خرج الطلاب في مظاهرات تايلاند بزيِّهم المدرسي يطالبون الجيش وحلفاءه بالانسحاب من الحياة السياسية واحترام حقوق الإنسان. فما القصة؟

بأمرٍ عسكري، يجب على فتيات المدارس أن يقصصن شعرهن ليكون مساويًا لمستوى الأذن، لا أكثر ولا أقل. وبالأمر العسكري نفسه، يجب على الطلاب الذكور أن يرتدوا قمصانًا بياقة بيضاء، ويقصوا شعرهم على الطريقة العسكرية. ما يزعج الطلاب ليس تلك القواعد في ذاتها، بل ما تعكسه من نفوذ النظام العسكري في المدارس، وفي المجتمع بشكلٍ عام.

غالبًا، أول ما يتبادر إلى ذهنك حين تسمع اسم تايلاند هو صورة مثالية لبلد تصلح لقضاء شهر عسل لا يُنسى، حيث لون النباتات الأخضر الكثيف يمتزج بأمواج البحر الكريستالية وتُضفي عليهم الشمس مزيدًا من السحر بأشعتها الذهبية.

دولي

منذ 9 شهور
الجيش التايلاندي الذي يصادر الديمقراطية والحريات ويذبح المسلمين

لكن ما لا تراه في الإعلام أن الدولة ملتزمة بشكل كبير بالتقاليد العسكرية في الحياة اليومية، ويرى سكانها أن تلك التقاليد هدفها تعزيز التبعيَّة، وتقديس التسلسلات الهرمية كما يحدث في الحياة العسكرية لا في الحياة المدنيَّة الحديثة. وجود الطابع العسكري ليس سرًّا، فالطلاب يُجبرون كل صباح على ترديد أغنية قديمة تُمجد الانضباط والقوة، وفي يوم الطفل يُحتفل بالأطفال بأخذهم إلى المعسكرات الحربية لمشاهدة الدبابات والطائرات المقاتلة.

كذلك، فإن وجود الطابع العسكري ليس لغزًا، فرئيس الوزراء الحالي، برايوت تشان أوتشا، كان قائدًا سابقًا في الجيش التايلاندي، ووصل إلى السلطة عام 2014م بانقلاب عسكري، وفي حكومته جنرالان آخران متقاعدان بمثابة أمناء سرِّه، وصاغ الثلاثة معًا دستورًا جديدًا للبلاد.

لن يكون من المفاجئ قطعًا إذا كان ذلك الدستور مُصممًا ليضمن بقاء الجيش في السلطة لأطول فترة ممكنة، وبصلاحيات كبيرة، وحتى لو أُجريت انتخابات ديمقراطية وفاز بها آخرون، فسيبقى للجيش النصيب الأكبر من التحكم في الدولة.

هاري بوتر في مظاهرات تايلاند

خرج الطلاب بزيِّهم المدرسي يطالبون الجيش وحلفاءه بالانسحاب من الحياة السياسية واحترام حقوق الإنسان، والسماح للطلاب بارتداء الجوارب ذات اللون الأبيض الغامق أو المائل للون سُكر القصب، بدلًا من إجبارهم على ارتداء الجوارب ذات اللون الأبيض الناصع، ومن يُخالف ذلك يتعرض للضرب في ساحة المدرسة. كذلك تتعرض للضرب أي فتاة تجعِّد شعرها أو تصبغه بأي لون، وكذلك في حالة الذكور أيضًا، فالصبغات ممنوعة بأمر عسكري.

وليحاول الطلاب التخفيف من وطأة الاحتجاج، تجنبًا لرد فعل غاشم من جانب الحكومة، ارتدوا ملابس مستوحاة من سلسلة أفلام «هاري بوتر»، كما ارتدوا بعض الملابس الفولكلورية الأخرى. ورفعوا عصيَّ تناول الطعام الصغيرة لمطالبة الجيش بعدم استخدام الهراوات ضدَّهم، كذلك رفعوا أصابعهم الثلاثة على طريقة بطلة سلسلة أفلام «ألعاب الجوع».

Embed from Getty Images

ارتفعت الأصوات الغاضبة أكثر عندما دخل ملف الاختطاف والإخفاء القسري للمعارضين ضمن هتافات الحشود التي تتحرك من مدينة لأخرى، خاصةً بعد أن اعتقلت الشرطة محامي حقوق الإنسان، أنون نامبا، والناشط الطلابي، بانوبونج جادنوك، اللذين اتُّهما بالتحريض على الفتنة وانتهاك مرسوم الطوارئ الخاص بفيروس كورونا لمشاركتهما في احتجاجات سابقة.

