يستفيق الأردنيون بين الفينة والأخرى على جريمة مروعة جديدة تقشعر لها الأبدان، فيما تتبدل تفاصيل الانتهاك بين قتل، واغتصاب، وتعذيب، وهو بحسب رؤية المحامية إيفا أبو حلاوة، المديرة التنفيذية لمجموعة القانون لحقوق الإنسان «ميزان»، ليس ارتفاعًا في عدد الجرائم فقط؛ إنما أيضًا زيادة في «بشاعتها وقبحها»، وتحديدًا تلك التي تستهدف النساء والأطفال.

«طفل الزرقاء» الحادثة الأخيرة التي هزت الشارع الأردني قبل ثلاثة أيام. ففي مشهد مروع غير مألوف، عثر الأهالي على طفل ملقى على قارعة الطرق قطعت يداه وفقئت عيناه؛ الأمر الذي جعل الملك الأردني عبد الله الثاني وزوجته ينددان الواقعة، فيما عبرت تانيا شابويزات، ممثلة ‏«منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)»، عن الصدمة والحزن جرّاء العنف المروع، وأن ما حدث وباء يهدد المجتمع، فما السر وراء ارتكاب مثل الجرائم البشعة في الأردن؟

بالأرقام.. جرائم القتل بالمملكة في ازدياد

تشير الإحصائية للجرائم المرتكبة خلال خمس سنوات من (2014 إلى 2019)، بنوعيها الجنحوي والجنائي، إلى وقوع 155 ألف جريمة، فيما ارتفعت معدلات الجرائم المرتكبة في الأردن عام 2019 بنسبة بلغت 32%، حسب التقرير الإحصائي الجنائي الذي نشرته مديرية الأمن العام، مقارنة بالسنة التي قبلها. إذ بلغ معدل الجريمة 25 جريمة لكل 10 آلاف نسمة من السكان خلال عام 2019، وأن المعدل الزمني لارتكاب الجريمة يتراوح بين 19 إلى 24 دقيقة للجريمة الواحدة.

إدارة المعــلومــات الجنائــــــــية

ويظهر التقرير أن أكثر الأسباب التي دفعت لارتكاب جرائم القتل العمد والقصد في الأردن خلال عام 2019، هي الخلافات الشخصية بنسبة 48.18%، تلتها جرائم الخلافات عائلية وشكلت ما نسبته 30.91%، في حين جاءت دوافع الثأر والدفاع عن النفس والمجهولة الأقل نسبة، حوالي 0.91%.

وتفيد جمعية معهد تضامن النساء الأردني «تضامن»، بأن الجرائم المرتكبة خلال عام 2019 بلغت 118 جريمة؛ إذ ارتكبت 58 جريمة قتل مع سبق الإصرار العمد، و52 جريمة قتل قصد، وثماني جرائم ضرب مفض إلى الموت، فيما ارتكبت 294 جريمة شروع في القتل، مقارنة مع 285 جريمة عام 2018، وبحسب «تضامن» فإن 21 جريمة قتل أسرية ارتكبت بحق النساء والفتيات خلال عام 2019، وتشكل ما نسبته 18% من مجموع جرائم القتل.

وخلال الأعوام العشر الأخيرة، أوضحت مديرية الأمن العام أن عدد الجرائم التي ارتكبت كانت على النحو التالي، 89 جريمة قتل خلال عام 2018، و127 جريمة عام 2017، و133 جريمة عام 2016، و159 جريمة عام 2015، و176 جريمة عام 2014، و144 جريمة عام 2013، و153 جريمة عام 2012، و133 جريمة عام 2011، و109 جرائم عام 2010، و91 جريمة عام 2009، و100 جريمة عام 2008.

آخرهم «طفل الزرقاء».. أشهر الجرائم التي هزّت الأردن

في الرابع عشر من الشهر الجاري خطفت عصابة مكونة من 12 شخصًا الطفل صالح حمدان البالغ من العمر 16 عامًا، والذي عُرِف لاحقًا باسم «طفل الزرقاء»، للانتقام من جريمة ارتكبها والده الذي يعمل إمام وحارس البسطات التجارية إلى جانب المسجد الذي يشرف عليه في حي الهاشمية بمدينة الزرقاء.

والد الطفل حسب رواية عائلة الطفل الضحية، يقبع الآن في السجن. فقبل شهرين أنهى صلاة الفجر وخرج من المسجد، ليشاهد أحد البلطجية يحطم البضائع والبسطات، فاشتبك معه وأردى الأخير قتيلًا.

وحسب رواية والدة الطفل، فإن العصابة التي يترأسها ابن أخت المقتول قررت الانتقام، فلجأت إلى خطف للطفل صالح، وقطعت يديه وفقأت عينيه، وألقت به على الطريق العام من باب الانتقام والثأر.

وأن الجاني عقب ارتكابه للجريمة عاد إلى المنزل الذي ارتكبت فيه الجريمة، فدخن النرجيلة، والتقط صورة، ونشرها على حسابه الشخصي في موقع «فيسبوك»، وهي ما قادت الأجهزة الأمنية لاحقًا للقبض عليه.

وأرجع المحامي وليد الخصاونة خلال حديثة إلى «ساسة بوست» عم اكتراث الجاني بفعلته؛ إلى اعتماده على المادة «335» في قانون العقوبات الأردني والتي تنص على أنهو «إذا أدى الفعل إلى قطع، أو استئصال عضو، أو بتر أحد الأطراف، أو إلى تعطيلها، أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم، أو أية عاهة أخرى دائمة، أو لها مظهر العاهة الدائمة، عوقب الفاعل بالأشغال المؤقتة مدة لا تزيد على 10 سنوات».

لكن الحادثة لم تكن الأولى من نوعها. ففي مدينة المفرق شرق العاصمة عمان قبل سنوات، وبحسب رواية القضاء الأردني، فإن سيدتين عشقتا جارهما وهما متزوجتان، فقررتا معًا أن تقتلا زوجيهما بحيث تساعد كل منهما الأخرى، وفي الليل خرجت الجارة التي كانت مختبئة في المطبخ وأمسكت بوسادة ووضعتها على فمه، بينما قامت زوجته بإطلاق النار، وبمساعدة العشيق قطعت جثة الرجل إلى أجزاء وبقي الرأس، إذ اقتضت الخطة أن تقوم الزوجة بشواء الوجه وطبخ الرأس، لكي لا يتعرف عليه أحد بالمرة، ووضعته في طنجرة على خزانة المطبخ.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أقدم رجل في محافظة جرش شمالي الأردن، على اقتلاع عيني زوجته أمام أولادها بعد خلافات بينهما، واحتجزها في المنزل دون إسعافها وسط صراخ أطفالها، وبعد فترة نقلت السيدة الثلاثينية إلى مستشفى «الملك عبد الله المؤسس»، لإجراء تدخل جراحي انتهى باستئصال عين السيدة بعد تضررها بشكل كلي، فيما أبقى الأطباء على العين الأخرى في مكانها بعد ترميمها شكليًا فقط، إذ أصيبت بالعمى الكلي وبنسبة 100%.

Embed from Getty Images

عام 2019 شهد أيضًا حادثة مروعة عُرفت بـ«طفلة الغباوي»، في يناير (كانون الثاني)، وجه مدعي عام الجنايات الكبرى، تهمة القتل العمد لأب عذب ابنته البالغة من العمر أربعة أعوام حتى الموت جراء ركلها وضربها ضربًا مبرحًا بعصا خيزران معللًا جريمته بأنه كان يشعر بالاشمئزاز منها كونها ولدت بعد زواج ناتج عن علاقة غير شرعية – عن طريق الحاكم الإداري بعد أن تم توقيفهما بقضية زنا وأنجبت بعد الزواج – وقرر المدعي العام توقيفه في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل بتهمة القتل القصد.

وبالعودة إلى مدينة الزرقاء في نهاية 2019 حكمت محكمة الجنايات برئاسة القاضي عماد الخطايبة وعضوية القاضيين الدكتور طارق شقيرات وطارق الرشيد بتهمة القتل القصد على امرأة بالأشغال المؤقتة مدة 20 عامًا، في جريمة قتل دموية. أقدمت فيها زوجة أب على وضع ابن زوجها الرضيع في وعاء ساخن لدرجة الغليان بطريقة الغطس حتى منطقة الحزام ما ادى الى اصابته في حروق بالغة من الدرجتين الثانية والثالثة، ليتوفي الطفل بعد أيام من دخوله إلى المستشفى، وقد أسقط والد الطفل الضحية حقه الشخصي عن زوجته المتهمة، إلا أن والدة الطفل لم تسقط حقها الشخصي.

وفي عام 2011 وبعد خروج رجل وامرأة ارتكبا جريمة زنا من السجن بعد أن شملهما العفو العام قام زوج المرأة باستدارج عشيق زوجته، إلى فندق، حيث اعتدى عليه جنسيًا في البداية، ومن ثم نحره بالسيف، وفقأ عينيه، وقطع أذنيه، وبتر عضوه التناسلي، بعد أن وجد أن «العقوبة القضائية التي صدرت بحقهما هي أقل من حجم الضرر المعنوي والنفسي الذي لحق به وأسرته».

هل يمنع تنفيذ حكم الإعدام وقوع الجرائم؟

بين عامي 2006 و2014 كانت المملكة الأردنية تفرض حظر على عقوبة الإعدام، التي تعرف في القانون الأردني في المادة 17 من قانون العقوبات بأنها «شنق المحكوم عليه»، ونص القانون الأردني على 25 حالة يعاقب عليها بالإعدام وردت في قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960، وتعديلاته، وقانون العقوبات العسكري لسنة 2006، وقانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم 50 لسنة 71.

وفي الأردن أربع محاكم تحكم بعقوبة الإعدام، وهي: محكمة الجنايات الكبرى، وتحكم في جريمتي القتل العمد مع سبق الإصرار، أو قتل الفرع للأصل، مثل قتل الابن لوالده، وفي جريمة اغتصاب القاصر التي لم تكمل 15 عامًا من عمرها، إضافة لمحكمة أمن الدولة ومحكمة الجنايات العسكرية.

وجدير بالذكر أنه في المحاكم الجنائية العادية يوجد نصان يتضمنان عقوبة الإعدام أحداهما يتعلق بقطع طرق المواصلات العامة، والذي أصبح معطلًا بحكم أنه لا يناسب الوقت الحاضر، والثاني الحريق المتعمد الذي نجمت عنه الوفاة.

وذكرت منظمتا العفو الدولية والأمم المتحدة أن عدد الإعدامات المنفذة في الأردن استأنف العمل به سنة 2014 إلى 26 حالة أبرزها إعدام في حق عضوين من «تنظيم القاعدة»، هما ساجدة الريشاوي، وزياد الكربولي ردًا على إعدام «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» الطيار معاذ الكساسبة، وذلك منذ تصريح الملك الأردني في عام 2006 بأن الأردن سيكون أول دولة في الشرق الأوسط تلغي عقوبة الإعدام، وقبول الأردن التوصية المتعلقة بعقوبة الإعدام التي طرحها مجلس حقوق الإنسان غداة مناقشة تقرير الأردن الرسمي، ثم امتناع الأردن عن التصويت على قرار للجمعية العامة يوصي بإلغاء العقوبة، وهو الذي كان يصوت قبل ذلك ضد القرار.

ومن جانبه صرح نقيب المحامين الأسبق النائب صالح العرموطي أن عدم تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء فيما يتعلق بعقوبة الإعدام فاقم من معدلات الجريمة، وأن حصر تنفيذ عقوبة الإعدام بمصادقة الملك؛ أدى إلى تأخيرها وتعطيلها، ونزع عنها صفتي الزجر والردع، وحسب جمعية «تضامن»، فإن الأردن وخلال العامين السابقين أصدر أكثر من 16 حكمًا بالإعدام بعد إدانة المتهمين بجرائم مختلفة، ولم يزل أكثر من 160 شخصًا من بينهم 22 امرأة في مراكز الإصلاح والتأهيل ممن حكم عليهم بعقوبة الإعدام، وصدرت في حقهم أحكام قطعية.

وأرجع موقع «حبر» السبب الرئيس في الإفلات من الإعدام إلى صدور قوانين وقرارات العفو العام في الأردن، التي تتضمن قوائم من الاستثناءات. إذ استثنى قانون (2011) 21 جريمة، من ضمنها بعض جرائم القتل، والسرقة، والاعتداء على العرض، وغير ذلك.

وينص قانون الإعدام في الأردن على أن إسقاط الحق الشخصي يلغي عقوبة الإعدام، وهو ما أكده – عبر حديثه لـ«ساسة بوست» المُصلِح والقاضي العشائري، سليم الصرايرة في محافظة الكرك أن محاولات إسقاط الحق الشخصي والحصول على صك مصالحة في قضايا الإعدام زادت بوتيرة كبيرة، مبررًا سبب كثرة الجرائم، إلى أن عقوبة السجن نهايتها عفو عام، لكن تنفيذ هذا العفو يكون مشروطًا بإسقاط عائلة المجني عليه للحق الشخصي.

فيما رأى النائب السابق الشيخ سالم الهدبان في حديث صحافي لموقع «نيسان» أن إلغاء الإعدام في الأردن من شأنه زيادة نسبة الجريمة، وأيده الكاتب راكز الزعارير في أن الخطورة أيضًا تكمن في أن فئة العاطلين عن العمل من الفئة العمرية (18-27) سنة هم الأكثر ارتكابًا لجريمة القتل العمد؛ مما يشير إلى «أننا أمام جيل تتعمق فيه الجريمة في مرحلة مبكرة، وستتعايش معهم لعشرات السنين القادمة من أعمارهم».

جدلية عقوبة «الإعدام» حول العالم

بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام الذي صادف اليوم السبت الماضي 10 أكتوبر (تشرين الأول)، جددت جمعية معهد تضامن النساء الأردني المطالبة بإلغاء تطبيق عقوبة الإعدام في الأردن، وصولًا إلى الإلغاء التام لها تنفيذًا لسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، والتي على رأسها الحق في الحياة.

أوردت أن هنالك احتمالية ورود الخطأ البشري في الأحكام القضائية، تؤدي إلى الحكم بعقوبة الإعدام، واستشهدت بحادثة يتداولها العالم وقد وقعت في فرنسا، ومحورها قاض حَكم بالإعدام على متهم، تبين فيما بعد أنه بريء، وكان رد المحامي بارتدائه الرداء الأسود لكي يذكر القاضي بحكمه. ومنذ ذلك الوقت اعتمد الرداء الأسود للقضاة والمحامين والمدعين العامين في معظم دول العالم، وأضيفت له شارة صغيرة بيضاء في إشارة إلى نقطة الأمل المضيئة للمتهم.

وقبل 10 سنوات ذكر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أن الأردن أبلغهم بالعمل على مشروع قانون معدل ينص علـى تقليص نطـاق تطبيـق عقوبة الإعدام، ويستعاض فيه عن عقوبة الإعدام بالسجن مدى الحياة مـع الأشغال الشاقة بالنسبة لعدد من الجرائم، وهو الأمر الذي يرفضه نقيب المحامين السابق صالح العرموطي لرؤيته أن تنفيذ حكم الإعدام، حق المجتمع من الشخص الذي يرتكب جريمة ضد الوطن ومواطنيه. معتبرًا أن منظمات دولية تضغط على المملكة من أجل تعديل عقوبة الإعدام دون مراعاة لخصوصياتنا الثقافية والاجتماعية، فضلًا عن أن تجميدها من شأنه تجديد ثقافة الثأر بين أوساط المجتمع.

مجتمع

منذ 6 شهور
حتى الجريمة اختلفت.. هذه هي الجرائم الأكثر انتشارًا في عصر كورونا

في المقابل وخلال ندوة «حول مناهضة عقوبة الإعدام»، اتفق رئيس مركز الدراسات الإسلامية، وعضو مجلس الشعب السوري الدكتور محمد حبش، والفقيه القانوني ووزير العدل الأسبق سليم الزعبي، أن عقوبة الإعدام تريح المجرمين، لا سيما أنها لم ترد في الشريعة الإسلامية، وأن ما ورد في القرآن الكريم هو مصطلح «القصاص» الذي ينفذ في حالة واحدة وهي القتل الذي لا تشوبه أية شائبة، ولا يرضى فيه ولي الدم بالدية.

وتعتبر «منظمة العفو الدولية» عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب، أو المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو غير الإنسانية، أو المهينة، وكلا الحقين يكلفهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الأمم المتحدة في 1948، وعلى الرغم من أن القانون الدولي ينص على أن استخدام عقوبة الإعدام يجب أن يقتصر على الجرائم الأشد خطورة، أي القتل العمد، فإن منظمة العفو تعتقد أن عقوبة الإعدام ليست هي الحل مطلقًا.

وتؤكد منظمة العفو الدولية في تقريرها على أن 106 دولة ألغت عقوبة الإعدام في جميع الحالات، وثماني دول ألغت عقوبة الإعدام في الجرائم العادية، و28 دولة ألغت عقوبة الإعدام في الممارسة الفعلية، و56 دولة لم تزل تستخدم عقوبة الإعدام؛ إذ يبلغ العدد الإجمالي للدول التي ألغت عقوبة الإعدام في القانون، أو لا تطبقها في الواقع الفعلي، 142 دولة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد