لم يكن الاكتشاف المذهل الذي قام به العلماء في فبراير (شباط) 2016، والمتعلِّق باكتشاف موجات الجاذبية هو التجربة العملية الوحيدة التي برهنت على صحة النظرية النسبية لأينشتاين، بل كانت هناك العديد من التجارب المماثلة.

النظرية النسبية هي واحدةٌ من أهم النظريات في علوم الفيزياء الحديثة والتي يمكن لها أن تعطينا نظرة واسعة عن الكون وما يحدث فيه والعلاقات التي تربط الأجرام السماوية المختلفة. ورغم أهميتها وتطبيقاتها المستمرة في حياتنا اليومية، إلا أنّ بداية النظرية النسبية كانت على صورة معادلات رياضية وإثباتات حسابية، دون وجود أي دليل مادي عليها.

ولأن الرياضيات نادرًا ما تكذب، ولأن معادلات النظرية النسبية كانت متقنة، فقد عمل العلماء لاحقًا وبشتى الطرق على إثبات ما جاءت به النظرية النسبية بالتجارب العملية.

موجات الجاذبية

أحدث الإثباتات جاء بعد مرور قرابة 100 عام على إصدار نظرية النسبية الخاصة، وتمثَّلت في تمكن العلماء من رصد ما يعرف باسم «موجات الجاذبية»، آخر نبوءات النظرية النسبية العامة لأينشتاين غير المثبتة، وقد جرى الإعلان عن هذا الحدث العلمي العالمي غير المسبوق في مؤتمر صحفي رسمي يوم الخميس 12 فبراير (شباط) 2016.

علماء الفيزياء قاموا بالإعلان فعلًا عن وجود موجات الجذب، والتي تمثِّل تموجات في تركيبة (الزمكان). تخيل أن الكون (الزمان والمكان) عبارة عن مكعَّبٍ ضخم من الماء، وبالتالي فإن كل تحرك للأجرام السماوية يتسبب في حدوث توتر أو تموج للمياه المحيطة به، وكلما كان حجم الجرم كبيرًا كانت التموجات الناشئة عن دورانه أو حركته أكبر وأوضح. تخيل أيضًا ما الذي سيحدث لو اصطدم جرمان سماويان ضخمان، كيف سيكون شكل التموجات الناشئة؟ بالتأكيد ستكون أكبر وأكثر وضوحًا.

وقد استطاع العلماء رصد موجات الجاذبية الناتجة عن تصادم ثقبين أسودين، هل يمكنك أن تتخيل موجات كبيرة وواضحة أكثر من الموجات الناتجة عن اصطدام أكبر الأجسام السماوية في الكتلة وربما الحجم أيضًا. الثقبان الأسودان: أحدهما يبلغ 35 مرة مثل كتلة شمسنا، والثقب الثاني أصغر قليلًا. العلماء تمكنوا من سماع اصطدام الثقبين الأسودين لمدة 20 مللي/ثانية فقط.

المرعب هو أن هذين الثقبين يبعدان عن كوكب الأرض مسافة مليار و300 مليون سنة ضوئية، هل لك أن تتخيل أن عملية اندماج ثقبين أسودين تمت منذ مليار و300 مليون سنة لا تزال موجات الجاذبية الخاصة بها تسير في الكون حتى تمكنت من الوصول إلى كوكب الأرض. بالتحديد ولمحبي الدقة، فإن هذين الثقبين يقعان في مكان ما في نصف السماء الجنوبي خلف سحابة ماجيلان الكبرى.

الإثبات الأول

تمثل موجات الجاذبية الإثبات الأحدث لآخر نبوءات النظرية النسبية، لكن ماذا عن أول تجربة عملية أثبتت النظرية؟ من بين النتائج التجريبية التي تنبأت بها نظرية ألبرت أينشتاين للنسبية العامة عام 1916، كانت فكرة انحناء الضوء من قبل الأجسام الضخمة بسبب انحناء نسيج الزمكان جوارها.

لاختبار هذا التنبُّؤ، قام الفلكي الملكي «فرانك واتسون دايسون» والفلكي «آرثر ستانلي إدينغتون» بتنظيم رحلتين، واحدة إلى جزيرة برينسيب قبالة غرب إفريقيا، والآخر لمنطقة سوبرال في البرازيل، لغرض مراقبة كسوف الشمس يوم 29 مايو (آيار) 1919؛ كانت الشمس بمثابة «جسم ضخم»، وكان الكسوف ضروريًا لمراقبة الضوء القادم من نجوم أخرى.

اتفقت النتائج مع توقعات أينشتاين، النتيجة التي حصلوا عليها في سوبرال كانت 1.98 ± 0.12 درجة زاوية، وفي برينسيب كانت النتيجة 1.61 ± 0.3 ثانية زاوية (حوالي ضعف الأرقام المتوقعة من قبل نظرية نيوتن). وبسبب الصعوبة التقنية لهذه الملاحظات، بقيت القيمة الدقيقة للانحراف مسألة مثيرة للجدل، تطور تقنيات التداخل الراديوي في السبعينيات من القرن العشرين.

في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1919، ذكر دايسون خلال اجتماع مشترك للجمعية الملكية والجمعية الفلكية الملكية أنه حدد انحراف الضوء من قبل مجال الجاذبية الشمسية، من الملاحظات التي أجريت في الكسوف الكلي للشمس الذي جرى في 29 مايو (أيار) 1919.

تأكيد الإثبات الأول

أوضح العلماء أن إرسال الرسائل من وإلى مركبة الإنزال «فايكنج» على سطح المريخ في عام 1979، أظهر أن الإشارات التي تسير بين الأرض والمريخ قد استغرقت وقتًا أطول قليلًا عندما مرت بجوار الشمس بسبب الانحناء في الزمكان الذي سببه النجم الضخم.

وعندما كانت المركبة الفضائية كاسيني تتجه نحو زحل في عام 2002، قام العلماء مرة أخرى بقياس تأثير الجاذبية الشمسية، مع النظر في كيفية تغير وقت ذهاب وإياب إشارة الراديو عندما مرت بالقرب من الشمس. وعلى الرغم من أن اختبار كاسيني أظهر نفس النتيجة التي حققها اختبار فايكنج، إلا أنه كان أكثر دقة بمقدار 50 ضعفًا، بمعدل دقة بلغ 20 جزءًا لكل مليون، وذلك بفضل نظام اتصالات أفضل يمكنه تصفية التداخل من الإكليل الشمسي.

تباطؤ الزمن

واحد من أحدث الاختبارات المتعلقة بالنظرية النسبية لأينشتاين، كان ذلك الذي نشر في سبتمبر (أيلول) 2011، والذي ركز على فكرة تمدد الوقت، وهي جزء من النظرية التي تتنبأ بأن اثنتين من الساعات المتطابقة التي تتواجد على ارتفاعات مختلفة أو تتحرك بسرعات مختلفة، سوف تتحرك عقاربها بسرعات مغايرة لتعطينا دقات غير متزامنة.

ويمكن النظر إلى فكرة تمدد الوقت بهذه التجربة النظرية الأكثر شيوعًا المتعلقة بالتوائم: إذا كان أحد التوائم يذهب إلى كويكب ما على متن صاروخ يتحرك بسرعات عالية للغاية، سيمر عليه الزمن بصورة أبطأ وسيكون عمره أقل من أخيه الذي يبقى على كوكب الأرض عند وصوله إلى المنزل.

الآن، فإن الفيزيائي «تشين ون تشو» وزملاءه في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، أظهر أن تمدد الوقت يمكن ملاحظته حتى من دون رحلة بعيدة، سريعة الحركة. باستخدام الساعات البصرية فائقة الحساسية، قاموا بقياس التغيرات في معدلات الدقات في الساعات بسرعات تقل عن 25 ميلًا في الساعة، وفي اختلافات في الارتفاعات بمقدار حوالي قدم.

الساعات الضوئية، كلٌ منها مدعوم من أيون ألومنيوم واحد، هي أكثر دقة بمقدار 40 ضعفًا من الساعات الذرية الدولية التي تعمل بطاقة السيزيوم، مما يتيح للباحثين القدرة على النظر في الاختلافات الدقيقة في معدلات الدقات. عندما تُجلِس ساعتين من هذه الساعات الضوئية على نفس الارتفاع يكون لهما نفس معدل الدقات. ولنقل ساعة واحدة منهما، بدأ الباحثون ببساطة في تغيير معدل تأرجح الأيون بسرعة من اختيارهم، يمكن أن يكون المعدل بطيئًا كما لو كنت جالسًا على أرجوحة، أو سريعًا كما لو كانت رصاصة.

عندما ضبط أيون ليتحرك بمعدل 10 أمتار في الثانية الواحدة (أقل قليلًا من 25 ميلًا في الساعة)، وجد تشو أن تلك الساعة تدق بمعدل أبطأ بشكلٍ ملحوظ من الساعة الثابتة. حدث الشيء نفسه عندما كانت الساعات على ارتفاعات مختلفة قليلًا. عندما استخدم تشو وفريقه الرافعات الهيدروليكية لرفع ساعة واحدة فقط على ارتفاع قدم واحدة، كان معدل الدقات في الساعة السفلى أقل بكثير من الساعة الأعلى. ولأن الساعات البصرية سمحت لهم بالقياس بدقة كافية، فقد رأى الباحثون أن تنبؤات أينشتاين لعبت دورًا حتى في الظروف اليومية مثل ارتفاع مسند القدم وسرعة السيارة في شارع سكني.

تحويل المادة إلى طاقة

E = mc2، هي المعادلة التي ظهرت في نظرية النسبية الخاصة للفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين، والتي تظهر أن الكتلة النسبية المتزايدة (m) من الجسم تأتي من طاقة الحركة لهذا الجسم (E) مقسمة بواسطة سرعة الضوء التربيعي (c2). هذه المعادلة تعبر عن حقيقة أن الكتلة والطاقة هي نفس الكيان المادي ويمكن تغييرهما إلى بعضهما البعض.

أدت تلك المعادلة فيما بعد إلى اكتشاف الطاقة النووية، واستغلت أول ما استغلت في صناعة القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما وأخرى على ناجازاكي باليابان خلال الحرب العالمية الثانية وانتهت الحرب بسببهما. ولعل هذا هو الإثبات التجريبي الأكثر قسوة من نوعه لنظرية علمية ما في التاريخ.

أظهرت التجارب العلمية أن كتلة نواة الذرة تقل عن كتلة مجموع مكوناتها (أي مجموع كتل البروتونات والنيوترونات)، والفرق في هذه الكتل يتحول إلى طاقة تسمح بترابط مكونات نواة الذرة معًا. وقد استطاع العلماء تحرير هذه الطاقة عن طريق شطر أنوية الذرات.

وجرى اكتشاف الانشطار النووي للعناصر الثقيلة لأول مرة في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1938 من قبل العالم الألماني «أوتو هان» ومساعده «فريتز ستراسمان»، وجرى شرحها نظريًا في يناير (كانون الثاني) 1939 من قبل «ليز ميتنر» وابن أخيه «أوتو روبرت فريش».

وسمي فريش العملية بالانشطار مقارنة بعملية الانشطار البيولوجي للخلايا الحية. وهو تفاعل طارد للحرارة الذي يمكن أن يطلق كميات كبيرة من الطاقة بالإضافة إلى الإشعاع الكهرومغناطيسي والطاقة الحركية.

مسار كوكب عطارد

لاحظ العلماء عام 1859 أن المدار الخاص بكوكب عطارد حول الشمس كان يغير توجهه مع مرور الزمن، وهي عملية فلكية يطلق عليها اسم «precession». كل الكواكب تدور حول الشمس في مدار إهليجي (قطع ناقص) وليس في مدار كامل الاستدارة، وتقوم الأقطار الكبرى للإهليج بالدوران ببطء حينما تسحب الكواكب بعضها البعض.

لكن مدار عطارد كان يتحرك بسرعةٍ أكبر مما تَنبأت به معادلات قوانين الجاذبية لنيوتن، حتى عندما أخذ في الاعتبار عملية السَّحْب الطفيف لجميع الكواكب الأخرى. كان الفارق ضئيلًا – جزءًا من المائة من الدرجة كل قرن فقط – لكنه كان موجودًا. في ذلك الوقت، تَوقَّع البعض وجود كوكب آخر اسمه فولكان داخل مدار عطارد. لكن لم يجد أحد هذا الكوكب، لذلك أصبح من الواضح وجود مشكلة ما.

وقد جرى الاعتراف بهذا المعدل الشاذ لمدار عطارد لأول مرة في عام 1859 كمشكلة في الميكانيكا الفلكية، من قبل «أوربين لو فيرير». وأظهر تحليله للرصد الزمني المتاح لمرور عطارد أمام قرص الشمس من عام 1697 إلى عام 1848 أن المعدل الفعلي للدوران يختلف عن المعدل المتوقع من قوانين نيوتن بنسبة 38 ثانية زاوية (أعيد تقديرها لاحقًا عند 43 ثانية زاوية).

في عام 1915، قام أينشتاين بحل المشكلة دون الحاجة إلى وجود كواكب أخرى افتراضية، فقد استطاعت النسبية العامة أن تحسب ذلك الفارق الضئيل لقوانين نيوتن. وفي النسبية العامة، يفسر هذا الفاصل المتبقي، أو تغيير اتجاه القطع الناقص المداري داخل مستواه المداري، عن طريق الجاذبية التي يسيطر عليها انحناء الزمكان. وأظهر أينشتاين أن النسبية العامة تتفق بشكل وثيق مع كمية التغير في مسار وسرعة دوران عطارد حول الشمس. وكان هذا عاملًا قويًا يحفز اعتماد النسبية العامة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد