصل هونج كونج بالصين، وحصل على درجة البكالوريوس في علوم الحاسب من جامعة شنجن عام 1993، ليلتحق حينها ببعض الوظائف الحكومية في قطاع الاتصالات، قبل أن يقرر في عام 1998 أن يتبع شغفه الكبير، فترك وظيفته، وأسس مع مجموعة من أصدقائه شركة «تينسنت».

Embed from Getty Images

ما هواتينج، رجل الأعمال الصيني ومؤسس شركة «تينسنت»

ولم يكد يمر عام على تأسيس «تينسنت» حتى أطلقت أول منصة للرسائل الفورية وأسمتها «OICQ»، ولم تكن فكرة التطبيق في الحقيقة من بنات أفكار الصينيين، بل إن ما هواتينج كان قد أخذها عن تطبيق مماثل باسم «ICQ» طورته شركة إسرائيلية، حقق التطبيق الصيني نجاحًا كبيرًا، وهو ما حدا بالإسرائيليين إلى اتهام هواتينج بالسطو على علامتهم التجارية بسبب تشابه الاسم بين التطبيقين، فاضطر هواتينج إلى تغيير اسم التطبيق إلى «QQ».

بحلول عام 2004، كانت منصة «QQ»، تسيطر على نحو 74% من سوق المراسلات الفورية في الصين، ما شجع ما هواتينج ورفاقه على طرح أسهم الشركة في بورصة هونج كونج، ما رفع قيمتها إلى 200 مليون دولار، ليصبح ما هواتينج أغنى رجل في قطاع الاتصالات في الصين، ويقرر الرجل اختراق مساحات جديدة، وتبدأ «تينسنت» في مجال تطوير ألعاب الفيديو، لتجني الأرباح من الهدايا والأسلحة الافتراضية التي يشتريها المستخدمون لتساعدهم على الوصول إلى مراحل متقدمة في اللعبة.

ولكن الطفرة الكبرى في مسيرة «تينسنت»، كانت مع توظيف الشركة عام 2010 لمجموعة من المطورين الذين قدموا بعد شهرين مشروع تطبيق للرسائل النصية والمحادثات الجماعية، سمي باسم «وي شات»، والذي أُطلق رسميًّا عام 2010، لينتشر على هواتف الصينيين كالنار في الهشيم.

توسعت أنشطة «تينسنت» توسعًا مطَّردًا كما ذكرنا، لتشمل كل شيء على الإنترنت تقريبًا، وتوسع معها نفوذ «بوني ما» وسلطته، فالرجل الذي صنفته مجلة «تايمز» بأنه أحد أكثر الرجال المؤثرين، ومجلة «فوربس» بأنه من أكثر الرجال نفوذًا في العالم، دخل نادي العشرة الكبار بقائمة أثرى أثرياء العالم، كما أنه ينافس على عرش أغنى رجل في الصين مع غريمه اللدود جاك ما، مؤسس «علي بابا»، وأخيرًا، بوني ما عضوٌ بالبرلمان الصيني، ويتمتع بعلاقات جيدة مع الحكومة الصينية.

ريادة أعمال

منذ 9 شهور
يريد منافسة «جوجل» و«فيسبوك».. من هو الملياردير الصيني مالك تطبيق «تيك توك»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد