دائمًا ما يلقى باللوم على حزب الله فيما يخص تصاعد التطرف والعنف في لبنان بسبب تدخله “الواسع” في الحرب السورية. إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

أحد الأصدقاء اللبنانيين الذي رافق الكاتبة مؤخرًا إلى طرابلس في شمال لبنان أخبره أن الرحلة إلى المدينة لا تكتمل دون جولة ليلية بالسيارة في شارع سوريا – في الاتجاه الخاطئ. إن شارع سوريا هو خط أمامي للمعركة الدائرة بين حي باب التبانة الذي تقطنه أغلبية سنية وبين جبل محسن المعقل الرئيسي للعلويين، والتي أسفرت عن مقتل 27 شخصًا في 12 يومًا فقط في مارس الماضي.

عندما تزامنت جولة الكاتب مع صديقه مع الانفجار المفاجئ للألعاب النارية في مكان قريب منهما، أظهر الكاتب استعداده للمعركة بالانبطاح فزعًا على أرضية السيارة. أما بالنسبة لاستعداد المقاتلين للمعركة، فربما يشير انتشار أعلام تنظيم القاعدة في باب التبانة على مساهمة الحرب في سوريا في إصباغ مسحة الاحترافية على بعض المشاركين في الصراع الداخلي في لبنان – بتوفيرها ساحة لتدريب المتشددين.

ذكرت صحيفة واشنطن بوست في 18 مارس الماضي “ميدل إيست آي” أنه “يبدو أن تنظيم القاعدة يعمل باطراد على بناء شبكات الدعم وتوسيع نطاق تواجده في لبنان، حيث تتنامى المخاوف من أن تدفق أعداد جديدة من المتشددين من المنطقة الحدودية السورية قد يعزز صفوف المجموعة الإرهابية ويزيد من عدم الاستقرار”.

في الواقع، أدت الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش السوري في النزوح الجغرافي لبعض القوى الجهادية التي تقاتل ضد الرئيس السوري بشار الأسد. فوفقًا لصحيفة نيويورك بوست فإن “تدفق المقاتلين إلى لبنان هو مثال آخر على انتقال الحرب السورية عبر الحدود”.

وفي الوقت الذي لا ينكر فيه أحد الأصداء الإقليمية الضارة المترتبة على الحرب، أصبحت وسائل الإعلام الدولية الرئيسية في حالة فزع من خطر اندلاع موجة من الهجمات الإرهابية مستوحاة من فكر تنظيم القاعدة وتعتبر بمثابة اختزال “غير مباشر” للوضع في سوريا. الجزء الثاني هذا الاتجاه هو أن اللوم يقع على عاتق حزب الله لانغماسه في الصراع السوري إلى جانب الحكومة السورية.

إن تجاهل تحليلات وسائل الاعلام للتاريخ وتزييف الواقع ليس شيئًا جديدًا. فإذا ما أمعنا النظر سنكتشف الكثير عن المستفيدين النهائيين من هذا التدخل “الواسع”، فضلاً عن التكهن بآفاق مستقبل لبنان. ومهما كانت وجهات نظر المرء حول مشروعية هذه المسألة، فإن تعاون حزب الله مع الحكومة السورية ليس المؤثر الوحيد، وينبغي ألا يؤخذ باعتباره العامل الأساسي لإنشاء فرع تنظيم القاعدة في لبنان.

وكما كتب آرون لوند، رئيس تحرير مؤسسة كارنيغي على موقع الأزمة في سوريا، في رسالة للكاتب بالبريد الالكتروني: “إن الهجمات على حزب الله والأهداف الشيعية (في لبنان) من قبل الجهاديين السنة تتعلق بالطبع بتورط حزب الله بالحرب في سوريا، لكن هذا لا يعني أن مثل هذه المجموعات كانت تتمتع من قبل بعلاقات جيدة مع المسلمين الشيعة أو حزب الله وإيران”.

أضاف أيضًا بأن الوعد الذي قطعته بعض الجماعات بوقف مثل هذه الهجمات في حال انسحاب حزب الله من سوريا هو “وسيلة فعالة لتبرير الهجمات وجذب مجندين جدد” من الطائفة السنية في لبنان.

الجهاد السياسي

دعونا نركز للحظة على عدم وجود سابقة من العلاقات الودية التي أشار إليها لوند. إحدى الحركات الجهادية التي تتمتع بأهمية خاصة على الأراضي اللبنانية وسبق تواجدها الحرب في سوريا هي منظمة فتح الاسلام، التي تتخذ من مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بالقرب من طرابلس معقلاً لها والتي كانت قد تلقت هزيمة من قبل الجيش اللبناني في معركة طويلة في عام 2007. مما يعد مثالًا على فظاعة العقاب الجماعي، وقد ساهم في التذكير بتدمير الجيش للمخيم بأسلوب الدولة في المعاملة القاسية والفصل العنصري تجاه السكان الفلسطينيين المحليين.

قبل وقت قصير من بدء المعركة، كان الصحفي الشهير سيمور هيرش قد كتب لمجلة نيويوركر عن جهود تبذل من قبل المسؤولين السنيين البارزين وشركائهم من أجل زيادة حجم التطرف السني في لبنان كوسيلة لمواجهة حزب الله، على سبيل المثال، قيل إن الملياردير ورئيس الوزراء سعد الحريري قد دفع كفالة للمتشددين الذين تدربوا على أيدي القاعدة والذين كانوا قد اعتقلوا أثناء سعيهم لتدشين دويلة إسلامية في البلاد.

ثم تورط رئيس الحكومة الذي تلاه فؤاد السنيورة أيضًا في الجهاد على ما يبدو، يقتبس هيرش كلام العميل السابق للاستخبارات البريطانية اليستير كروك حول ظهور فتح الإسلام في مخيم نهر البارد: “قيل لي أنه في غضون 24 ساعة سيجري تقديم الأسلحة والمال لهم من قبل أشخاص يقدمون أنفسهم كممثلين لمصالح حكومة (السنيورة)”.

في أعقاب مواجهة نهر البارد، سجن العديد من نشطاء فتح الإسلام في السجون اللبنانية، وعلى الأخص في سجن رومية شمال بيروت. وقد شوهد بعض هؤلاء المتشددين كمقاتلين في الحرب السورية بعد هروبهم الغامض -ربما بتسهيل من قبل حراس السجن– وبقدر امتداد “آثار ذلك الهروب”، يبدو أن الأمور يمكن أن تمتد في كلا الاتجاهين.

في أمثلة أخرى على مدى التسيب داخل ذلك السجن، بحكم الواقع يقضي السجناء الإسلاميون السنة وقتًا ممتعًا في المجمع (ب) في سجن رومية –حيث تتوفر لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف النقالة– مما يعني أن العمليات الإرهابية في سوريا ولبنان يمكن أن تدار من داخل مجمع السجن. وهذا الترتيب يدعو بطبيعة الحال إلى التشكيك في جدوى وجود سجون في المقام الأول.

عندما سأل الكاتب رضوان مرتضى الذي يعمل في جريدة الأخبار اللبنانية لماذا لا يضع المسؤولون اللبنانيون حدًا لعمل مركز القيادة في سجن رومية، لنقل مثلاً عبر قطع الاتصال بشبكة الانترنت أو مصادرة الأجهزة التكنولوجية، أجاب بأن المصالح السياسية في الحفاظ على هذا الوضع كبيرة جدًا. وفقًا لتحليله، فإن التساهل مع تلك المنظمات الأصولية السنية ينبع من مساهمة تلك المنظمات في زراعة صورة لمجتمع مضطهد يواجه تهديدًا وجوديًا من طرف حزب الله، والذي يصور على أنه قد دخل سوريا لغرض وحيد هو إبادة السنة.

كما أنه ليس سرًا أن النظام اللبناني الطائفي مؤسسيًا يشجع السياسيين على استغلال الخلاف الطائفي. في بيان إبداعي في يناير الماضي، سعى زعيم تيار المستقبل ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري ليس فقط إلى إلقاء لوم إزكاء نار الفتنة على حزب الله ولكن أيضًا إلى محو وجود حزب الله من التكوين المحلي اللبناني، حيث قال: “إن اللبنانيين، ومن بينهم السنة، يرفضون أن يكونوا جزءًا من أي حرب في لبنان أو المنطقة بين حزب الله والقاعدة”.

بصرف النظر عن الأعمال التجارية الصغيرة الخاصة بالحريري، أو حقيقة أن بعض مقاتلي فتح الإسلام السابقين جرى إعادة دمجهم في منظمات جديدة على صلة بتنظيم القاعدة.

تعزيزات طائفية

يؤكد مرتضى أن واحدًا فقط من هذه المجموعات الثلاث الرئيسية التابعة لتنظيم القاعدة هي التي تنشط في لبنان، كتائب عبد الله عزام، والتي تعتبر في الوقت الحاضر البلاد كساحة للجهاد. المجموعتان الأخريان هما -دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام (داعش) وجبهة النصرة– واللتان تعتبران الأراضي اللبنانية ذات فائدة فقط بقدر ما تساعد على الجهاد في سوريا.

بعض من أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ لبنان التي وقعت مؤخرًا كانت من تدبير كتائب عبدالله عزام. ففي نوفمبر عام 2013 على سبيل المثال، أودى تفجيرين انتحاريين بحياة 23 شخصًا استهدفا السفارة الايرانية في بيروت، في حين أن الهجمات التي تبنتها كل من داعش وجبهة النصرة قد أنتجت انفجارات أقل قوة وأقل في الخسائر.

أطروحة مرتضى أُكدت في مقابلة له الشهر الماضي مع قائد جبهة النصرة، الذي أوضح أن عمليات النصرة وداعش في لبنان حتى الآن قصد بها بعث “رسائل” إلى حزب الله بشأن تورطه في سوريا، إلا أن فشل نقل الجهاد إلى الساحة اللبنانية ليس لعدم وجود القدرة. فكما يلاحظ مرتضى، فإن القيادي الذي جرت معه المقابلة لا ينكر إمكانية مثل هذا الانتقال في المستقبل القريب.

أصبحت الأرض اللبنانية خصبة لمثل هذا الانتقال وذلك بفضل الزيادة في شعبية الإيديولوجية والحركات المتطرفة بين اللبنانيين السنة، شعبية تعتمد بشكل كبير على الدعاية السياسية الدينية السنية التي تضع الوجود السني في مرمى النيران الشيعية. بالإضافة إلى مجموعات تنظيم القاعدة الثلاث الآنفة الذكر، فإن رجل الدين السني المتشدد أحمد الأسير من مدينة صيدًا بجنوب لبنان يتسبب أيضًا في إشعال الأمور.

مراسلة قناة الجزيرة نور سماحة كانت قد أجرت مقابلة مع الأسير في يونيو 2013 قبل المواجهة الدامية في صيدا مع الجيش اللبناني، وهي مؤسسة إعلامية كان قد اتهمها مرارًا بأنها في تعاون وثيق مع حزب الله وإيران. في تقريرها الذي سجلته، أشارت سماحة إلى بعض أسباب شهرت الأسير حديثًا. ففي السنة السابقة، ألقى الأسير خطبة نارية، اتهم فيها حزب الله وحركة أمل، حزب آخر يهيمن عليه الشيعة، ببيع لعب على هيئة مدافع رشاشة في الضاحية الجنوبية في بيروت، وتشجيع الهجوم على عائشة زوجة النبي محمد، وقد أكدت التحقيقات حول اللعب المزعومة أنه لا وجود لها في الواقع”

وكما أشارت سماحة “فإن نتائج التحقيقات مضت دون أن يلاحظها العديد من المسؤولين في جميع أنحاء البلاد، مما أثار غضب الأسير ومعظم وسائل الإعلام”.

لا شيء من هذا يعني أن التوتر بين السنة والشيعة في لبنان هو مجرد نتاج لمخاوف وهمية بعينها لدى السنة وخطاب الكراهية الذي يدار من قبل رجال دين حمقى وسياسيين مخادعين. فلبنان ليس غريبًا على ظاهرة الطائفية المتناحرة؛ فقد تميزت الحرب الأهلية اللبنانية – التي استمرت بين عامي 1975 و1990 وتم استغلالها إلى أقصى الحدود من قبل أطراف خارجية – بحوادث إعدام على جانب الطريق لسائقي السيارات على أساس الطائفة الدينية المحددة في هويتهم. وغني عن القول إن تلك الحرب لا ينساها التاريخ.

إن حقيقة أن حزب الله هو الميليشيا الوحيدة من حقبة الحرب الأهلية المسموح لها رسميًا بالاحتفاظ بالسلاح تشكل مصدر قلق لكثير من السنة، على الرغم من الدور الاستثنائي الذي لعبته هذه الأسلحة في الدفاع عن لبنان ضد العدوان الإسرائيلي. علاوة على ذلك، فإنه ليس من الصعب إدراك أن صعود السلطة السياسية والاجتماعية الشيعية في أماكن مثل لبنان والعراق سوف ينظر إليه على أنه يهدد المجتمعات السنية، وخاصة في سياق يقلل من التقسيم الطائفي.

ولكن على الرغم من أن القلق السني لا يخلو تمامًا من أسس عقلانية، فإن هذه الأسس يجري تحريفها بواسطة الخطاب الجهادي بشكل يصعب التعرف عليها. من وجهة النظر السياسية والعسكرية والاجتماعية، فمن مصلحة حزب الله تجنب الصراع الطائفي، وهو ما يدفع المنافسين للحزب بشكل ما للنظر إلى فكرة الصراع باعتبارها جذابة جدًا.

كما هو الحال بالنسبة للشيخ الأسير، فقد وضع الجهاديون في طرابلس وأماكن أخرى الجيش اللبناني موضع العدو بل والدولة نفسها، ونفذوا هجمات مختلفة وفقًا لذلك ردًا على مزاعم تواطؤ الجيش مع حزب الله.

بطبيعة الحال، عندما تعتقل الشرطة ذوي اللحى وأصحاب العلامات الواضحة الأخرى عن التوجه الإرهابي، فهذا عمل ليس بالكثير لمواجهة مزاعم السنة بشأن عنصرية الدولة والاضطهاد (حتى إذا ما تبين أن المعتقل مطرب هيب هوب شيعي).

صناعة الإرهاب

في الرسالة الالكترونية التي أرسلها لوند للكاتب، شدد على ارتفاع في شعبية الجهاديين في لبنان بسبب الحرب السورية: “بالنسبة للمجموعات الصغيرة والمتفرقة من الجهاديين اللبنانيين فقد كانت هبة من الله رؤية هذه الفصائل الجهادية الأكبر والأفضل تمويلاً مثل جبهة النصرة تصعد إلى السلطة عبر الحدود”. وأضاف: “انهيار سوريا جعلها تبدو جارًا مشابهًا لأفغانستان وهو ما ساعدهم على التوجس وجذب المجندين”

إن ذكر أفغانستان يجب أن يطلق أجراس الإنذار في ذهن أي شخص يخشى من تكرار محتمل للتاريخ. بتجاوز الأهمية الواضحة لأفغانستان -نظرًا لأصول تنظيم القاعدة في الحرب السوفيتية في أفغانستان (1979-1989) ووظيفة الحرب كنقطة جذب لمتشددين إسلاميين من كل أنحاء العالم- ينبغي أن نتذكر أن المجاهدين تمتعوا بدعم كبير من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهما اثنين من اللاعبين الذين لا يستهان بهما في الصراع السوري.

بطبيعة الحال، فإن الولايات المتحدة قد عانت كثيرًا لتتبرأ من العناصر الإرهابية التي تقاتل الأسد، حيث أضافت جبهة النصرة إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لعام 2012. ومثل هذه التحركات تمنع وصول الأسلحة والأموال الأمريكية إلى أيدي وجيوب الجهاديين.

وفي أعقاب إضافة جبهة النصرة إلى قائمة الإرهاب، واصلت الولايات المتحدة مساعدة الجيش السوري الحر المناهض للأسد، بمده بمختلف العوامل المعقدة. من ناحية، لا يمكنك أن تضمن بأن الإمدادات لن تغير فكر أصحابها. ومن ناحية أخرى، وكما أشار لوند وردد مدير مكتب الشرق الأوسط السابق لهيئة الاذاعة البريطانية بول داناهار نفس الكلام، بأنه ليس هناك جيش سوري حر بالأساس.

المملكة العربية السعودية تنفي رعايتها الجهاد في سوريا أيضًا، على الرغم من أن بعض المراقبين قد أثبتوا عكس ذلك. في تقرير في مجلة غلوبال أجري بشراكة مع الإذاعة العامة الوطنية، يؤكد الصحفي ريس إرليخ -مؤلف كتاب “من داخل سوريا” الذي سيصدر قريبًا- أن المئات من الجهاديين السعوديين يسافرون إلى سوريا بموافقة ضمنية من آل سعود، وبدعم مالي من النخب السعودية، وأن “الأثرياء السعوديين وكذلك الحكومة يقومون بتسليح بعض الجماعات المتمردة السورية”.

يقتبس إيرليخ كلام محمد فهد القحطاني، أستاذ الاقتصاد السعودي و الناشط في مجال حقوق الإنسان، الذي يزعم أن دعم المملكة العربية السعودية جبهة النصرة يمثل نسخة مصغرة من جهودها في أفغانستان إبان الاحتلال السوفييتي ولكن، في نهاية المطاف، “لا أحد يريد عدم الاستقرار”

من وجهة نظر إنسانية عاقلة، فإن التقييم التالي قد يبدو مبتذلًا. ولكن صناعة الإرهاب تعمل مع منطق معاداة الإنسان. لذا فإن خلق والحفاظ على أعداء مثل تنظيم القاعدة لا يبرر فقط نفقات الدفاع الهائلة التي تترجم في صورة أرباح للشركات ولكن أيضًا صورة دولة القمع ودهس الحقوق باسم الأمن القومي.

هناك بعض التفاصيل ذات الصلة من العراق: بعد ثلاث سنوات ونصف من وعد الولايات المتحدة بأن حربها المثيرة وباهظة الثمن ستنتج “بلدًا موحدًا ومستقرًا وحرًا” وكذلك “الدفاع عن العالم من خطر محدق”، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن “تقييمًا عميقًا لاتجاهات الإرهاب أجرته وكالة الاستخبارات الأمريكية أظهر أن الغزو الأمريكي واحتلال العراق ساعد على إنتاج جيل جديد من التطرف الإسلامي وأن التهديد الإرهابي بشكل عام قد زاد منذ هجمات سبتمبر”.

ومع ذلك، فإن انتشار مثل هذه المغامرات الإمبريالية يجذب القليل من الاهتمام في الخطاب الإعلامي السائد، ويرجع ذلك جزئيًا لأن الحرب تعني المال للشركات الأميركية. أما بالنسبة للزعم بأن حزب الله يتسبب في استمرار الحرب في سوريا، فمن الجدير ذكر أنه مع كل مظاهر القلق الأمريكي المعلن على الدوام حول استقرار لبنان، فهي ترسل مساعدات تزيد على 3 مليار دولار سنويًا لدولة إسرائيل – الكيان المسؤول عن قتل ما يقرب من 1200 شخص في لبنان في غضون 34 يومًا في عام 2006، وغالبية القتلى من المدنيين، باستخدام آلة تدمير تدعمها دفعات الأسلحة القادمة من الولايات المتحدة.

مبدأ فرق تسد البسيط والفعال

بالإضافة إلى كونهم رفاق السلاح، فإن إسرائيل والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية قد شاركوا في نشر وجهة نظر تصنف إيران كعدو للعالم، وحزب الله كمنظمة إرهابية. ومن بين المؤهلات الإرهابية للمنظمة، دورها باعتبارها المقاومة الوحيدة الفعالة للإرهاب الإسرائيلي.

تنوع تورط إسرائيل نفسها في سوريا من الغارات الجوية إلى العلاج الطبي والتبرعات المالية للمتمردين الجرحى. في تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى صادر في يناير – وهو مركز أبحاث اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة – توقع المعلق الاسرائيلي ايهود يعاري أن “أشكالًا أخرى من المساعدة قد تكون في الطريق كذلك، يهدف ذلك ظاهريًا إلى “منع أو على الأقل إبطاء حركة” جماعات مثل تنظيم النصرة وداعش وإحباط قدرة تنظيم القاعدة على فتح جبهة مع إسرائيل”.

ومع ذلك في الواقع، فإن توسع سيطرة الجهاديين على طول الحدود الشمالية لإسرائيل ليس في الحقيقة مناوئ للأهداف الإسرائيلية. كما تقول أمل سعد غريب، وهي أكاديمية لبنانية ومؤلفة كتاب “حزب الله: بين السياسة والدين”، فإن انتشار الهجمات المستوحاة من القاعدة في لبنان تعد بمثابة وسيلة “القضاء على مقاومة عن طريق فتح جبهات قتال متعددة وتشتيت قواتها”.

علاوة على ذلك، فإنه من غير الواضح لماذا ستلقى اسرائيل معارضة لإعطاء تنظيم القاعدة مكانًا أكثر بروزًا على قائمتها للتهديدات الوجودية المزعومة. وبالطبع، يتم التذكير بتلك التهديدات بانتظام لتبرير طريقة تعامل إسرائيل الوحشية، وتجنب الاضطرار للتكفير عن جرائم التطهير العرقي بحق الفلسطينيين.

لا يكتمل الحديث حول تصاعد الصراع الطائفي في المنطقة دون ذكر مبدأ فرق تسد البسيط والفعال. في ذكرى افتتاح الجزيرة العام الماضي، أكد المحلل القاطن في تورونتو حسين مرتضى على وجود جهود متضافرة لإبطال فكرة الكراهية المتأصلة والقديمة بين المسلمين السنة والشيعة: “تسعى القوى الغربية وحلفاؤهم المحليون إلى زيادة حدة هذه الانقسامات الزائفة من أجل إدامة النزاع والحفاظ على الشرق الأوسط منقسم بشدة وغير قادر على التوحد”

في الوقت الذي لا ينكر فيه أحد وحشية الأسد القاتلة، فليس هناك أيضًا من ينكر الوحشية الأكبر التي لحقت بالمنطقة في التاريخ الحديث من قبل الغرب وأصدقائه، حيث أنه وفقًا لقانون النزاعات فإن ذلك يساعد على تحقيق ربح دائم من تضخيم وجود القاعدة.

وبما أن دخول حزب الله إلى أرض المعركة السورية قد حدث بعد دخول الجهاديين السنة – الأمر الذي يؤكد على الطبيعة الدفاعية لأفعاله، وتعهده بالحفاظ على قدرات المقاومة – فقد سهل أيضًا من مهمة هؤلاء الذين يتوقون لإشعال حرب طائفية على الأراضي اللبنانية.

ما يعنيه كل هذا هو أن البلاد سوف تستمر في التمتع بنفس الخيارين الذين كانا قائمَين دومًا: البقاء على حافة الهاوية أو السقوط داخلها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد