هناك شيئان مهمان في السياسة؛ الأول هو المال والثاني لا أستطيع تذكره!

هكذا أكد السيناتور مارك حنا، مدير الحملة  الرئاسية للمرشح الأمريكي ويليام ماكنلي عام 1896 م، نعم قال “مارك” هذه التصريحات في القرن ال19 مظهرًا دور المال في العملية السياسية والانتخابية، وبعد مرور عشرات العقود حتى وصلنا للقرن ال21 لا يبدو أن دور “المال” في العملية السياسية الأمريكية قد تغير كثيرًا!

فلا يزال المال يلعب دور رئيسيًا في العملية الانتخابية بأمريكا حتى عامنا الحالي، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على المال كأحد أهم قواعد الحملات الدعائية الانتخابية بأمريكا، مع الإشارة إلى 158 أسرة ثرية بأمريكا قد تشكل ملامح  الانتخابات الأمريكية القادمة، وسنبين أيضًا الجهود المبذولة لمحاولة إيقاف تأثير “المال” على السياسة:

تمويل المرشحين

 

عندما يعتزم مرشح أمريكي ما خوض  معركة انتخابية ما بأمريكا (رئاسية كانت أم برلمانية) فإنه يحتاج مصادر مادية لتمويل حملته الدعائية، ودائمًا ما يلجأ ذلك المرشح إلى جهة أو شركة ما كي تتبرع له لتمويل حملته الانتخابية، وهذه الطريقة تثير الجدل نظرًا للتأثير المُحتمل للمال الذي دفعته -إحدى الهيئات أو الشركات- على قرارات المُرشح وتوجهاته إذا نجح في الانتخابات ليلبي بدوره المصالح الاقتصادية للجهة المانحة، وقد أفادت دراسات عن رغبة الأمريكيين في إجراء تغييرات جذرية  في هذا النظام للدعاية الانتخابية وهو ما سنورده تباعًا من خلال التقرير مصحوبًا بمجهودات المجتمع المدني لتغييره.

هل يؤثر المال حقـًا؟

يقول توم كاربت الحاكم السابق لولاية بنسلفينيا بعدما تبرعت له شركات غاز وبترول ب1.7 مليون دولار  في حملته الانتخابية: “التبرعات لا تؤثر على قراراتي”  قال ذلك بعدما زعمت حملة مضادة بأن تبرعات شركات الغاز والبترول له سيعوضها بصفقة مع تلك الشركات تقتضي بتقليل الضرائب المطلوبة منها، وبهذا ينفي كاربت العلاقة بين المال و تأثيرها على قرارات المرشح، وهو ما يعارضه كثيرون.

في المقابل يعترض كثيرون على ما يقوله  “كاربت”  ومن أبرز تلك الآراء التي تؤكد على أن المال أصبح يتحكم في العملية هو ما قاله سن برني ساندرس المرشح للرئاسة الأمريكية:  “تمتلك كل من طبقة المليونيرات و طبقة المليارديات بشكل متزايد في العملية السياسية، فهما يمتلكان السياسيين الذين يذهبون إليهما بحثـًا عن التبرعات والأموال، ونحن بذلك ننتقل بشكل سريع جدًا من المجتمع الديموقراطي إلى مجتمع يتحكم فيه الأقلية حيث يتحكم المليارديرات في تحديد من المسئول المنتخب”، وتجدر الإشارة إلى أن “برني” جمع 15 مليون دولار لحملته الانتخابية من صغار المتبرعين ولم يعتمد في جمعهم على شركة أو هيئة بعينها.

158 أسرة ثرية تمول حوالي نصف الحملات لانتخابات 2016

GERMANY, BONN - JUNE : Liechtenstein back on the blacklist of tax havens. Our picture shows a snowglobe with the princely castle in Vaduz. In the background the dollar symbol. (Photo by Ulrich Baumgarrten via Getty Images)

ما قال ساندرس يتسق مع تحقيق أجرته صحيفة نيو يورك تايمز  حول تأثير المال على العملية السياسية والانتخابية بأمريكا ، وتحديد أكبر  “الممولين”  للحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية لعام 2016 ، وتحدثت الصحيفة عن 158 أسرة بأمريكا لم يكونوا من طبقة الأثرياء بالشكل التقليدي ولكنهم امتلكوا الثروة سريعًا من ” الذين دخلوا لعبة رأس المال في نيويورك، أو اشتروا حقوق استغلال النفط في تكساس بأقل من ثمنها، أو وضعوا أقدامهم في عالم هوليوود وإنتاج الأفلام” وتنتمي أكثر من 12 أسرة منهم إلى بلدان كإسرائيل وكوبا والهند وباكستان.