لكن الحقيقة قد تكون أن اعتقالهما سببه دعوة كليهما إلى إجراء إصلاحات في النظام الملكي في البلاد، في مجموعة تصريحات شديدة الصراحة الأسبوع المنصرم. ورغم أنه قد أُفرج عنهما بكفالة بعد يومين، فإن شرارة الاعتقال أشعلت التظاهرات، ولم يستطع الإفراج عنهما أن يُخمد ما أشعله الاعتقال، فأخذت الشعارات شكلًا واضحًا في مطالبة الديكتاتورية بالرحيل وسقوط قمع الشرطة، وأخيرًا، أشد الأقوال كُفرًا في النظم الديكتاتورية، إسقاط النظام.

12 انقلابًا عسكريًّا و7 محاولات فاشلة في تاريخ تايلاند

هذا الحذر الطلابي والشعبي يمكن تفهُّمه حين نعلم أن الطلاب ينتفضون ضد منظومة عسكرية قديمة؛ فالانقلاب الأخير، عام 2014م، لم يكن الأول أو الثاني في تاريخ تايلاند، بل الانقلاب رقم 19، إذ شهدت البلاد 12 انقلابًا ناجحًا وسبع محاولات فاشلة؛ بدأت بالانقلاب الأول عام 1932م الذي قضى على الملكية المطلقة في تايلاند، ومنذ ذلك التاريخ والانقلابات تُشكل الحياة السياسية في البلاد، فانقلاب عام 1932م لم يُلغ الملكية كاملةً، بل جعلها ملكية دستورية فحسب.

بعد ست سنوات من الانقلاب الأول، أصبح الضابط الكبير، فيبون سونجرام، رئيسًا للوزراء، وأراد تحويل تايلاند لنظام عسكري صريح، لكنه لم ينجح نجاحًا كاملًا في مسعاه، وغادر السلطة.

ثم عاد في عام 1947م إلى السلطة بانقلاب عسكري، فحكم البلاد بالحديد والنار حتى عام 1973م. وأُطيح على يد حركة طلابية، فعاشت تايلاند في ديمقراطيةٍ لم تدم سوى ثلاث سنوات؛ إذ قمعها الجنرال دام عام 1976م، فعادت البلاد للديكتاتورية العسكرية.

عام 1980م قرر الزعيم العسكري المعتدل، بريم تينسولانوند، رئيس الوزراء، إقامة نظام شبه ديمقراطي فتعرَّض للعديد من محاولات الانقلاب، لكن لم ينجح منها سوى انقلاب عام 1991م، وبات الحكم بصفة رسمية عسكريًّا مدنيًّا. بعد عامٍ قامت تظاهرات شارك فيها مئات الآلاف من المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية، راح ضحيتها مئات القتلى.

بعد نهاية التظاهرات، قرر الملك إقامة مؤسسات ديمقراطية وتنظيم انتخابات، فاز بها رئيس الحزب الديمقراطي، شوان ليكباي، ثم بعد خمس سنوات صاغت البلاد دستورًا جديدًا عُدَّ تقدمًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا. وفي عام 2001م فاز عملاق الاتصالات، ثاكسين شيناواتر، بالانتخابات. لكن في 2006م قرر حل البرلمان بعدما دعاه النواب إلى الاستقالة بسبب فضيحة بيع مجموعته للاتصالات.

ثم دعا إلى انتخابات نيابية مبكرة قاطعتها المعارضة، وأُبطلت الانتخابات بقرار محكمة، وأُجريت انتخابات جديدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006م، فعاد بها ثاكسين رئيسًا للحكومة. ثم بعد شهرين اتهم ضباطًا في الجيش بانهم أرادوا الاعتداء على حياته، بعد العثور على عبوات متفجرة في سيارة قرب منزله. ليحدث الانقلاب قبل الأخير، وهو انقلاب عام 2006م الذي أسقط فيه الجيش ثاكسين شيناواترا وحكومته.

ثم أتى انقلاب 2014م بعده ليُسقط ينجلوك شيناواترا، التي استطاعت أن تصل إلى منصب رئيس الوزراء بدعمٍ من أخيها ثاكسين ومعسكره في انتخابات 2011م، لكنها عُزلت بقرار محكمة بتهمة إساءة استغلال السلطة، ولم تكد تدافع عن نفسها حتى أعلن تشان أوتشا انقلابه، فعطَّل الدستور، وعلَّق البث التليفزيوني، ومنع التجمعات السياسية.

الحياة السياسية: حلٌّ للأحزاب وخطف وقتل للمعارضين

من أبرز سمات الحياة السياسية في تايلاند هو الخضوع، فحين يريد رئيس الوزراء أو وزير مقابلة الملك الشرفيِّ فعليه أن يقترب منه زحفًا على بطنه وينظر إلى العرش والملك من وضع الرقود فقط. وبالطبع لا يمكن لأحد من العامة، أو المتظاهرين، التحدث بنبرةٍ فيها انتقاد عن العائلة المالكة، فغالبًا ما يكون الملك هو الآخر، رغم شرفية منصبه، رجلًا عسكريًّا، مثل الملك الحالي ماها فاجيرالونجكورن، وهو طيار مقاتل مدرب، تلقى تعليمه في كلية الدفاع الأسترالية.

وتحمي الملك وعائلته سلسلة من القوانين تتكفل بسجن أي ناقد، ولو تلميحًا، 15 عامًا على الأقل.

Embed from Getty Images

كذلك، فإن الحياة السياسية في البلاد لا تتسع سوى لحزبٍ واحد وحاكم واحد، وبالتأكيد لن يكون هذا الحزب سعيد الحظ حزبًا معارضًا. بل على النقيض، فقد أجبرت المحكمة في فبراير (شباط) 2020م حزبًا معارضًا على حل نفسه. وقالت المحكمة إن حزب المستقبل التقدُّمي، المؤمن بالديمقراطية، تلقى تبرعًا مشبوهًا من رئيس الحزب، ولذا يجب حلُّه.

هذا الحزب لم يكن حزبًا صغيرًا، بل الحزب صاحب ثالث أعلى كتلة تصويتية، وثالث أعلى نصيب في مقاعد البرلمان، والأهم أنه أكثر الأحزاب شعبية لدى الشباب الثائرين.

لم يتعجب الشباب من حلِّ الحزب أو اعتقال الناشطين بعدما رأوا من حكومتهم الكثير، فرغم أن المعارضة مجتمعةً فازت بأكبر نصيب في البرلمان، لكنَّها لم تتمكن من اختيار زعيم الحكومة؛ إذ اختار الجيش مجلس الشيوخ المؤلف من 250 مقعدًا – يُعرف في تايلاند بمجلس الشعب. لذا لم يكن مفاجئًا أن يصوت مجلس الشيوخ بالإجماع لبقاء رئيس الوزراء البالغ 65 عامًا في منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 2020م، اختفى ناشط تايلاندي مناصر للديمقراطية. لم يكن المُرعب في الأمر هو اختطاف الناشط في وضح النهار، حسب رواية الشهود، بل أنه كان يعيش خارج تايلاند، منفيًّا في كمبوديا منذ 2014م. وقبله، في عام 2018م، عُثر على جثتي ناشطين مفقودين طافية في نهر ميكونج، وهو ما أثار مخاوف النشطاء في الداخل والخارج، لأن الدولة دخلت مرحلةً جديدةً من القمع العابر للحدود والمنطق.

كورونا بريء من تهمة إفقار تايلاند

تمتلك 50% من ثروة تايلاند نسبةٌ ضئيلة من الشعب، تُقدر بـ1% في أشد التقديرات تفاؤلًا، بينما يعاني أغلب الشعب من الفقر والجوع.

لعل ذلك هو ما يُفسر نسبة الشباب الطاغية الموجودة في المظاهرات، لأنه حين يتطلع الشباب إلى المستقبل لا يجدون لهم مكانًا فيه، وهم الأكثر استعدادًا للمخاطرة لصناعة أي تغيير سياسي يضمن لهم فرصةً في المستقبل.

وزاد الأمور تعقيدًا الأثرُ الاقتصادي السيئ لجائحة كورونا، خاصةً أن تايلاند بلد سياحي في المقام الأول.

ويتوقع الاقتصاديون أن ينكمش اقتصاد البلاد بنسبة لا تقل عن 8% في العام القادم، لكن بعيدًا عن توقعات الاقتصاديين النظرية سواء بالانهيار أم النمو، فإن الشعب يحكم بما يرى هو لا بما يرى المحللون؛ فالآلاف عاطلون عن العمل، والطلاب وحديثو التخرج لا يجدون عملًا في المعتاد، وفي ظل الظروف الراهنة لا يتوقعون أن يجدوا عملًا في المستقبل المنظور.

لم يشعر المحتجون بأن فيروس كورونا هو المُدان والسبب وراء تلك الأحوال، فلم يفعل الفيروس في نظرهم إلا أنه كشف عن ضعف الحكومة في التعامل مع الأزمات. كما يرون الإجراءات الوقائية المتشددة التي اتخذتها الدولة فرصةً لممارسة القمع من خلف ستار الوباء، ويمتلكهم خوف من عدم رفعها، رغم خفوت حدة الوباء في البلاد.

لهذا السبب، كانت الاحتجاجات في تايلاند قديمة، فمثلًا تكونت عام 2006م الجبهة المتحدة للديمقراطية ضد الديكتاتورية، المعروفة إعلاميًّا بالقمصان الحُمر، وطالبت بإعادة رئيس الوزراء المنقلب عليه ثاكسين شيناواترا. كان معظمهم من الريفيين آنذاك، لكن اليوم اتسعت رقعة السخط، مما يعني أن فساد الحكومة تمدد، فنرى الشباب اليوم من خلفيات مميزة نسبيًّا ويقيمون في بعض أكبر المدن والبلدات في البلاد، ينضمون لمتظاهري الريف القدامي.

موسم الانقلابات لن ينتهي

المعضلة في تايلاند أنه لا يبدو أن الأمر سينتهي، دائرة تؤدي إلى الأخرى، انقلاب يقود إلى انقلاب، ومن غير المرجح أن يوجد انقلاب أخير، ففصول العام الأربعة قد تتبدل على مناخ تايلاند الجويِّ، لكن مناخ البلاد السياسي لا يعرف سوى فصل واحد وموسم واحد يمتد طوال العام، موسم الانقلابات.

Embed from Getty Images

من أسباب ذلك، الحرب غير المنتهية بين الأقليَّة الحضرية المسيطرة على الأضواء والمسرح السياسي، وبين الأغلبية الريفية التي تحاول جاهدةً انتخاب من يمثلها حقًّا. تمتلك الطبقة العاملة والفقيرة أغلبيةً تمكنها من الوصول إلى السلطة، لكنها أضعف من التمسك بها، أما الطبقة الحضرية الغنية فأصغر من أن تفوز بالانتخابات، لكنها تمتلك سُبلًا وسلطة للقفز على السلطة بالانقلابات العسكرية والدستورية.

كل طرف من الاثنين لا يتوقف، ولن يتوقف، عن محاولة زحزحة الآخر من كرسي السلطة.

جعلت هذه المناكفة الانقلابات في تايلاند أمرًا مستساغًا؛ مما يُفسر حدوث 19 انقلابًا في بلد واحد في فترة زمنية قصيرة نسبيًّا؛ فالشعب التايلاندي ينظر إلى الانقلابات على أنها حل غير عادي لأزمة سياسية غير عادية، ومن الممكن ببساطة أن تجد الشعب التايلاندي نفسه يضغط على الجيش للقيام بانقلاب.

الانقلاب في العُرف التايلاندي يمكن تشبيهه بالوساطة، فالملك فيه يمتلك سلطات حقيقيَّة للغاية ويمكنه إقالة من يشاء، لكنَّه، لأسباب غير واضحة، لا يمارس تلك السلطات ولا يتدخل، حتى حين يرى الشعب ثائرًا. هنا يتدخل الجيش، ليكون بمثابة الوسيط بين الملك والشعب لتحقيق مطالب الشعب، وغالبًا ما تنتهي تلك الوساطة بانقلاب الجيش على من يشاء تحت غطاء شعبي.

دولي

منذ 9 شهور
الراعي الرسمي للانقلابات فيها.. لماذا تتدخل أمريكا في شؤون أمريكا اللاتينية؟

تزداد الغرابة في نموذج تايلاند إذا فكرنا قليلًا في تاريخ البلاد، إذا كانت الدولة مشهورة بالانقلابات إلى هذا الحد، بالتالي من يصل إلى السلطة، سواء كان منتخبًا أم بانقلاب، يجب أن يكون حريصًا لمنع أي انقلاب جديد عليه، لكن الواقع في تايلاند يؤكد أنه مهما كان الفرد واعيًا بالانقلاب فلا يمكنه منعه، لأن الشعب إذا فاز في انتخابات ديمقراطية ووضع مرشحه في السلطة، فسوف يكون الجيش بأكمله ضد هذا المرشح، فيحدث الانقلاب. وإذا جاء القائد العسكري المُنقلب يكون الشعب بأكمله ضده؛ ما يُغري قائدًا آخر بالتستر بالشعب لينال السلطة، وهكذا دون نهاية.

المصادر

تحميل المزيد