في ليالي الشتاء الطويلة، يميل أغلبنا لأن يظل داخل المنزل وينعم ببعض الدفء، عوضًا عن الخروج إلى الشوارع الباردة. ولأن الإنسان «حيوان اجتماعي» بطبيعته، يحتاج في الشتاء إلى «رفقة» تعينه على تمرير الوقت خلال موسم السبات هذا، تلك الفترة التي تفصلنا عن الربيع، موسم النشاط وممارسة الأنشطة الاجتماعية. 

يقول البعض إن أجواء الشتاء الممطرة تجعل منا رومانسيين. فهو الموسم الذي اقترن به «الوله والشوق والحنين»، وله كتب الشعراء وغنى المطربون أغاني الحب الطويلة. لكن هل هناك سبب علمي يجعلنا نسعى وراء الحب في «الطقس البارد»؟ وهل يعني ذلك أن تتفكك علاقاتنا بانتهاء الشتاء؟

«موسم الاقتران بالأزواج».. ليس سعيًا وراء الحب

نعرف «اكتئاب الشتاء جيدًا»، هذا الشعور الجارف بالحزن الذي يسيطر على البعض منا في نهاية الخريف وحتى الربيع التالي، لكنه أحيانًا يتطور ليصبح أحد أنواع اضطرابات الاكتئاب، وهو ما يعرف بـ«الاضطراب العاطفي الموسمي». إذ يؤثر ظهور الشمس في السماء في الحالة المزاجية لأصحاب هذا الاضطراب، نجدهم في قمة نشاطهم خلال الصباحات المشمسة، في حين يعانون من العزلة والحزن والكآبة خلال فصلي الخريف والشتاء.

لا تؤثر المواسم في حالتنا المزاجية فقط، بل لها تأثيرات مباشرة في هرمونات الجسم، على سبيل المثال، تنخفض نسبة هرمون «السيروتونين» في أدمغتنا نتيجة عدم تعرضنا لأشعة الشمس مما يؤثر تأثيرًا مباشرًا في الحالة المزاجية، ويجعلنا أكثر عرضة لكآبة الشتاء، وقلقًا من أن نبدو وحيدين؛ وهو ما يحفز داخلنا رغبة البحث عن شريك.

Embed from Getty Images

يسعى البعض في الفصول الباردة إلى الدفء النفسي والجسدي، سواء من خلال الجنس أو المواعدة، وهو ما يجعل دوافع الارتباط بشريك في الشتاء تختلف عن الفصول الأخرى، مما يشير إلى تأثير المواسم في الإدراك والسلوك. ربما لهذا يعد الشتاء هو «موسم التزاوج»، حيث تؤثر الليالي الباردة والنهارات القصيرة في رغباتنا، حينها نبدأ السعي للاقتران بآخر، حتى وإن كانت علاقة مؤقتة تنتهي بانتهاء الشتاء.

وثَّق العلماء منذ وقت طويل تأثير التقلبات الموسمية في السلوك البشري. على سبيل المثال، رصد العلماء في دراسة نشرت عام 2013 زيادة إقبال الأفراد على دخول علاقات خلال فصل الشتاء، وذلك من خلال تحليل بيانات أبرز الموضوعات المتداولة على منصة البحث «جوجل» خلال خمس سنوات، وترتبط بالمواعدة، وقد وجدوا زيادة كبيرة في نسبة البحث عن الكلمات التي تتعلق بالجنس والعلاقات خلال أشهر الشتاء، خاصةً يناير (كانون الثاني).

وبناءً على بيانات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، فقد شهد زيادة كبيرة في تغيير الحالة الاجتماعية إلى «مرتبط» خلال الشهور الباردة، تمامًا كما ازدادت نسبة مشاهدات الأفلام الإباحية والبحث عن المحتوى الجنسي على المنصات الأخرى.

علميًّا.. لهذا ارتبطت «الأفلام الرومانسية» بفصل الشتاء

هل تساءلت يومًا لماذا ترتبط الأفلام الرومانسية بالشتاءِ والجلوس أمام نار المدفأة؟ ولماذا يجعلنا المطر نشعر بالحنين؟ أول إجابة تأتي على البال هي الحاجة إلى الحب، وقد يبدو ذلك من الوهلة الأولى صحيحًا، إلا أن بعض الأبحاث العلمية الأخيرة، قد كشفت عن أن ما يحركنا حينها هو «حاجتنا إلى الدفء».

عن ذلك نشرت «جامعة أوكسفورد» ورقةً بحثية عام 2012، تربط بين «الشعور الجسدي» بالبرودة، وتحفيز الحاجة إلى الدفء النفسي، بمعنى، تأثير برودة الطقس في تحفيز حاجة نفسية لدينا للشعور بالدفء، سواء على المستوى المادي أو على مستوى الشعور.

Embed from Getty Images

اعتمدت الدراسة على تحليل قاعدة بيانات خاصة بمنصات تأجير الأفلام عبر الإنترنت، وذلك للنظر في التفضيلات الشخصية لرواد المواقع خلال فصل الشتاء، وقد جاءت نتيجة الأبحاث تشير إلى ارتفاع ملحوظ في الإعجاب بـ«الأفلام الرومانسية» وازدياد قابلية الدفع الإلكتروني لتأجير الأفلام في الأيام التي شهدت انخفاضًا في درجات الحرارة.

تشير الدراسة إلى أن تأثير البرودة الجسدية في التفضيلات الشخصية للأفلام، كان مرتبطًا عادةً بالأشخاص الذين يربطون المحتوى الرومانسي بـ«الدفء النفسي»؛ إذ يحاول هؤلاء تصحيح شعورهم بالبرودة الجسدية، من خلال الرومانسية بوصفها نوعًا من أنواع التعويض.

تعد الأفلام الرومانسية في الأساس من المحتوى الموسمي الذي يسعى المنتجون لتقديمه في فصل الشتاء، من أجل إشباع حاجة المشاهد من المشاعر الدافئة. وكأنهم يمنحون الجماهير شعورًا وهميًّا بالدفء الجسدي.

هل تصبح النساء «أكثر جاذبية» في الطقس البارد؟

يشير العلماء إلى أن فصل الشتاء يرتبط بشكلٍ أساسي بـ«بيولوجيا» أجسادنا؛ إذ تتغير مستويات هرمون «التستوستيرون» على سبيل المثال عند الرجال، بل يجدون النساء أكثر جاذبية في الشتاء منها في الصيف، كما تتغير تفضيلاتهم الجنسية للمناطق التي يعدونها جذابة في جسد المرأة وفقًا للطقس.

اعتمدت الدراسة على رصد تفضيلات الرجال للنساء على مدار خمسة فصول من (شتاء 2004 إلى شتاء 2005)، وذلك من خلال تقييم مجموعة من صور النساء في المواسم المختلفة، وقد وجدت الدراسة أن الرجال قد صنفوا الصور ذاتها على أنها أكثر جاذبية في فصل الشتاء مقارنةً بالصيف.

Embed from Getty Images

أرجع الباحثون السبب إلى ما أسموه «تأثير التباين» أو التضاد، وذلك من خلال طرح المعلومات ونقيضها في الوقت ذاته، من أجل قياس التباين بينهما بشكلٍ أكثر دقة. كان الرجال موضوع الدراسة قد اعتادوا على رؤية أجساد النساء في الصيف بنسبةٍ أكبر من الشتاء، وهو ما خلق لديهم معايير للجاذبية أكثر صرامة وتطلعًا. بعكسِ الشتاء، الذي تصبح فيه النساء مغطاة من الرأس حتى القدمين، وهو ما يعمل على خفض معايير الجاذبية. 

على سبيل المثال، في الصيف يعتاد الرجال على رؤية النساء في أثواب السباحة، وبالتالي ترتفع لديهم المعايير الانتقائية لما هو أبعد من ذلك، على عكس ارتداء امرأة لثوبِ سباحة في الشتاء، حينها تبدو مثل حالة وحيدة نادرة. جاءت نتيجة الدراسة تشير إلى تغير معايير انجذاب الرجال إلى أجساد النساء بشكلٍ موسمي.

«السبات الشتوي» يجعلنا أكثر رومانسية

ما إن يحجب الضباب والهواء البارد ضوء الشمس، حتى نصبح أكثر ميلًا لأن نختبئ تحت الألحفة، نعتذر عن المناسبات الاجتماعية، ونجلس في المنزل أمام حواسبنا ونحن نحتسي مشروبًا دافئًا. أمر يشبه الدخول إلى حالة من «السبات الشتوي».

قد يبدو لنا الشتاء فصلًا يحفز العزلة والتأمل، إلا أننا لم نعرف الشتاء حقًّا، فقد اخترع المصباح الكهربائي منذ ما يزيد على قرن من الزمان. قبل ذلك، كانت ليالي الشتاء المظلمة أكثر حدة وكأنها لا تنتهي، حينها كان يمارس أسلافنا نمطًا آخر من الحياة؛ يشبه «السبات» في جوهره. وعلى الرغم من أن المصباح الكهربائي قد أضاء لنا الليل وجعل حياتنا أكثر سهولة من الأسلاف؛ فإننا ربما اعتدنا على حالة السكون هذه خلال الشهور الأكثر برودة من العام، لكن لنتغلب على طبيعتنا الاجتماعية، نسعى إلى جلب «رفقة» إلى عزلتنا الشتوية.

لهذا ظهر مصطلح جديد في العلاقات في الغرب، وهو علاقة «السبات الشتوي»، تلك التي تبدأ في الشتاء للتغلب على الشعور بالبرد وما يخلفه من وحدة وكآبة في نفوسنا، حينها يجتمع الشريكان ابتغاء الدفء الجسدي والنفسي طوال فترة السكون هذه، رغبةً في الشعور بالاحتماء، تحركهم خلالها غرائزنا الأولى في مواجهة التهديد بالبرد.

تحفز تلك الرغبة داخلنا اقتراب المناسبات الشتوية التي تتطلب رفقة، مثل احتفالات نهاية العام، و«عيد الحب» في فبراير (شباط)؛ وهي مناسبات لا يرغب الأفراد في قضائها وحيدين في عزلتهم. لذا يسعون للاقتران في علاقة ثنائية للتغلب على الوحدة والبرودة. لكن بعض الدراسات تشير إلى أنه ما إن يحل الربيع حتى تتفكك علاقات الشتاء وتبدأ في الانهيار.

ينتهي موسم «السبات والسكون» في آخر مارس (آذار) من كل عام، لتبدأ دورة جديدة في حياة العلاقات التي بُنيت على رومانسية البرودة، وفقًا للمختصة النفسية والاجتماعية دانييل فورشي؛ إذ تبدأ أجسادنا في إفراز المزيد من هرمون السيروتونين، من خلال التعرض الكافي لأشعة الشمس في الربيع والصيف؛ مما يؤدي إلى تحسين المزاج وتحفيز الشعور بالسعادة دون الحاجة إلى شريكٍ آخر.

كتب

منذ سنتين
«مغامرات في فن البقاء وحيدًا»: محاكم تفتيش أوليفيا لينج حول الوحدة المعاصرة

يرتبط ذلك بطريقة مباشرة، بانتهاء فترة السبات والحاجة إلى الخروج من عزلتنا، مما يحكم على علاقات الشتاء بالفشل، وهو ما أكده تحليل قاعدة بيانات موقع التواصل «فيسبوك»؛ إذ أشارت إلى ازدياد حالات الانفصال مع بداية فصل الربيع.

المصادر

تحميل المزيد