عاش المغرب طوال تاريخه حقبًا قاسية، مليئة بالكوارث والأوبئة والمجاعات والحروب، خلّفت ندوبًا عميقة في الوعي الجمعي للمغاربة، لا تزال رواسبها متجذرة في العقلية المغربية حتى اليوم. وكان الجوع أشد هذه الأهوال المرعبة فتكًا بساكنة المغرب منذ القدم، ولم يهنأ الناس من هذه الجائحة، إلا في النصف الأخير من القرن العشرين.

تبقى الدراسات المحلية التي تطرقت للمجاعات في تاريخ المغرب شحيحة، غير أن المادة المعرفية التي خلفها الدارسون الأوروبيون، خاصة خلال حقبة الاستعمار، تخبرنا أن المغاربة عاشوا فترات من القحط، أفنت الملايين منهم على مر التاريخ بسبب المجاعات.

وقد اعتمدت هذه الدراسات الأجنبية، في تناولها لهذه الجائحة على وثائق الهيئات القنصلية للإدارة الفرنسية، وتقارير البعثات الطبية، والسجلات والأقوال التاريخية، بالإضافة إلى مذكرات الأسرى والآثار المادية. وتحضر في هذا الإطار مجموعة من المجلات الطبية التي كانت توثق خلال فترة الاستعمار المجاعات والأوبئة التي عرفها المغرب في تاريخه، من مثل «Maroc medical» و«La gazette medical» و«Hespéris-Tamuda».

مجاعات عانى منها المغاربة

تعتبر المجاعات من الظواهر الدورية في تاريخ المغرب، بلغت 12 مرة خلال الأربعة قرون الأخيرة فقط، حسب الإحصائية التي يوردها الباحث «عثمان المنصوري». وارتبط نشوء هذه المجاعات بعوامل مختلفة، فتارة تكون نتيجة أسباب طبيعية مثل الجفاف والأوبئة و هجوم الجراد على المحاصيل، وتارة أخرى تأتي لأسباب بشرية ممثلة في بدائية الإنتاج الفلاحي وسوء إدارة السلطة المركزية، وكذا ضعف القدرة على مواجهة الكوارث. وفي الآتي أبرز مجاعات المغرب التاريخية.

مجاعة الطاعون

عرف المغرب خلال القرن 16العديد من المجاعات، إلا أن أقواها كانت مجاعة سنة 1520م، حينما ألمَّ الجفاف بالبلاد، وهلكت محاصيل القمح وقطعان الماشية، فارتفعت الأسعار وقل الطعام، حتى صار الناس يجوبون الأراضي بحثًا عن طريدة أو نبت أكيل، وبعضهم اضطر لبيع أبنائه مقابل القوت، فيما اختارت بعض القبائل ممارسة أعمال الخطف والغزو على جيرانها لسرقة المؤن.

ويذكر في هذا السياق المؤرخ الفرنسي «روزن بيرجي برنار»، من خلال مذكرات البرتغالي «دامياوديكويش» وهي تصف المجاعة بالمغرب في عام 1521م، «اجتاحت مجاعة شديدة هذا القسم من إفريقيا، كما اجتاحت الجزيرة الأيبيرية، فكانت من الفداحة أن اضطر معها المغاربة سكان آسفي وأزمور إلى اعتناق المسيحية، وطلب الملك «دون منويل» السماح لهم بالمجيء إلى البرتغال، عساهم يصيبوا فيها أقواتًا»، ويضيف أيضًا أنه كان الرجل المغربي أو المرأة المغربية يبيعان نفسيهما مقابل طبق من التين أو من الزبيب.

استمرت هذه المجاعة لمدة أربع سنوات، وزاد من وطأتها المصاحب لها، والذي أتى على القسم الأكبر من شمال البلاد، و«خلق هلعا بين الناس حتى صاروا لا يجرؤون على مبادلة بعضهم الكلام»، كما يورد الباحث في التاريخ «بوشتى عرية».

مجاعة 1779العظيمة

تعرف هذه الفترة بـ«عام المجاعة العظيمة»، هلك على إثرها أكثر من ثلث ساكني المغرب، لذلك توصف بكونها أسوأ الكوارث في تاريخ المغرب، حيث قلصت عدد السكان من خمسة ملايين إلى ثلاثة ملايين، اضطر خلالها الناس لإطفاء نار الجوع إلى السطو والبغاء والتسول، فيما لجأ آخرون إلى افتراس الكلاب والقطط والخنازير وأكل حشائش الأرض.

بدأت هذه المجاعة سنة 1976م، عندما انحبس المطر وأتى الجراد على محاصيل الفلاحين؛ لتبدأ بعد ذلك فترة عصيبة على المغاربة استمرت حتى 1782م، لخصها «محمد بركاش» نائب السلطان آنذاك بطنجة، بقوله «كان الضعفاء يتخاطفون على الحوت بشدة وازدحام ويأكلون هنيئا»، فيما وصفها المؤرخ الضعيف الرباطي، متحدثًا «مات عامة الناس بالجوع، وعجز الناس عن دفن موتاهم، وكانوا يرمونهم في الأزقة والمزابل».

يذكر المؤرخون أن السلطان والأعيان استغلوا آنذاك الكارثة، واعتبروها غضبًا من الله على المارقين عن حكمهم، ليتوجه الناس إلى العبادة والزوايا، ولجؤوا إلى صلاة الاستسقاء، بما في ذلك اليهود، الذين كانوا يدعونها «هكشيم».

«مجاعة 1945»..عام البون

انخرطت فرنسا، خلال أربعينيات القرن الماضي، في الحرب العالمية الثانية، وكانت حينها تجيش الجنود والمؤن من مستعمراتها في إفريقيا، لتمويل جيوشها في مواجهة غزو هتلر؛ مما أدى في الأخير إلى استنزاف الموارد في المغرب، وشهد المغرب في نفس الفترة سنوات من الجفاف، مما تسبب في مجاعة حادة سنة 1945.

خلفت الجائحة وفاة حوالي خمسين ألف شخص جوعًا، منهم عدد كبير من الأطفال، حسب تقرير إدارة الصحة العمومية التابعة للمستعمر الفرنسي آنذاك، ولجأ الناس في تلك الفترة لإخماد سطوة الجوع إلى الإقبال على النباتات البرية، مثل «إيرني» و«الكَرنينة» و«البقولة» و«الحميضة»، كما لجأوا إلى صيد الطيور والقنافذ، فيما اضطر آخرون لتفويت أراضيهم وقطعانهم من الماشية بأبخس الأثمان.

واجهت السلطات الاستعمارية أزمة الغذاء التي ضربت المغرب، باللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة، فاستوردت منها آلاف الأطنان من القمح، وأقرت نظامًا لتوزيع المواد الاستهلاكية، عرف بنظام «البون»، حيث يتم توزيع أكياس الطحين الأمريكي على الناس، بعد حصولهم على وصل، ومنه سميت تلك السنة بـ«عام البون»، ولا يزال هذا النظام سائرًا إلى اليوم.

كيف شكلت المجاعات حاضر المغاربة؟

ترك تاريخ المجاعات هذا آثارًا اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة، أسست الوعي الجمعي للمغاربة، بحيث لا تزال أصداء تلك الكوارث حاضرة بشكل مبطَّن في العقلية المغربية وذاكرتها الشعبية إلى اليوم.

ويحتفظ التراث الشعبي المغربي بكمّ زاخر من الإحالات لتلك المجاعات التي عانى منها المغاربة على مر التاريخ، فتحضر تسميات مختلفة تعود إلى حقب الجوع، مثل «عام البون»، و«عام الجوع»، و«عام بوكليبة»، و«عام بونتاف»، و «عام يرني»، مثلما لا تزال تروج الأمثال الشعبية والقصص التراثية، التي تنهل من معاني تلك الحقب المريرة.

كما خلفت حقب الجوع التاريخية في المغرب مجموعة من الطقوس المستمرة في الحاضر، كاهتمام المغاربة الشديد، شعبيا ورسميا، بصلاة الاستسقاء، وانتشار ثقافة الأضرحة بين الساكنة، مما يحيل إلى أن المغاربة قديما كانوا يعزون عجزهم أمام المجاعات والأوبئة باللجوء إلى الطقوس الدينية والزوايا والتضرع إلى الله وأوليائه، باعتبارها عقابًا إلهيًا.

وفي ذات السياق، يُرجع البعض سر الاستقرار بالمغرب، بالرغم من كل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي قد تعصف بالبلاد، إلى المخلفات النفسية التي تركتها أهوال المجاعات والأوبئة والقمع في نفوس المغاربة على مر التاريخ، وجعلت أقصى أهداف الحياة تحصيل «الخبز».

ولعل القداسة التي يغلف المغاربة بها الخبز من بين سائر المواد الاستهلاكية، تحيل إلى دور هذه المادة في أزمات الجوع التاريخية، حتى ترسخ في عقول المغاربة «حرمة» الخبز، بحيث أصبح من عادة الناس تقدير هذه المادة الغذائية، علاوة على أن الخبز في الوعي الجمعي المغربي مرادف للاستقرار، وهو الأمر الذي تدركه السلطات السياسية جيدًا، ومن ثمة لم تسمح برفع ثمنه، بالرغم من زيادة أسعار باقي المواد الاستهلاكية، بل حتى الأحزاب السياسية لا تزال تستخدم استراتجية الولائم لكسب الأصوات، لما لها من تأثير على الوجدان التاريخي للمغاربة.

على جانب آخر، يربط المغاربة عموما انحباس المطر بـ«انمحاق البركة» و«الغضب الإلهي»، وهو ما يمكن أن يفسر كأثر نفسي مستمر من حقب المعاناة من المجاعات التاريخية، إذ على الرغم من أن تأثير الجفاف على واقع الناس اليوم لم يعد بتلك الحدة كما كان قديما، بفضل السدود وآلات استغلال الفرشاة المائية و استعمل التقنيات الحديثة في الري، بالإضافة إلى طبيعة الاقتصاد الحديث المتنوع والمفتوح ، فإنه لا يزال هناك «حسا مشتركا» في العقلية المغربية يفزع من هذه الظاهرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد