تستخدم في أحاديثنا اليومية، سواء التي نخوضها أو تلك التي نستمع إليها، العديد من المصطلحات التي تسعى لتوضيح موقف معي والإشارة إلى دلالته.

تتميز الكثير من المصطلحات الشائعة التي نستخدمها بأنها ليست وليدة اليوم، فبعضها يحمل حكاية تاريخية أكسبته معناه، وجعلته يفرض نفسه على مواقف بعينها دون الأخرى، ويكون أكثر دلالة فيها.

فيما يلي، نتعرف على القصص التاريخية وراء بعض المصطلحات الشائعة.

مسمار جحا.. الذريعة والحجة الواهية للوصول إلى الهدف المراد

عادةً ما يقول العرب مصطلح «مسمار جحا» لوصف الحجج التي تختبئ وراءها الدول الاستعمارية والطامعة من أجل تحقيق غاياتها.

في كتابه «أخبار جحا» سرد عبد الستار أحمد فراج أصل مصطلح مسمار جحا. تروي القصة أنه لما أراد جحا بيع منزله، استثنى مسمارًا في الحائط، وطلب من المشتري أن يزور المسمار في أي وقت شاء.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
الميثولوجيا الإنسانية.. قصصٌ دينية تشاركت فيها حضارات وأديان مختلفة

قبل المشتري الشرط، لكنه وجد أن جحا يزور مسماره في كل الأوقات خاصةً أوقات الطعام، فكان يدعوه صاحب البيت للأكل. وتوالت الزيارات كذلك في أوقات النوم والراحة، حتى أنه طلب أن ينام في ظل مسماره.

لم يتمكن مالك البيت من منع زيارات جحا بسبب موافقته على الشرط، فما كان منه إلا أن ترك لجحا وانتقل دون أن يستعيد ثمنه مرة أخرى.

ووفقًا لأغلب الأقوال، فجحا شخصية حقيقية وهو الخوجة نصر الدين الرومي، المولود في سيوري حصار في ولاية الأناضول، وعاش في القرن الثاني العشر أو الثالث عشر وفقًا لبعض الباحثين.

تتجه بعض الأقوال إلى أن جحا كان رجلًا مثقفًا عاش في عصر هارون الرشيد، أي في القرن الثامن، بينما يذهب آخرون إلى أنه رجل عربي من قبيلة فزارة يدعى أبا الغصن دجين بن ثابت، وعاش في القرن العاشر الميلادي، ووصلت نوادره إلى تركيا ونسبت إلى نصر الدين فيما بعد.

خُفَّا حنين.. العودة بخيبة الأمل

حينما لا يستطيع أحدهم إدراك حاجته، ويعود خائب الآمال دون تحقيق ما يريد، قد يصفه أحدهم بأنه عاد بـ«خفي حنين»، ولهذا المصطلح قصة قديمة.

يحكي المثل الشعبي عربي الأصل «رجع بخفي حنين» قصة رجل أعرابي كان يمتطي بعيره في مدينة الحيرة العراقية، فترك البعير أمام دكان لصانع أحذية ماهر يدعى حُنين، ودخل إليه. وحينما أُعجب الأعرابي بزوج من الأحذية، ظل يسأل حنين ويدقق معه ويساومه حول السعر، وبعد جدال طويل اتفقا على السعر، وحينها ترك الأعرابي الدكان وذهب في طريقه.

حينئذ غضب حنين بشدة، فقد أضاع الأعرابي وقته، وشغله حتى أنه لم يتمكن من البيع في ذلك اليوم، فأراد أن ينتقم من الأعرابي.

أخذ حنين زوج الأحذية الذي أعجب به الأعرابي، وسلك طريقًا مختصرًا ليضمن أنه يسبقه بمسافة كبيرة. وضع حنين أحد الخفين على طريق الأعرابي، والثانية تبعد عنها مسافة كافية، وظل يراقب الطريق.

حينما مر الأعرابي بالخف الأول، قال ما أشبهه بخف حنين، وتمنى لو أن الخف الآخر كان موجودًا ليأخذ الحذاء كاملًا، واستمر في طريقه، ليتفاجأ بعد مسافة بوجود الخف الآخر، وهنا أراد انتهاز الفرصة. فترك بعيره على الطريق، وأخذ الخف.

حينما عاد الأعرابي للمكان الذي ترك فيه البعير، لم يجده؛ إذ أخذه حنين وهرب، وعاد إلى أهله فارغ اليدين إلا من الخفين، بالرغم من أنه من المفترض أن يعود من سفره محملًا بالأغراض والهدايا.

حصان طروادة.. يُظهر عكس ما يخفيه

يرتبط ذكر مصطلح «حصان طروادة (Trojan horse)» بالخديعة، وإظهار حسن النية بالرغم من سوئها. كما أصبح من الشائع استخدام المصطلح لوصف البرمجيات الخبيثة لأجهزة الحاسوب، والتي تبدو كأنها تطبيقات مشروعة، إلا أنها صممت لإحداث أعطال أو تدمير البيانات.

ذُكر حصان طروادة للمرة الأولى في ملحمة الإلياذة لهوميروس، التي وُصف فيها كيفية تمكن الإغريق من الاستيلاء على مدينة طروادة (تقع حاليًا في غرب تركيا).

كان حصان طروادة عبارة عن حصان خشبي أجوف ضخم بناه اليونانيون خلال حرب طروادة ليتمكنوا من الدخول إلى المدينة. اختبأ الجنود داخل الحصان العملاق، ثم قدم اليونانيون الحصان لملك طروادة هديةً للتصالح، وبالرغم من تحذيرات المحيطين، قبله الملك.

حصان طروادة

مجسم لحصان طروادة في مدينة طروادة التاريخية التي تقع الآن في محافظة جنق قلعة التركية. مصدر الصورة: Flickr/ Jorge Láscar

بعد انتهاء الاحتفالات الليلية في طروادة لانتهاء الحرب، كما ظن أهلها، خرج الجنود اليونانيون من الحصان وفتحوا بوابات المدينة للسماح بدخول الجيش اليوناني.

بالرغم من أن الأدلة الأثرية تثبت أن مدينة طروادة حرقت بالفعل كما تروي الأسطورة، إلا أن الحصان الخشبي العملاق ما هو إلا خرافة خيالية. ووفقًا للدكتور أرماند دانجور من جامعة أكسفورد، فربما استوحت تلك الأسطورة الملحمية من أن الأدوات الحربية المستخدمة في الحصار قديمًا كانت تُغطى بجلود الخيول الرطبة لمنع إضرام النار فيها.

صندوق باندورا.. الفضول يطلق الشرور

يعتبر فتح «صندوق البندورا» تعبيرًا عن حدوث السيئ غير المتوقع، ويرتبط حاليًا بالمشاكل التي تتوالى وتتعاقب جراء فعل معين، وكأن صاحبها فتح مصدرًا للمشاكل التي لا تنتهي.

تعود أصول مصطلح «صندوق باندورا Pandora’s Box» إلى الميثولوجيا الإغريقية، ولفهمه جيدًا يجب الرجوع إلى أصل الحكاية، حينما كلّف زيوس كبير الآلهة، الإلهين «إبيمثيوس» و«بروميثيوس» بخلق الحيوانات والبشر على الترتيب.

صندوق باندورا

صندوق باندورا.

ولأن زيوس رأى أن البشر لا يستحقون النار، اضطر بروميثيوس إلى مخالفة أوامر زيوس، ومنح البشر سر النار ليتمكنوا من استخدامها. وعقابًا له أمر زيوس إبيمثيوس بمعاقبة أخيه وربطه إلى صخرة على قمة الجبل لسنوات عديدة، كما أمر ابنه هيفيستوس بصنع «باندورا» أول امرأة على الأرض.

أهدى زيوس باندورا إلى إبيمثيوس ليتزوجها، وقدم لباندورا صندوقًا هدية مكتوبًا عليه «لا تفتح»، ومرفق معه مفتاح. لم يرد إبيمثيوس فتح الصندوق، في حين طغى الفضول على باندورا، وذات يوم بينما كانت بمفردها فتحت الصندوق، فطارت منه جميع الشرور إلا فقدان الأمل، فقد تمكنت باندورا من إغلاق الصندوق قبل أن يتطاير هو الآخر مثل سابقيه من الحسد، والكراهية، والمرض، وغيرها.

كعب أخيل.. لكل منا نقطة ضعف

حينما يدور النقاش عن الضعف والقوة، يتردد إلى المسامع مصطلح «كعب أخيل Achilles’ heel» لوصف نقطة الضعف المميتة لشخص قوي، فما أصل القصة؟ وكيف ارتبط المصطلح بالضعف؟

كان أخيل أحد أبطال الأساطير اليونانية، وجاءت قصته في ملحمة الإلياذة لهوميروس خلال الحديث عن حرب طروادة. وأخيل هو ابن الملك بيليوس، والحورية ثيتيس، التي كانت قلقة للغاية بشأن وفاة ولدها، فأرادت له الخلود.

لايف ستايل

منذ شهرين
5 حكايات عن علامات الحظ السعيد في الثقافات المختلفة

وفقًا للأسطورة لجأت ثيتيس من أجل تحقيق غايتها إلى حرق ابنها على النار كل ليلة، ثم تضميده، كما غمرته في نهر ستيكس الذي اشتهر بمنح المناعة للآلهة. ولكن لأنها كانت تحكم قبضتها على قدمه عند إنزاله في النهر، لم يلمس الماء كعبه، فأصبحت تلك المنطقة هي نقطة ضعف أخيل.

كان أخيل واحدًا من المحاربين اليونانيين في حرب طروادة، وتمكن من تحقيق الفوز في معركة تلو الأخرى، ولكن بسبب صراعه مع أجاممنون قائد الحملة إلى طروادة، عزم أخيل على ترك ساحات القتال، فجمع أمتعته ودرعه الشهير ورفض الخروج للقتال، ليبدأ بعدها اليونانيون في خسارة المعارك.

لجأ باتروكلس، صديق أخيل المقرب، إلى خديعة جيش طروادة، وأقنع صديقه بأن يدعه يستخدم درعه في المعركة، وهنا سيظن جنود طروادة بأن أخيل نفسه يحارب في المعركة، فيصابون بالذعر؛ مما يزعزع صفوفهم.

ولكن تمكن هيكتور، أمير طروادة، من قتل باتروكلس في المعركة، فتعهد أخيل بالانتقام لصديقه، وطارد هيكتور حتى قتله. فيما بعد تمكن باريس شقيق هيكتور من نصب فخ لأخيل، وأصابه بسهم مسموم في كعبه. ولأنه كان المكان الوحيد الذي لم تصل إليه الماء المقدسة، مات أخيل على الفور.

المصادر

تحميل المزيد