تغص التفاصيل اليومية العادية في اليمن بالكثير من المعاناة والمآسي. فما بين جوع، وفقر، وندرة مياه شرب وغذاء؛ يعيش المواطن اليمني، روتينه اليومي المعتاد؛ حتى أن هذا الوضع غير الإنساني دفع كلًا من الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي وبرنامج الغذاء العالمي، إلى التحذير من مغبة تصنيف الولايات المتحدة لميلشيات الحوثي بوصفها منظمة إرهابية وفرض عقوبات على زعيمها وقياديين فيها؛ لأن هذه الخطوة – بحسب تلك المنظمات – ستزيد من معاناة المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين!

فقد رأت الأمم المتحدة على لسان منسقها للإغاثة الطارئة مارك لوكوك أن «هذه الخطوة ستؤدي إلى مجاعة واسعة النطاق على نطاق لم نشهده منذ ما يقرب من 40 عامًا»، أما ديفيد بيزلي المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي فقد قال إن التصنيف «يرقى إلى عقوبة إعدام مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين من الأبرياء في اليمن»، في حين حث مدير العمليات باللجنة الدولية للصليب الأحمر، دومينيك شتيلهارت، الدول على النظر في «الاستثناءات الإنسانية» للتخفيف من أي تأثير سلبي على السكان وعلى المساعدات الإنسانية.

ومع ذلك، ومع كل هذه التحذيرات، فقد رفضت أمريكا التراجع عن قرارها، إذ قال مندوبها في مجلس الأمن ريتشارد ميلس: إن «بلاده اطلعت على التحذيرات المتعلقة بالتداعيات الإنسانية لقرارها بشأن جماعة الحوثي، وسوف تتخذ إجراءات لا تضر المساعدات والواردات التجارية إلى اليمن، ونعتقد أن هذه الخطوة هي الحركة الصحيحة التي يجب اتباعها لإرسال الإشارة الصحيحة إذا أردنا للمسار السياسي أن يتقدم إلى الأمام».

لكن لماذا الغضب الأممي من هذه الخطوة؟

يعني تصنيف جماعة أنصار الحوثي السماح بمحاسبة ومقاضاة أي منظمة، أو جهة، أو فرد، أمام المحاكم الأمريكية بتهم تتعلق بدعم الإرهاب؛ الأمر الذي سيجعل العديد من الأطراف – بينها منظمات إغاثية وإنسانية – تتردد في العمل بمناطق الحوثيين، خوفًا من دخولها ضمن المنظمات «الداعمة» للإرهاب.

Embed from Getty Images

خاصة أن الحوثي هم السلطة الفعلية للشمال اليمني، ولديهم وزارات، وانظمة إدارية، ومالية خاصة بهم، وأي جهة سيكون عليها التعامل مع هذه السلطات لأخذ الموافقات والتصاريح، وهنا ربما يقعون في فخ دعم الإرهاب، وهذا ما تتخوف منه المنظمات، فطالبت بوضع الاستثناءات للعمل الإنساني.

ومن المرجح أن تخلق خطوة واشنطن بتصنيف الحوثي عوائق كثيرة على عمليات التحويل المالية، خاصة مع قبل المنظمات والأفراد، وقد تؤثر على وضع الريال اليمني بشكل كبير، وتعجل بانهياره بشكل كامل، مع فرض عقبات كثيرة على وصول العملة الصعبة إلى البنك المركزي الخاضع لسيطرة الحوثيين؛ ما سيعمل على رفع أسعار السلع الغذائية، وسيزيد من معاناة الشعب اليمني، هذا إذا ما فرضنا أن الحوثي لن يقوم بأي رد فعل، ولن يقوم بوضع العقبات والعراقيل لاحقًا أمام دخول المساعدات.

وقد علقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» على هذه الخطوة بالقول: إن «أطراف النزاع في اليمن، تحديدًا الحوثيين، فرضوا مجموعة من العقبات على عمليات الجماعات الإنسانية الدولية، والمحلية، بما فيها صعوبات لوجستية، ومنع مباشر لتسليم المساعدات، وخطوة إدراج الحوثيين «منظمة إرهابية أجنبية» ستفاقم الوضع الصعب بالفعل للجماعات الإنسانية».

وهذا بالضبط ما أشار له ديفيد بيزلي المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي حين قال: «نحن نعاني الآن بدون إدراج الحوثي في القائمة السوداء وبإدراجها ستكون كارثة».

هذا التخوف ربما يكون له مبرراته الواقعية، خاصة أن اليمن الذي يقدر عدد سكانه حسب الأمم المتحدة بأكثر من 30.5 مليون نسمة يعيش أكثر من 19 مليون يمني على المساعدات الإنسانية، فيما قدرت المنظمة نفسها عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدة بأكثر من 24.3 مليون شخص، هذا مع الإشارة أن اليمن في الأصل كانت قبل الأزمة تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية من الخارج، والآن بالتأكيد قد أصبحت تعتمد على الصادرات بشكل شبه كامل.

المساعدات الإنسانية لا تجد طريقها إلى أفواه الجوعى أصلًا

أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي 2020، أن أحد مستودعاته في إحدى مناطق حجة الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي تعرض للنهب، إذ سُرق 127.5 طن من المساعدات، التي تحتوي على مواد غذائية متنوعة، كان من المفترض أن توزع على المدنيين.

Embed from Getty Images

وبسبب كمية المسروقات الكبيرة جدًا، والتي من غير الممكن أن تتم عبر أشخاص عاديين، فقد وجهت أصابع الاتهام إلى قيادات كبيرة في ميلشيات الحوثي، من بينها عبد المحسن الطاووس، أمين عام المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية التابع للحوثيين، إذ أقر يحيى الحوثي – شقيق زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي – بنهب هذه المساعدات الإنسانية.

ولم يقتصر ضياع المساعدات على السرقات فحسب، فقد أتلفت ميلشيا الحوثي ما يقارب 71 طنًا من الطحين التابعة لبرنامج الغذاء العالمي، بعد تعرضها للتلف بسبب سوء التخزين وتعرضها للحرارة والرطوبة العالية، ويعود السبب لذلك إلى خلاف بين البرنامج والحوثي على طريقة توزيع المعونات الإغاثية على المواطنين، والذي أدى لتأخر توزيعها وتلفها.

وكان الخلاف بسبب رغبة برنامج الغذاء بالاعتماد على توزيع الغذاء والمعونات المالية عن طريق بصمة العين والاصابع، والتي يصعب معها التلاعب بالمساعدات والتأكد من وصولها لمستحقيها، إلا أن الحوثي رفض ذلك وطالب بالتوزيع عن طريق البطاقات في بادئ الأمر، وكاد يتسبب ذلك في وقف دخول المساعدات بشكل نهائي، إلا أن الحوثي وافق بعد ذلك على شروط البرنامج باستخدام البصمة.

وعلى ضوء هذا الاتفاق أستأنف البرنامج ارسال المساعدات مرة أخرى، ولكن وللمفارقة أنه ولغاية الآن ومنذ الاتفاق في 21 مايو (أيار) 2019 ما تزال عملية التوزيع تتم عبر البطاقة ولم يتم تفعيل البصمة بعد.

اتهامات كثيرة طالت الحوثيين بالتلاعب بأسماء المستحقين للمساعدات وسرقتها ومن ثم بيعها في الأسواق المحلية، وهو ما أكده مصدر خاص يعمل مع برنامج الغذاء العالمي في صنعاء رفض الكشف عن اسمه وقال لـ«ساسة بوست» «تعرضت العديد من الشحنات التي كانت مخصصة للفقراء والمحتاجين للسرقة والسطو المسلح من قبل عناصر تابعين للحوثي، فيما قامت بعض الحواجز العسكرية بسرقة بعض السلال الغذائية التي كان من المفترض أن يتم إيصالها إلى مخازن البرنامج المختلفة»، وقال: «بات من الملاحظ أن المواد المسروقة تباع في الأسواق والمحلات والبسطات وبكميات كبيرة».

Embed from Getty Images

يضيف المصدر لـ«ساسة بوست» أن «هناك شحنات غذائية وصلت إلى مخازن تابعة للبرنامج في مدينة صنعاء، وعلى الفور قامت ميليشيا الحوثي بتسلمها وتوزيعها بنفسها، دون أن نتمكن من الاعتراض على ذلك، تحت تهديد السلاح».

وذكر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا)، أن التدخل في عمليات تقديم المساعدات تضاعف مرات خلال عام 2019 مقارنة بعام 2018، وتنسب %90 من حالات التدخل إلى السلطات في شمال اليمن، والتي من ضمنها التلاعب بسجلات المستفيدين والاستهداف، وعرقلة عمليات التقييم والمراقبة، وتعليق الأنشطة تعسفيًا، ومحاولات إعادة توجيه المساعدات.

تواصل «ساسة بوست» مع أحد سائقي الشاحنات الذي قام بإيصال مساعدات أممية خرجت من مدينة صلالة العُمانية بإتجاه مدينة صنعاء في يناير 2020، فقال: «كنا قرابة 21 شاحنة تحمل مواد غذائية مختلفة، واحتجنا قرابة 50 يومًا للوصول صنعاء وإفراغ الحمولة، في رحلة من المفترض لها أن لا تزيد عن بضعة أيام، إذ كانت رحلة مليئة بالمشقة والتعب، وذلك بسبب المعوقات الكثيرة التي طرحها الحوثيون في وجه دخول المساعدات، وجرى ايقافنا في منطقة عفار لأكثر من 21 يومًا في انتظار السماح لنا بالدخول».

Embed from Getty Images

والآن وبعد دخول الحوثي إلى نادي المنظمات المصنفة إرهابيًا، بات من الواضح أن اليمنيين سيدخلون في نفق لا يعلمون متى ستكون نهايته، ولكن هل حقًا هذا التصنيف سيأتي بالمجاعة والمزيد من المعاناة على اليمنيين؟ خاصة إذا ما قمنا بعمل مقارنة مع مدينة ادلب السورية التي تخضع لسيطرة «هيئة تحرير الشام»، وكذلك قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس، المصنفتين في قوائم الإرهاب!

إدلب وغزة وصنعاء.. واقع متشابه فلماذا تناقض رد الفعل؟

لعل «هيئة تحرير الشام» تعتبر المثال الأفضل، خاصة أنها مصنفة إرهابيًا ضمن قوائم الأمم المتحدة، والأمريكية، والأوربية، والروسية، وجميع دول العالم تقريبًا، ومع ذلك تدخل المساعدات الأممية إلى مناطق سيطرتها في إدلب شمال سوريا بشكل يومي، وتوزع على المدنيين في المدن والبلدات والمخيمات، ولم تشهد مناطق سيطرتها مجاعات أو نقص غذاء واسع، وتدخل هذه المساعدات بالتنسيق مع حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة، عبر منفذ باب الهوى مع تركيا.

تقوم هيئة تحرير الشام بسرقة المساعدات، وتفرض إتاوات على المنظمات، وتأخذ منها نسبًا تصل إلى 40% من المشاريع التي تقوم بها في مناطق سيطرتها، كما أنها تقوم بتوجيه العديد من المشاريع كما تريد، ومع أنها مصنفة إرهابية إلا أنها فرضت الأمر الواقع على الجميع بالتعامل معها بشكل مباشر للحيلولة دون تفاقم الوضع الإنساني، دون أن تضع المنظمات والهيئات في وجه أي عقوبات دولية بتهم دعم الإرهاب.

حقوق إنسان

منذ 11 شهر
في مناطق التحالف أو الحوثيين.. 4 مشاهد تحكي مأساة المواطن اليمني اليومية

وكذلك الأمر في قطاع غزة التي تخضع لسيطرة حركة حماس الإسلامية والمصنفة ضمن القوائم الأمريكية، والإسرائيلية، والأوربية، وغيرها من الدول، حيث يعيش في القطاع قرابة 2.05 مليون نسمة، أكثر من نصفهم يعيش على المساعدات المقدمة من المجتمع الدولي، ولم يشهد القطاع أي مجاعة أو نقص واسع في الغذاء أيضًا.

ومع أن الواقع متشابه تقريبًا، إلا أن الأمم المتحدة لم تعترض على تصنيف الهيئة وحماس، ولم تتخوف منها، لكنها حذرت من تصنيف الحوثي وتخوفت من هذه الخطوة على اليمنيين وما قد يسفر عنها من زيادة في المعاناة، على الرغم من تأكيدات الولايات المتحدة على استثناء العمليات الإنسانية من أي عقوبات، تمامًا كما هو حاصل في إدلب وغزة.

على جانب آخر.. ماذا عن فساد وكالات الأمم المتحدة؟

يرى عدد من النشطاء اليمنيين أن التخوف الأممي غير مبرر، بل ذهب بعضهم إلى اتهام الأمم المتحدة بالتواطؤ مع الحوثي، وذلك عقب مطالبة المبعوث الاممي إلى اليمن، مارتن غريفيت، من واشنطن التراجع عن قرارها، بحجة أنها ستؤثر على المشاورات السياسية والوضع الإنساني في اليمن.

في تحقيق استقصائي قام به الصحافي اليمني علي سالم المعبقي، تحت عنوان «كيف شاركت الأمم المتحدة في صنع أكبر كارثة إنسانية في اليمن؟»، ذكر بالتفصيل كيف أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) التابع للأمم المتحدة يدعم جمعيات تابعة للحوثيين، وكيف أن الفساد والسرقات وانعدام الشفافية بات السمة التي تتميز بها وكالات الأمم المتحدة العاملة في اليمن.

وفي السياق ذاته قالت منظمة الصحة العالمية إنها تحقق في اتهامات لموظفيها العاملين في اليمن بتهم الفساد، وأكدت وكالة أسوشيتد برس أنها حصلت على وثائق تكشف أن الأمم المتحدة تحقق في تورط عدد من موظفي الإغاثة التابعين لها في سرقة أموال المساعدات الإنسانية التي تقدر بملايين الدولارات وارتباطهم بأطراف الحرب.

في حديثه لـ«ساسة بوست» يقول الصحافي اليمني سامي نعمان إن «ما تسوقه المنظمات الدولية بأن اليمن على شفير المجاعة، وأنها تشهد أكبر أزمة انسانية في العالم يبقى محل شك، إذ يتعلق الأمر بدرجة أساسية بمناطق البلاد الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي».

موضحًا أن الجماعة «تضيق على العمل الإنساني، ولا تسمح بأي نشاط، أو تنظيم، لصرف المساعدات، إلا عبر خططها وبرامجها وعبر الهيئات التي أنشأتها لتكون شريكة للمنظمات الدولية في توزيع المساعدات؛ ما يعني تغييب الشفافية، وأنه غدا بإمكان الأمم المتحدة أن تورد أرقامًا تقديرية غير موثوقة عن الأزمة الإنسانية، ولن يكون بمقدور جهات أخرى تمحيصها أو نفيها لأن الميليشيا لن تسمح بذلك».

ويعتقد نعمان أن «الحوثي تسببت في الأزمة باحتكارها للمساعدات وتوزيعها لاتباعها، وأن برنامج الغذاء العالمي الذي نشر عدة تقارير وبيانات تتهم الحوثيين بسرقة اللقمة من أفواه الجياع، وقد عاد للعمل معهم، بعدما تعرضوا لابتزاز حوثي، واتهامهم بجلب أغذية فاسدة للبلاد»، على حد تعبيره.

ويرى نعمان أن «المبالغة في القلق والتحذير من تبعات القرار الأمريكي هو – بحسبه – ابتزاز للسعودية وإبقاء المجال مفتوحًا للعمل مع الحوثيين دون محاذير، رغم أن الأمريكيين أكدوا تخفيف الإجراءات لضمان تدفق المساعدات.

موضحًا أن الحكومة اليمنية أعلنت عن إجراءات لضمان تسهيل وصول المساعدات بشفافية إلى جميع المناطق اليمنية دون تمييز، «رغم أن مناطق الحوثيين ستبقى تدار في كل الأحوال بطريقتهم المعتادة ولن يسمحوا بأية آلية عمل أخرى تتجاوزهم مهما كانت التبعات»، بحسب قوله.

إضافة إلى ذلك أظهرت وثائق نشرها الصحافي اليمني بسيم الجناني على حسابه بموقع «فيسبوك» حجم الفساد في طريقة إرسال المساعدات من قبل برنامج الغذاء العالمي، إذ أكدت الوثائق عن قيام البرنامج بإرسال مواد منتهية الصلاحية وغير صالحة للاستخدام البشري، وقد جرت إعادتها أو إتلافها.

وأشارت إحدى تلك الوثائق إلى طلب البرنامج من الحوثيين تبخير البقوليات الفاسدة ليجري توزيعها على المواطنين. وجدير بالذكر أن عملية التبخير تستخدم لقتل الحشرات الموجودة في المواد الغذائية الجافة!

المصدر: الصحافي اليمني بسيم الجناني

ويمكن القول إن الخطوة الأمريكية قسمت الشارع اليمني بين مؤيد ومعارض لها بشدة، وبين قَلِق ومتخوف منها، لكن الحقيقة تبقى أن بعض الأطراف تتاجر بمعاناة الشعب اليمني، وتسعى للاستثمار في هذه المعاناة، ويبقى المواطن اليمني هو المنسحق الوحيد الذي يتمنى انتهاء هذه الحرب، على عكس المنتفعين الذين يريدون لهذه الحرب أن تستمر، وربما تأتي المجاعة على اليمنيين ليس لأن الحوثي مصنف على قوائم الإرهاب، بل لأن هناك من يريد لهذه المجاعة أن تحصل كي يستفيد منها!

عربي

منذ 10 شهور
«بروكنجز»: من حركة معارضة إلى منظمة إرهابية.. نظرة على تاريخ الحوثيين في اليمن 

المصادر

تحميل المزيد