على مدى تاريخها الطويل ظلّت الجزائر مطمعًا للغزاة؛ فتعاقب على غزوها العديد من الإمبراطوريات التي سكنت المتوسط؛ وعلى رأسها الإمبراطورية الرومانية التي احتلت الجزائر لستة قرون (146 ق.م إلى 430م)؛ والتي خلفت، إلى جانب الكثير من الأوجاع لدى ساكنة الجزائر (سميت نوميديا حينها)؛ مدنًا وآثارًا عمرانية وتاريخية لا تزال شاهدة على تلك المرحلة من التاريخ.

ومن بين ما تركت روما للجزائريين قبل رحيلها عام سنة 430م (تاريخ هجوم الوندال على شمال أفريقيا) مدينة «تيمقاد» أو «تاموقادي»؛ شرق الجزائر والتي بنيت فوق جبل صخري وتحيط بها مناظر خلابة، والتي أصبحت قبلةً للمهووسين بالتاريخ، والتي لا يزال الجزائريون يحتفلون على مسرحها الأثري حتى اليوم.

«تيمقاد».. تخليدًا لاسم أخت الإمبراطور الروماني «تراجان»

في عهد الإمبراطور الروماني الشهير تراجان الذي حكم في الفترة من 98م إلى 117م؛ تحوّلت روما إلى أبرز عواصم العالم القديم التي تنفرد بثراء معماري وتخطيطي فائق الجمال؛ هذا التخطيط والتصميم العمراني لم يكن في الحقيقة حكرًا على مدينة العاصمة روما؛ بل تعداه إلى كبرى المدن والمستوطنات الرومانية في شمال أفريقيا؛ وكانت هذه سياسة متبعة من الإمبراطور الروماني، أن يشيّد «روما صغيرة» في كلّ مستعمرة.

وبنى تراجان، مدينة «تيمقاد» في عام 100م، لتكون إحدى المستعمرات المزدهرة التابعة للإمبراطورية الرومانية في أفريقيا، وتحديدًا في الصحراء الكبرى بالجزائر وأطلق عليها في البداية اسم «مستعمرة ماركيانا ألبيا تريانا تاموقادي» تخليدًا لذكرى اخته الكبرى «ألبيا ماركيانا»، ولا تزال إلى يومنا هذا تسمى «تيمقاد» أو «ثاموغادي» التي تعني باللغة اللاتينية «أم الرخاء» أو «أم الهناء».

 

قوس النصر بمدينة تيمقاد لا يزال صامدًا منذ ألفي سنة

قوس النصر بمدينة «تيمقاد» لا يزال صامدًا منذ ألفي سنة

وكانت «تيمقاد» المركز الحيوي لروما فيما يخص إنتاج الحبوب؛ كما أنّها كانت مركزًا للفيلق الأوغسطي الثالث الذي كانت مهمته حماية الأرض ونقل الحبوب إلى روما، لذلك احتلت مدينة «تيمقاد» موقعًا إستراتيجيًا مهمًا لحماية الحدود الجنوبية للإمبراطورية الرومانية من جهة وتأمين الحبوب ومستراحًا للجنود المسرحين والمتقاعدين.

وأُسندت مهام بناء المدينة التي كانت في بادئ الأمر مركزًا لراحة قدامى المحاربين الرومان والجنود المسرحين من الجيش الروماني؛ إلى الفرقة الرومانية الثالثة أو ما يسمى بـ«الفيلق الأوغسطي الثالث» والذي كان بمثابة القوة الضاربة في الجيش الروماني.

مدينة مُشيَّدة على شكل رقعة شطرنج

شيّدت المدينة الرومانية الجديدة عبر استخدام النظام الروماني للتخطيط فكان تصميمها أشبه بـ«رقعة الشطرنج»؛ فشكلها الخارجي كان مربعًا تمامًا؛ بحيث يحيط بها سور على شكل مربع يبلغ طوله حوالي 355 مترًا في كل جانب من الجوانب الأربعة.

واقتبس مخططها العمراني من المدن الرومانية التي شيدتها روما في مستعمراتها؛ فكان الشارع العابر من الشمال إلى الجنوب في «تيمقاد» يسمى «كاردو ماكسيموس»؛ أما الشارع العابر من الشرق إلى الغرب يسمى «ديكومانوس ماكسيموس»

ولكن على عكس المدن الرومانية المعتادة، لم يكن «الكاردو» في «تيمقاد» يشغل الطول الكامل للمدينة بل كان ينتهي في مركز «تيمقاد»، عند ساحة التجمع؛ وهذا الأخير هو تفصيل مميز آخر للتخطيط العمراني الروماني؛ باعتبار التجمع ميدانًا عامًّا يمكن أن يبيع فيه السكان السلع، أو من أجل التجمعات العامة.

شيّدت مدينة تيمقاد على شكل رقعة شطرنج

مدينة تيمقاد على شكل رقعة شطرنج

وفي جنوب تلك الساحة؛ بُني المسرح بعد 60 عامًا تقريبًا من تأسيس «تيمقاد»، ويتسع المسرح لحوالي 350 شخصًا؛ وحتى لحظتنا هاته لا يزال ذلك المسرح سليمًا وتقام فيه المهرجانات الموسيقية صيف كلّ سنة في ما يعرف بـ«مهرجان تيمقاد الدولي». 

وفي منتصف القرن الثالث الميلادي، بلغ عدد سكان المدينة ذروته بنحو 15000 نسمة؛ يتمتعون ببنية تحتية عالية الجودة، فقد كانت «تيمقاد» تحتوي على مكتبة فخمة وما مجموعه 14 حمامًا حراريًا؛ كما أنّ البعض ذهب إلى حد تسميتها بمدينة «بومبي شمال أفريقيا» من شدّة جمال الفيسفساء المعمارية التي كانت تتمتع بها مدينة «تيمقاد» وفقًا لما ذكره موقع «All That’s Interesting» الأمريكي، وسرعان ما تحوّلت المدينة إلى مكانٍ لاستعراض قوة الرومان ضد السكان الأصليين من قبائل البربر؛ ثم ما لبثت أن أصبحت مركزًا تجاريًا تمتع قاطنوها بالسلام والرخاء لقرون عديدة. 

رحلت روما فغرقت «تيمقاد» تحت الرمال 

مع بداية القرن الخامس عمّت الفوضى القارة الأوروبية؛ وذلك بعد هجومٍ كاسحٍ من القبائل الجرمانية على الإمبراطورية الرومانية وإسقاطها لروما؛ وسرعان ما انتشرت هذه الفوضى والهجمات مثل النار في الهشيم حاصدةً الحياة في روما ومستعمراتها؛ وبالتأكيد كانت الجزائر – نوميديا حينها – مقصدًا لتلك الهجمات، فلم تسلم أي مدينة جزائرية أو رومانية من بطش قبائل الوندال الجرمانية. 

ولم يكن حظّ «تيمقاد» بأفضل من حظوظ المدن الجزائرية التي تعرضت لهجمات قبائل الوندال؛ إذ تعرضت المدينة إلى نهب وسلبٍ واسعٍ أدى إلى اضطراب اقتصادي كبير؛ جعل المدينة تعيش فترة الانهيار طيلة فترة حكم الوندال للجزائر. 

ومع سيطرة البيزنطيين على الحكم في الجزائر في القرن السادس الميلادي؛ أعيد الاعتبار مجددًا للمدينة باعتبارها مدينة مسيحية؛ لكنّ قدر المدينة تغيّر بعد أن سيطر عليها البربر في القرن السابع، وزحف رمال الصحراء الكبرى عليها حيث دفنتها كليةً.

وطيلة 10 قرون ظلت مدينة «تيمقاد» غارقة تحت الرمال؛ حتى سنة 1765م حين أعيد اكتشافها من جديد على يد الرحالة الإنجليزي جيمس بريس الذي قام باكتشاف الجزء العلوي من المعلم الذي يدعى «قوس تراجان» بعد أن لفتت انتباهه.

مدينة تيمقاد غمرتها الرمال طيلة 1000 سنة قبل أن يعاد استكشافها من جديد

مدينة «تيمقاد»

ومع سقوط الجزائر تحت وطأة الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر؛ بدأ الاهتمام بهذه المدينة الأثرية يأخذ بعدًا أكثر جدية؛ فكانت أول بعثة استكشاف فرنسية سنة 1851م من طرف المستكشف الفرنسي «روني».

ومنذ سنة 1880م بدأت الحفائر الأثرية الرسمية من طرف «مصلحة الآثار والمعالم التاريخية» تحت قيادة المهندس الفرنسي «دتويت»، واستُأنفت من طرف «ألبرت بالي» وهو كبير المهندسين المعماريين للآثار التاريخية بالجزائر الذي واصل المجهودات من أجل إحياء المدينة وإعطائها سمعتها وتاريخها المجيد.

وتعاقبت أعمال الحفريات والتنظيف والترميم في المدينة إلى غاية سنة 1957م؛ إذ جرى اكتشاف مساحة تقدر بأكثر من ستين هكتارا: وهي مساحة تمثل حوالي 75% من مجموع مساحة المدينة؛ وما زال حوالي 25% من المدينة تحت الأتربة والصخور لم يكشف بعد.

وأدت عمليات التنقيب تلك إلى إدراج المدينة في قائمة التراث العالمي الخاصة باليونسكو في عام 1982، كما أوصى المجلس الدولي للمعالم والمواقع «ICOMOS» بإقامة منطقة واسعة عازلة غير قابلة للبناء لحماية المدينة، ولا يزال هناك الكثير من آثار مدينة «تيمقاد» ثابتة حتى اليوم، ومن بينها القوس المميز المعروف باسم قوس «تراجان»، والمسرح الذي ما زال يستضيف مهرجاناتٍ موسيقية صيف كلّ سنة. 

عربي

منذ 9 شهور
«حاسي مسعود» بالجزائر.. ثروتها تفوق دبي وتعيش واقعًا منكوبًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد