عدم فعالية الإرهاب

وفي مقابل الأدلة التجريبية الشحيحة على فعالية الإرهاب، أظهرت دراسات كمية كثيرة عدم فعاليته (أبرامز 2006 – 2012، جونز وليبيكي 2008، كرونين 2009، فورتنا 2001) مما يؤكد شكوك العلماء ما قبل 11 سبتمبر، الذين وجدوا أن 3 حملات فقط من أصل 42 حملة حققت أهداف الإرهابيين السياسية. وبالمقارنة بين الحملات الإرهابية (الأهداف المدنية) وحملات حرب العصابات (الأهداف العسكرية) وجد أبرامز أن فرص الأخيرة في تحقيق الأهداف السياسية، جزئيًّا أو كليًّا أكبر، وهي النتيجة ذاتها التي خلُصَت إليها دراسة أجرتها مؤسسة راند، ووجدت أن 10% فقط من المنظمات الإرهابية التي انتهت منذ عام 1968 كانت منتصرة. كما لاحظ كتّاب آخرون أن دمج الجماعات الإرهابية النشطة في بيانات راند سوف يخفض نسبة النجاح إلى 4%، فيما أكدت كرونين (2008، 81) أن معدل نجاح الإرهاب أقل من 5%.

كما لا يُرجَّح انتصار المنظمة الإرهابية المتمردة في الحرب الأهلية، حسبما أثبتت دراسة أخرى، بل تقل احتمالية توصل المتمردين إلى اتفاقات سلام (تفسر غالبًا على أنها تنازل كبير لصالح الإرهابيين) في حال استخدام الإرهاب، بما يؤكد نظرية حنا أرندت (1970، 56) القائلة: “العنف قد يدمر السلطة، لكنه قطعًا لا يستطيع إنشائها”. فيما خلصت دراسات أخرى إلى أن فرص التفاوض مع الخاطفين تقل إذا ألحقوا الأذى بالأسرى، وهذا ما يوحي بأن العنف ضد المدنيين يجعل الحكومات أقل ميلاً للمصالحة.

وتوصل إيريكا تشينوويث وماريا ستيفان إلى أن حملات اللاعنف أكثر قدرة بضعفين على تحقيق أهدافها (كاملة أو جزئيًّا) مقارنة بحملات العنف، وأن حملات الإرهاب أقل فعالية من حملات اللاعنف. وحتى حينما ينجح الإرهابيون فإن “الإرهاب يقف مكبلاً أو مشلولاً أمام النتائج”، وربما يتسبب في انتكاسة للقضية الأوسع التي يدافع عنها.

ويرجع فشل الإرهاب إلى أسباب عديدة؛ أهمها: ضعف التواصل مع الجمهور، ما يحول دون المشاركة الواسعة في أنشطته، وبالتالي يمكن للحكومات الرد بقوة مدعومة بظهير شعبي يؤيد القضاء على الإرهابيين. وعلى النقيض مما كان الأناركيون الأوائل يعتقدونه، لا يعتبر الإرهاب “الدعاية الأكثر شعبية، والأكثر فعالية، بشكل لا يقاوم”، بل إنه يقلل من شرعية الحركات، ويجعلها أكثر عرضة لخسارة الدعم المحلي والدولي.

وحتى إذا حظيت الأهداف الإرهابية بتأييد الجمهور، ستبقى هناك عقبات أخلاقية كبيرة ينبغي على الداعمين تجاوزها بالنظر إلى طبيعة حرب العصابات أو حركات اللاعنف؛ فليس كل من يدعم الإرهاب بالضرورة مستعدًا لقتل المدنيين.

كما يمكن للإرهاب أن يكون مبررًا للقمع الحكومي أمام المجتمعين المحلي والدولي، وباستحضار تجربة باكستان؛ حيث لا توجد أدلة كثيرة على أن هجمات الطيار بدون طيار أدت إلى خلق المزيد من الإرهابيين، مع الوضع في الاعتبار أن المعارضة القوية لهذه الهجمات لا تتحول بالضرورة إلى مصدر قوة للمنظمات الإرهابية، بالنظر إلى هذه التجربة يتضح أن التحذير من أن يؤدي القمع الحكومي إلى خلق إرهابيين مبالغٌ فيه.

ويُستَبعَد أن تقدم الحكومات تنازلات للإرهابيين لأسباب عديدة، كما قد ينزوي التأييد الشعبي للإرهاب بسبب مخاوف السكان من انتقام الحكومة، إلى جانب الصفقات التي قد تعقدها الحكومات مع العناصر المعتدلة، مما يضعف المنظمة الإرهابية. وإذا لجأت الحكومة في النهاية إلى القمع سيظهر أن له ما يبرره أكثر مما إذا كانت المواجهة مع حركات اللاعنف، أضِف إلى ذلك الدعم الدولي الذي ينهمر على جهود مكافحة الإرهاب في أي مكان حول العالم.

وحتى إذا كانت الحكومة على استعداد لتقديم تنازلات، فإن المشاكل المترتبة على ذلك تمنعها. أضِف إلى ذلك النظرة إلى الإرهابيين باعتبارهم أقل جدارة بالثقة من المتمردين الآخرين، وهو ما يعلمه الإرهابيون أنفسهم، مما يمنع الطرفين من الثقة في عقد أي اتفاق مع بعضهما. ومن هنا خلص الباحثون إلى أن الحروب الأهلية التي تضم إرهابيين تستمر لفترة أطول وتقل فرص توصلها إلى اتفاقات سلام.

1 2 3 4 5
عرض التعليقات
تحميل المزيد