و كشفت الصحيفة أن 158 أسرة ثرية فقط ضخت –حتى الآن- نصف أموال الحملات الدعائية الأولية  للمرشحين الديمقراطيين والجمهوريين بدفع 176 مليون دولار، وتميل تلك الأسر في مجملها لدعم الجمهورييين؛ فهناك 20 أسرة منهم فقط يدعمون الديموقراطيين، بينما تدعم ال138 أسرة الباقية المرشحين الجمهوريين الذين يدعمون الطموحات الاقتصادية لتلك الطبقة؛ إذ يميل “الجمهوريون إلى تخفيف الضوابط على حركة رأس المال، وتخفيض الضرائب على الدخل والأرباح والثروات التي تتم توارثها  من جيل لآخر”.
وترى الصحيفة ذلك الدعم تجاه الجمهوريين” يعزز الرأسمالية المتطرفة ويضع سقفـًا لطموحات شرائح ديمغرافية واسعة بدأت تميل بقوة في السنوات الأخيرة للديمقراطيين، مثل الشباب واللاتينيين والأفارقة.”
ولفتت الصحيفة إلى عدد من الاستطلاعات التي تظهر طموحات الشعب الأمريكي التي تتناقض مع الرغبات الجمهورية اليمينية حيث ” يرى ثلثا الأمريكيين أن الضرائب يجب أن تكون أكبر على من يحصلون على أكثر من مليون دولار سنويًا طبقًا لإحدى استطلاعات الرأي، في حين يقول 60% منهم بأن الحكومة يجب أن تضطلع بدور اقتصادي لسد الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء على غرار نظم الرفاهية في الاتحاد الأوروبي، ويميل 70% إلى حماية منظومة الضمان الاجتماعي والصحي كما هي.”
وأشارت الصحيفة إلى أنه بذلك يحدث  ما يسمى ب”تقويض الديموقراطية” بأن تؤثر تلك الأسر  الثرية التي تمثل الأقلية على العملية السياسية على حساب الأغلبية من متوسطي الدخل وهو ما أدى إلى “أن معظم أعضاء الكونجرس الأمريكي هم من المليونيرات الصغار على أقل تقدير إن لم يكن المليارديرات، على العكس من برلمانات أوروبا التي تمثل الطبقة الوسطى جزءًا كبيرًا منها” ولفتت الصحيفة إلى أن الثراء السريع اقتصاديا التي حققته تلك الأسر تسعى إلى تحقيقه أيضًا سياسيًا، من خلال عمليات “اللوبي” وإنشاء مراكز  لدعم  اتخاذ القرار “ثينك تانكز” كي يحتلوا المناصب الديبلوماسية مثلما فعل بوش الابن، وتسحب تلك المراكز من تحت أقدام الكوادر الأكاديمية التي ينتمي معظمهم للطبقة الوسطى  ويدعمون الديموقراطيين بحسب الصحيفة.

الجهود إصلاحية بنظام الدعاية السياسية الأمريكية

 

أفادت استطلاعات رأي بأن 85% من الأمريكيين يريدون إحداث تغييرات جذرية أو إعادة هيكلة نظام تمويل الحملات الانتخابية بينما يرى 13% أن النظام يحتاج “تعديلات بسيطة فقط بشكل ضروري”.

ومن هذا المنطلق أسس “لورانس ليسيج” الأستاذ بجامعة هارفارد حملة تستهدف اجتذاب مرشحين للكونجرس الأمريكي يتعهدون-إذا نجحوا-  بتبني إصلاحات جذرية بالقانون الأمريكي في نظام تمويل الحملات القائم، وتقوم الحملة بتمويلهم عن طريق خطة ترتكز على حث المجتمع والرأي العام –وليس كل شخص بعينه- على التبرع لدعم هؤلاء المرشحين الذين تعهدوا بتحقيق أهداف وتغيير قانون الدعاية، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه هؤلاء المرشحين.

 

وقد أطلق ليسينج على الحملة اسم MAYDAY  وهو مصطلح يعبر عن نداء استغاثة يستخدم في الراديو للتعبير عن أن هناك “خطأ جسيم”، وكانت تحت شعار”لنستعد ديموقراطيتنا مرة أخرى” ويلخص “ليسينج” المشكلة في أن 0.05% فقط من الشعب الأمريكي يمولون حملات المرشحين للكونجرس، وبذلك تسيطر الأقلية الغنية على الأغلبية من خلال دعمها المباشر للمرشحين أو غير المباشر من خلال جماعات الضغط “اللوبي”، ويسعى ليسينج لتوسيع نسبة الممولين من الشعب وعددهم، بدلاً من اقتصارها على أصحاب المال والنفوذ لتعبر الانتخابات عن ديمقراطية حقيقية تمثل الأغلبية لا الأقلية الغنية.

وتعتمد الحملة على 4 مراحل الأساسية: الأولى هي اجتذاب المرشحين المجمعين  لهدف الإصلاح القانوني باختلاف توجهاتهم، وبعد ذلك تحقيق الأغلبية بكونجرس 2016، وفي 2017 يضغطون على الرئيس لإجراء إصلاحات تشريعية في قانون التمويل الانتخابي، وبعد  انتخاب الكونجرس بموجب النظام الجديد، سيتم الضغط لتمرير الإصلاحات الدستورية اللازمة.

وقد نجح مرشحان دعمتهما الحملة في انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس عام2014، أحدهما من الحزب الجمهوري والآخر من الحزب الديمقراطي من أصل 8 مرشحين تبنتهم الحملة (5ديمقراطيين و3 جمهوريين) وهو ما قد يثير الشكوك حول قوة الحملة ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها الطموحة، وقد شارك في الحملة العام الماضي أكثر من 50 ألف مواطن أمريكي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد