7,961

قبل أن تهبّ العاصفة بأسبوع، في 31 أكتوبر (تشرين الثاني)، جمع لقاءٌ غريب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري مع ثامر السبهان وزير السعودية لشئون الخليج، وقيل إنّ الزيارة استهدفت ترتيب «البيت السُنّي»، وعلّق الحريري على الصورة التي نشرها على تويتر كالتالي: «اجتماع طويل مع معالي الصديق ثامر السبهان»، في حين أعاد الأخير الصورة على صفحته الخاصة مغردًا: «اجتماعٌ مطول ومثمر، واتفاق على كثير من الأمور التي تهم الشعب اللبناني الصالح، وبإذن الله القادم أفضل».

ولم تكد تمرّ أيام، حتى استُدعِي الحريري مرة أخرى إلى المملكة، وفي خطوة لم يُعرف تفسيرها حتى الآن – وإن تمّ تحليله وتخمينه – أعلن استقالته من الرياض، قبل أن يختفي وتحاصره الإشاعات باحتجازه، ثم عاد السبهان وسحب وعوده الوردية للشعب اللبناني قائلًا: «لبنان بعد الاستقالة لن يكون أبدًا كما قبلها»، ثم كشّر عن أنيابه مُهددًا: «سنعامل بلادكم على أنها حكومة إعلان حرب»، لتشتعل نيرانٌ جديدة ضد المملكة عقب تصريحاته.

مهندس استقالة الحريري

برز اسم السبهان بسبب التغريدات المنتظمة التي يكتبها الوزير السعودي على تويتر تعليقًا على أزمة لبنان، وبخلاف الصورة المثيرة للجدل التي التقطها مع الحريري قبل أسبوع من الاستقالة، فيبدو أن دور الرجل البالغ من العمر 50 عامًا في الأزمة هو أكبر من صورة وتغريدة؛ فالعميد المتقاعد الحاصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من السعودية، كانت له مهام أمنية خاصة في لبنان من 2009 إلى 2015، إذ عمل ملحقًا عسكريًّا في بيروت، وتزامن تعيينه في الفترة نفسها مع أزمة سعد الحريري مع حزب الله اللبناني بسبب عدَّة مشاكل أبرزها رغبته في نزع سلاح حسن نصر الله على أساس أن «سلاح حزب الله أصل المشكلة في لبنان»، وبالرغم من عدم ضلوع السبهان في المشهد، إلا أن الرجل الذي يُمثل الدولة الوهابية حمل إرثًا شخصيًا مُبكرًا من الكراهية لحزب الله منذ تسلم مهام منصبه.

(يسار الصورة ثامر السبهان الملحق العسكري بلبنان عام 2014. المصدر: القوات اللبنانية).

أزمةٌ أخرى شهدها الرجل العسكري المعروف عنه أنه سريع الغضب، ففي الوقت الذي تواجد فيه السبهان في لبنان، كان سعد الحريري يواجه أزمة كبيرة أثناء تشكيل حكومته الأولى منتصف 2009، والتي خصص فيها مقعدين فقط لحزب الله، ورفض حسن نصر الله التشكيل الوزاري على أساس أنّ رئيس الوزراء لم يُقدم التنازلات المطلوبة، وظلّت الحكومة مُعلقة طيلة شهرين لم يتمكن فيهما من اختيار وزرائه قبل أن يُقدم اعتذاره عن المنصب، قبل أن يعود مرة أخرى وينجح في تشكيل الحكومة التي أسقطها حزب الله عام 2011 عن طريق جعل الوزراء التابعين لتحالف 8 آذار يُقدمون تنازلات جماعية أسقطت الحريري دستوريًا؛ وفي تلك الأثناء اتهمت السعودية إيران بمحاولة اغتيال سفيرها في واشنطن عادل الجبير، وبدا واضحًا أن المملكة فقدت سيطرتها على لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري عام 2005.

لذا فمنصب المسؤول السعودي المختص بشؤون لبنان يذهب بجدارة إلى السبهان المُقرب من ولي العهد محمد بن سلمان، لأنه كان شاهدًا فعليًا على أيّام الضعف والذكريات السيئة، وبحسب «رويترز»، فإن ابن سلمان قد رتَّب للحريري أثناء زيارته الأولى التي عاد منها إلى لبنان لقاءات مع مسؤولي مخابرات بارزين ومع وزير الشؤون الخليجية ثامر السبهان، وفي ذلك اللقاء حاول الحريري إقناع السبهان بضرورة الحفاظ على حالة من التوافق مع حزب الله من أجل استقرار لبنان، وتقول المصادر للوكالة الفرنسية إن رئيس الوزراء اللبناني أخبر السبهان قائلًا: «موضوع حزب الله ليس موضوعًا محليًا. لا تحملونا مسؤولية شيء يتخطاني ويتخطى لبنان».

لكنّ الوزير السعودي الذي يكرّس نفسه حاليًا للهجوم على طهران، ربما وجد في كلام الحريري فكرة ما، وما حدث بعد ذلك هو  بيان الاستقالة الذي يشترك فيه السبهان بالدرجة الأولى، لأنّ لُبنان تقع ضمن اختصاصه.

أفسد العلاقات مع العراق بعد ربع قرن من القطيعة

قبل 2015، كان السبهان يمتلك 20 عامًا من التاريخ الوظيفي المُشرِّف في العمل الأمني والعسكري، فبخلاف الدرجات العلمية التي حصل عليها في العلوم العسكرية، وبحسب سيرته الذاتية فقد عمل ضمن الفريق الأمني لعددٍ من أبرز المناصب العسكرية في العالم بعد تخرجه في كلية الملك عبد العزيز الحربية عام 1988، مثل طاقم وزير الدفاع الأمريكي، ووزير الدفاع البريطاني ورئيس أركان القوات المشتركة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلّا أن رتبته العسكرية توقفت عند «عميد رُكن» بعدما اختاره الملك سلمان شخصيًا لوظيفة دبلوماسية حرجة ثبت لاحقًا أنه لم يكن جديرًا بها.

عقب اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1990، قامت الرياض بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الرئيس العراقي صدّام حسين، وبعدما انتهت الحرب بانسحاب القوات العراقية من الكويت، فرضت الولايات المتحدة حصارًا شاملًا على الرئيس العراقي، لكنّ الدول العربية اتخذت موقف واشنطن وأبرزهم السعودية، لذلك ظلت العلاقات متوترة حتى ما بعد رحيل صدّام، وبعد خروج القوات الأمريكية من العراق أواخر عام 2010، تسببت سياسات رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي  العنصرية ضد الأقلية السُنية في إجبار السعودية على الدخول في الصراع المذهبي عن طريق دعم المُقاتلين بالمال والسلاح في وجه القوات الشيعية المدعومة من السُلطة، وانتهى مسلسل الانتقام العقدي إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.

وبعد تولي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي عام 2015، أعلن أنه مُستعدٌ لتجاوز كل الخلافات مع السعودية بعد 25 عامًا من القطيعة، ليقرر الملك سلمان اختيار ثامر السبهان ليجمع بين الدبلوماسية والعسكرية في هذا البلد المشتعل الذي يتشابه مع طائفية لبنان، فخرج  السبهان من بيروت عميدًا ووصل إلى بغداد سفيرًا.

وبعد وصول السفير الجديد خابت كل الآمال في إصلاح العلاقات، فبعد ستة أشهر فقط هاجم الحشد الشعبي (أغلبية شيعية مدعومة من إيران) ووصفه بأنه لا يتمتَّع بالقبول في المجتمع العراقي، لتقوم وزارة الخارجية العراقية باستدعائه لتوضيح مهام عمليه الدبلوماسية بأن يبتعد عن خطاب الطائفية، إلا أنّ الرجل عاود الهجوم مُجددًا قائلًا: «إيران تريد تدمير الأمة الإسلامية، والقومية العربية من خلال أذنابها وفصائلها المسلحة»، الأخطر من ذلك هو أنه بحسب الحكومة العراقية مارس الدعايا الطائفية بالقول والفعل؛ حيث زار  المجمّع الفقهي العراقي الذي يعدّ دارًا للفتوى وأكبر مرجعية دينية لسنة العراق، وذلك عقب الانتهاكات التي تعرضوا لها من الحشد الشعبي، ليقوم السفير السعودي بتوجيه رسالة مفادها «لن نتخلى عنكم»، وهو ما تم فُسِّر بأنّ السعودية من الممكن أن تدعم حربًا جديدة ضد إيران في العراق.

وكانت التصريحات كفيلة بإشعال فتنة وغضب ضد السبهان، حتى إنه تلقَّى تهديدات علنية بالقتل، وذكرت تقارير أن عملية دُبرت له استهدفت اغتياله، لكنّ التهديدات لم توقف الرجل حتى طالبت الحكومة العراقية رسميًا من المملكة استبدال السبهان، وبعد رحيله من بغداد، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية أن هناك مخططات دبرتها إيران لاغتيال السفير السعودي في بغداد وأوكلت تنفيذها إلى مليشيات عراقية تابعة لها، وبعد رحيل السبهان لم ترسل السعودية بديلًا له رغم تحسن العلاقات حاليًا، واكتفت بالقائم بأعمال السفارة، وهكذا تسببت «جرعة الصراحة الزائدة» للسبهان في خلو المنصب مرة أخرى بعد ربع قرن من القطيعة في العلاقات.

«الوجه الصارم» لعادل الجبير!

لطالما افتخرت السعودية بوزير خارجيتها عادل الجبير الذي يُكيل الردود الهادئة لأعدائه منذ كان مُتحدثًا باسم السفارة السعودية في واشنطن عام 2001، وهو العام الذي شهد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، واتُّهِمت فيه السعودية بأنها دولة راعية للإرهاب، لكنّ الرجل صاحب الوجه الهادئ والصوت الرخيم فاجأ الإعلام الأمريكي وهو يدافع عن بلاده ضد تهم الإرهاب، ويحتل عشرات من الساعات التليفزيونية ليُجيب عن الأسئلة الصعبة، ولم يكن غريبًا أن يُصبح بعد ذلك وزير الخارجية وواجهة المملكة في صراعاتها، لكن يبدو أنّ المملكة أرادت أن تُصدر سياسة جديدة يمثلها رجلٌ جامح لا يخشى من إحداث الأزمات بتصريحاته، وهنا نعودُ مرة أخرى للسبهان.

بعدما أفسد السبهان فرصة السعودية لفتح سفارتها في العراق، عاد إلى بلاده لينتظر مفاجأة جديدة، فالمملكة لم تُعاقبه على جرعة الصراحة الزائدة في الوقت التي تشهد فيه حركة تنقلات ملكية لم تهدأ منذ تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد،  والذي أسند إليه منصب «وزير المملكة لشئون الخليج»، وهي ترقيه صاحبها المزيدُ من الأدوار، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة نفوذًا إيرانيًا، وحصارًا قطريًا.

المفارقة الغريبة، أنّ السعودية أرسلته مرة أخرى إلى العراق، لكن بمهمة جديدة، فالسبهان هذه المرة مسئول عن تقويض النفوذ الإيراني وتقوية موقف رئيس الوزراء العراقي الذي يواجه حاليًا منافسة من غريمه نوري المالكي المدعوم من إيران التي ترغب في إزاحته من منصبه لصالح حليفها القديم، لذلك فلا ضرر من أن يكتب السبهان تغريدة بمناسبة افتتاح منفذ عرعر الحدودي مع العراق بصحبة صديقه الجديد «برت ماكورك»، مبعوث الرئيس الأمريكي لمحاربة تنظيم الدولة، ويبدو أنهما يتقاسمان الدور ذاته، والسبهان لا يرغبُ في أن يظهر كالمتسامح الذي غيّر قناعاته إذ لا تزال تصريحاته المُسيئة ضد الحكومة العراقية على حسابه الشخصي على تويتر ولم تُحذف، فقط تختلط بالتغريدات التي تُعبّر عن العهد الجديد.

اختصاصات السبهان لمكافحة المدّ الإيراني لم تتوقف على بغداد؛ ففي زيارة لافتة إلى الرقة وهي خارج اختصاصاته الرسمية ظهر مرة أخرى مع صديقه «برت ماكورك» أول الشهر الماضي، عقب نجاح الأكراد في انتزاع المدينة من تنظيم الدولة، وتحدثت تسريبات أن زيارته غير المُعلن عنها جاءت بسبب تسلّم نحو 100 أسير سعودي ينتمون للتنظيم، غير أن الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي القريب من دوائر صنع القرار، أوضح أن الزيارة تأتي للتحضير لما بعد إحلال السلام، حيث إنّ المملكة تنوي فرض نفسها من خلال المساهمة في إعادة إعمار سوريا.

وبعدما أصبح السبهان رسميًا مسئول ملف التواجد الإيراني في المنطقة، يبدو أن دوره الحقيقي سيتصاعد خلال أزمة لبنان الحالية التي ساهم فيها بإغضاب الحكومة اللبنانية بتصريحاته التي ربما دفعت الفرقاء اللبنانيين لاتخاذ موقف مضاد للرياض، وبالرغم من أنه ليس خطأ السبهان الأول، إلا أن المملكة لا تزال متمسكة به لأنه رجلٌ يُحسن الصدامات!