لا يتجنى أحد على الرجل الأبيض؛ عندما يقول إنه ارتكب العديد من الشرور؛ فهو مَن ارتكب الفظائع في حق السكان الأصليين، عندما جاء إلى الهنود الحمر، وهم شعوب صغيرة تستوطن المكان، ليستعمرهم أو ليعلمهم الحضارة، على حد قوله ومزاعمه، ونسي أنه لا يُمكن للشخص الميت أن ينعم بالحضارة.

ارتكب المستعمرون أهوالًا بحق السكان الأصليين، وهي أكبر من أن تحصى، وفي اليوم العالمي للسكَّان الأصليين، نذكر القليل منها، في محاولة لحفظ ذكرى من كانوا هنا.

سكان باتجونيا.. من عاشوا على الماء ودُفنوا فيه:

كانوا يعرفون بأهل الماء؛ عاش سكان باتجونيا الأوائل في تشيلي، قبل وصول الرجل الأبيض في تناغم مع الكون، وتماهي مع البحر؛ كانوا خمس قبائل، الكاويسكار، السيلكنام، الأونيكين، الهوش، والجامانا، وربما لم يريدوا شيئًا سوى الحياة بجوار البحر. تحكي جابريلا باتيريتو، وهي واحدة من السكان الأصليين للمنطقة، في الفيلم الوثائقي «زر اللؤلؤ»، أنها لا تشعر بأنها تشيلية، فهي من قبيلة الكاويسكار، أو من يُعرف أيضًا بشعب ألاكالوف، أو الهالاكولووب. عاش أبناء هذه القبيلة التي سكنت غرب بتاجونيا، بجوار البحر، ولم يبنوا مدنًا أو يتركوا آثار، وآمنوا بأنهم سيتحولون إلى نجوم بعد الموت.

Embed from Getty Images

لكن الرجل الأبيض لم يتركهم ينعمون بالسلام، وبدأ في استعمار أراضيهم واغتصابها، ولم ينصفهم سوى الرئيس التشيلي المنتخب، سلفادور أليندي الذي بدأ في تعويضهم عن أراضيهم المغتصبة، إلى أن وقع انقلاب على حكومة أليندي الاشتراكية. مكث الانقلابيون حوالي 16 عامًا؛ واختبرت فيه تشيلي كل أشكال التعذيب والديكتاتورية والسجن، ثم عرفنا لاحقًا أن البحر الذي أحبه سكان باتجونيا، صار مقبرتهم؛ فقد اعترف بعض الضباط بإلقاء جثث السكان الأصليين في البحر، بعد وضع قضبان حديدية على أجسادهم، التي لم يتبق منها شيء سوى بعض أزرار اللؤلؤ؛ ما يعكس مدى وحشية الجنرال أوجستو بينوشيه.

أثر دماء شعب الأمازون على إطار سيارتك:

قُدِّم كلٌّ من أوماريو وريكاردو، من شعب الأمازون إلى القنصل البريطاني روجر كيسمنت في بوتيومايو بكولومبيا، أحدهما كان قد استُبدل ببنطلون وقميص، والآخر رُبح خلال لعب الأوراق. كانت الحكومة البريطانية قد أرسلت كيسمنت للتحقيق في الفظائع التي ارتُكبت بحق هذا الشعب. وثق الدبلوماسي البريطاني روجر كيسمنت عام 1904م، تقارير عن الاستعباد والتعذيب، الذي جرى بحق جامعي المطاط من السكان الأصليين.

اكتُشف المطاط في غابات الأمازون خلال الجزء الثاني من القرن الـ19؛ وكان الطلب متزايدًا على المطاط؛ لأنه يدخل في كثير من المنتجات، وازداد الطلب بسرعة صاروخية عندما اكتشفت شركة أمريكية طريقة لاستخدامه في صناعة إطارات السيارات، وبدأ الإنتاج الضخم للسيارات بواسطة فورد.

أما التحقيقات التي أجراها كيسمنت فقد أثبتت أن السكان الأصليين قد استُعبدوا وقتلوا، من أجل المطاط؛ فمن أجل تسديد طلب أوروبا وأمريكا المتزايد على المطاط؛ قُتل واستُعبد ما يزيد على  30 ألف شخص من هذا الشعب، وقد كتب كيسمنت في الفترة من 1910م، إلى 1911م، يوميات عن المعاملة المروعة لجامعي المطاط، والتعذيب والجلد الذي لحق بهم.

Embed from Getty Images

ويذكر كيمنست في مذكراته، أن شعب الأمازون قد جُنِّد للعمل في جمع المطاط بأي طريقة، وهم شعب لم يعتد من الأساس على العمل لفترات طويلة، إذ اعتادوا صيد الأسماك، وقنص الطيور، من أجل الطعام فقط، ولم يكن في جدول أعمالهم صناعة أُطر السيارات لحساب الشركات العملاقة.

جُنِّد رجال من ترينيداد وجاميكا من أجل جلب أكبر عدد من المستعبدين لجمع المطاط، وكانت العقوبات على التقاعس عن العمل قاسية، تصل للقتل. النساء أيضًا كان لهن نصيب من الاستعباد، والاغتصاب، كل ذلك من أجل إطار سيارة، ما زال يحمل آثار دماء السكان الأصليين.

السكان الأصليون في باراجواي أخذوا السلطات إلى المحكمة:

نحن الآن في باراجواي في الفترة من الخمسينيات إلى سيتينيات القرن الماضي، تحديدًا بين قبيلة آشي التي تعيش على الجمع والصيد، مع التوسع الزراعي في شرق باراجواي في الخمسينيات، وجدت القبيلة نفسها أمام مستعمر، يريد السيطرة على أراضيها، هذا المستعمر لم يتورع عن قتل ذكور القبيلة، والقبض على النساء، واتخاذ الأطفال عبيدًا؛ أما الناجون من المذبحة فقد أخذوا حكومة باراجواي إلى المحكمة، وقد ذاع صيت هذه القضية في سبعينيات القرن الماضي.

ولأن الاختلاف الشكلي هو أحد أسباب التمييز ضد السكان الأصليين، فمع اعتراف باراجواي الآن بالحقوق التي أقرتها الأمم المتحدة للسكان الأصليين، وعددهم في باراجواي  19 مجموعة، يعيش بعضهم في عزلة اختيارية، فإنهم ما زالوا يعانون من التمييز، والحرمان من الحقوق الاقتصادية، والثقافية والاجتماعية.

تاريخ

منذ 5 شهور
معسكرات اعتقال لأطفال السكان الأصليين.. الوجه الآخر للمدارس السكنية الكندية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد