بعد انتظار وترقُّب دام أيامًا، تمَّت الضربة الأمريكية على مناطق النظام السوري، وفرضت دلالتها المتعلّقة بالفعل الأمريكي في سوريا، لكنها في المجمل كانت دلالاتٍ سياسية أكثر منها عسكرية. فالكثير من التبعات السياسية تحوَّلت بعد هذه الضربة العسكرية، إذ تركت الساحة السياسية الآن لواشنطن وموسكو، يسعى كل منهما لتحقيق مصالحه وإرضاء نفوذه السياسي، فيما قررت إسرائيل تكثيف غاراتها ضد الوجود الإيراني في سوريا، لعدم رضاها عن الضربة الأمريكية التي لم تحقق أهدافها في تحجيم إيران.

«كلاكيت ثاني مرة»..الغرب يضرب النظام السوري «ذرًا للرماد في العيون» والأسد باق

بالصواريخ.. واشنطن تنفّذ ضربة «سياسية»

في تحرِّك غير مفاجئ، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أول أمس، السبت، أكثر من 100 ضربة على مواقع سورية، إذ استهدفت ثلاث منشآت رئيسية للأسلحة الكيماوية بصواريخ أطلقت من البحر ومن طائرات حربية. وذلك «في أعقاب وجود أدلة حاسمة على أنّ بشار الأسد مسؤول عن هجوم بالأسلحة الكيماوية استخدم فيه غاز الكلور على الأقل» كما قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). إذ نقل عن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي «جوزيف دانفورد» قوله إنّ: «الضربة تهدف إلى إضعاف القدرات الكيماوية السورية دون قتل مدنيين أو المقاتلين الأجانب الكثيرين في الحرب الأهلية السورية التي تشارك فيها أطراف متعددة وخاصةً من روسيا»، كما أضاف: «حددنا على وجه الدقة تلك الأهداف للتخفيف من خطر الاشتباك مع القوات الروسية، فالجيش الأمريكي أبلغ روسيا بالمجال الجوي الذي سيُستَخدَم في الضربة؛ لكنه لم يخطرها بموعد الضربة مسبقًا».

وبالرغم من توقُّع أن تؤدي هذه الضربات إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، أقوى شريك عسكري للنظام السوري، إلا أنَّ واشنطن كانت حريصة على تجنُّب القوَّات الروسية في سوريا؛ بل إنَّ تلك الضربات تركت الأسد متماسكًا بدعمه الروسي، وفي رصدٍ لموقف موسكو من الضربة الأمريكية، قال سفير روسيا في الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف: إنّ «الهجمات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة على سوريا سيكون لها عواقب، وإهانة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمرٌ غير مقبول، مرَّةً أخرى نتعرَّض لتهديدات، وقد حذّرنا من أن مثل هذه الأفعال لن تمر دون عواقب»، وتابع القول: «الولايات المتحدة التي تملك أكبر ترسانة أسلحة كيماوية في العالم، ليس لها حقٌّ أخلاقيّ في إلقاء اللوم على دولٍ أخرى»، وفي ما يخصُّ الرغبة الأمريكية بإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، ونزع موافقة روسية على ذلك، لا يستبعد المحللون أن تضغط روسيا على إيران وأن ترسم لها خطوطًا حمراء لتمنع التصعيد مع واشنطن.

ويؤكِّد تقرير صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أنّ «الضربات التي استهدفت، فجر يوم السبت، عدَّة مواقع في سوريا، ستؤدّي بالضرورة إلى تصعيد الصراع المستمرّ منذ سبع سنوات، في وقتٍ كان يسعى فيه الرئيس دونالد ترامب إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا»، ويضيف التقرير أنّ: «الخطر عقب الضربات التي استهدفت سوريا يتمثّل في أن الولايات المتحدة باتت متورّطة بشكلٍ أكبر في هذا الصراع، وهي التي كانت تسعى لسحب قواتها من هناك».

أهداف الضربة الأمريكية.. عملية تأديبية

يكاد يجمع المحللون على أن الضربة الأمريكية تحمل أهدافًا سياسية أكثر منها عسكرية، فهي لم تكن ذات بعد عسكري استراتيجي كبير، إذ رغبت واشنطن من جراء هذه الضربات في إجبار النظام السوري على التوقف عن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، وهي ليست معنية بإنهاء سيطرة النظام على سوريا برعاية روسيا وإيران؛ بل بتحجيم الدور الإيراني في سوريا.

Embed from Getty Images

مؤيدو بشار

ومن أهم أهداف هذه الضربة السياسية إعادة تفعيل مسار جنيف التفاوضي، وهو المسار الأممي للحلّ في سوريا، مقابل ضرب مساري أستانة وسوتشي اللذين تقودهما روسيا، فواشنطن وحلفاؤها الغربيون مصرُّون على عدم ترك الملف السوري في عهدة موسكو وطهران، ولذلك يؤكِّد الباحث السوري في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية «معن طلاع» أنَّ العملية لم تخرج عن كونها عملية تأديبية أكثر مما هي ضربة ذات أهداف أمنية دقيقة، فقد استطاع النظام وفق المؤشرات الأولية استيعاب هذه الصدمة، وفي السياق العسكري أيضًا كانت مضبوطة بالمعني الأمني، بمعني أنَّها لم تكن موجَّهة لحلفاء النظام بقدر ما كانت موجَّهة لنقاط يتواجد فيها السلاح الكيماوي، أو يتمّ إنتاجه فيها، ويتابع «طلاع» القول بأنّ: «قدرة ضربة التحالف الثلاثي -فرنسا وبريطانيا وأمريكا- على تعديل الترتيب العسكري الذي أنشأته موسكو عبر الأستانة، هي قدرة محدودة طالما لم ترتبط بإحداث أثر مستدام، ناهيك عن أن هذه الضربة لم تدع أصلًا أنها معنية بالصراع الوطني أكثر من مصالحها الأمنية القومية».

أمّا في ما يتعلق بهدف المفاوضات التي تزامنت مع الضربة، يوضح «طلاع» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن لها محورين رئيسيين أولهما يتعلق بالسلاح الكيماوي، والثاني يتعلَّق بالحصول على مكتسبات أخرى تتعلق بتحجيم الإيرانيين، ومزيد من الاستعصاء في العجلة الروسية، إذ لم تكن الضربة موجعة؛ بل كان حلفاء النظام قادرين على استيعابها وامتصاصها وتحويلها لمكتسب سياسي لاحقًا عبر الاستثمار بعنصري القومية والمقاومة كعادتهم في استهلاك هذه المفاهيم، وفق «طلاع».

من جانبه، يرى الأستاذ المساعد في تحليل النزاعات وتسويتها «ديفيد ألفر» أنه «ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للالتزام بحملة ضخمة ومستدامة، أو لإلقاء ثقلها السياسي إلى ما وراء نهاية سياسية للحرب؛ فأيّ عمل عسكري محدود هو عبارة عن مبادرة عديمة الفائدة. لكن حتى الحملة العسكرية الضخمة المستدامة قد تكون أيضًا مبادرة عديمة الفائدة ما لم تكن مبنية على أجندة دبلوماسية سليمة، بالرغم من كل هذا، لا يزال هناك وقت للحيلولة دون وقوع الكارثة»، ويضيف الكاتب في مقاله «لماذا لن تستطيع الإطاحة بالأسد ببساطة؟»: «لا يوجد وقت أنسب من الآن لأمريكا لتقوم بوضع الاستراتيجية التي افتقرت إليها حتى اللحظة. تتمتع الولايات المتحدة بالخبرة والموهبة والموارد اللازمة لوضع خطة استراتيجية، أما الجزء المفقود فهو الإرادة السياسية لصياغة هذه الاستراتيجية وتنفيذها».

القضاء على النفوذ الإيراني في سوريا

«الضربة استهدفت قاعدة رئيسية لحزب الله في القصير القريبة جدًا من الحدود السورية اللبنانية، هذه الضربة هي تطور مهم، وهي من المرجح أن تكون الضربة الأمريكية الأولى على حزب الله في المطلق، ورسالة قوية لإيران»، هذا ما قاله الباحث الأمريكي في شؤون الإرهاب «تشارلز ليستر».

هل تنجح دول الصراع في سوريا بفصل «بشار الإيراني» عن «بشار الروسي»؟

بالطبع من السهل استنتاج أن الضربة الأمريكية تستهدف حزب الله اللبناني وإيران بشكلٍ كبير، فحزب الله يعرف جيدًا أنه مستهدف بالدرجة الأولى، وكما يهدد الوجود العسكري الإيراني إسرائيل، يهدد أيضًا المصالح الأمريكية في سوريا، فواشنطن تدرك أن نظام «الأسد» المتورط بقصف الكيماوي في دوما أو ما سبقها من المناطق السورية، فعل ذلك بموافقة إيرانية مؤكدة، فالنفوذ الإيراني -حسب مراقبين- زاد من قلق أمريكا وحلفائها في المنطقة، لكون طهران تعمل على وصول أسلحة وتقنيات حديثة إلى حزب الله بشكل متواصل.

وفي ما يتعلق بإمكانية تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، يقول الباحث السوري في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع: إنّ «هذه معضلة معقدة جدًا، فواشنطن تدرك حقيقة التواجد الايراني وصعوبة مواجهته في الملف السوري، إذ أصبحت إيران تستحوذ على كافة خيارات النظام، وأهم طرق الإمداد والجيوب الاستراتيجية، وأضحت ميليشياتها جزءًا رئيسًا من الجيش السوري عبر ضمها لميليشيات الدفاع المحلي، إضافة إلى قدرة طهران على التحكم والضبط سواء عبر الميليشيات الأجنبية أو المحلية، أو حتى عبر الضغط الإداري الذي تملكه في المجالس المحلية ضمن مناطق سيطرتها»، ويضيف طلاع: «حتى إذا قرر المجتمع الدولي مواجهة إيران في سوريا، فهي أولًا تقاتل في خارج مركزها، وتقاتل عبر أدوات محلية، وهي متكيفة مع هذه الصراعات وتعول على عوامل الزمن ومبدأ إغراق الآخرين، ولنا في تجربتها بالعراق خير مثال على ذلك، بالتالي يصعب حاليًا مواجهة دون استراتيجية حاسمة لا تفصل الأمني عن السياسي، وطالما اللحظة السياسية الجديدة والقائمة على الانتقال غائبة عن المشهد؛ فإن طهران وحلفاءها قادرون على رسم ملامح المشهد المحلي وفق المنظور الصفري».

ميليشيات شيعية (المصدر: شبكة جيرون السورية)

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «إنّ الضرب الحاسم لعناصر القوة الإيرانية (سياسيًّا وعسكريًّا) إن لم يصل ليطال ترتيبات الأستانة، وإعادة الضغط الشديد على الروس لتحجيم الدور الإيراني الذي لا يزال يستفيد منه الروس سيبقي دون أثر مرتجى، ولعل إدراك طهران أن المجتمع الدولي غير مستعد بعد لمحاربتها –وهذا ما أكدته أوليًا الضربة– فهذا سيكون بمثابة دفعها إلى المضيّ في تعزيز أوراق القوة الإيرانية».

إسرائيل تصرّ أكثر على مواصلة ضرب إيران في سوريا

تصر إسرائيل على وضع حدٍّ للتمدُّد الإيرانيّ في سوريا، وفيما هي معنيَّةٌ بضرب النظام السوري وحليفته «إيران» أسعدتها الضربات التي قادتها الولايات المتحدة على أهداف سوريا، فإسرائيل التي تقوم بضربات جويَّة في سوريا من حينٍ لآخر هي مع أي ضربة عسكرية تستهدف شحنات الأسلحة لحزب الله، أو تستهدف المواقع الإيرانية.

رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتانياهو (المصدر: موقع البديل)

لكنّ إسرائيل أدركت مباشرة أن الضربات الأمريكية محدودة، ولن تردع النظام السوري عن استخدام الأسلحة الكيماوية، يقول الخبير العسكري الإسرائيلي «رون بن بشاي»: إنّ «حجم الضربة الأمريكية ضد أهداف سوريا فجر اليوم لها جملة دلالات أهمها: أن الأسد بإمكانه أن يستريح، ومعه حلفاؤه الروس والإيرانيون، وأنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خشي فعلًا من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، فالضربة كانت محدودة جدًا، وطالما أن الأسد لم يشعر بأن ثمة تهديدًا جديًّا على نظامه فإنه سيواصل استخدام السلاح الكيماوي، وهو سبب يدعو إسرائيل للقلق»، ويضيف في «صحيفة يديعوت أحرونوت»: «الضربات التي استهدفت عدة أهداف عسكرية تابعة للنظام السوري لم تضرب في عَصَبِه، ولم تَجبِ من النظام أثمانًا جدية تجعله يفكر ثلاث مرات قبل أن يقرر استخدام السلاح الكيماوي في مناسبات قادمة».

تحدثنا إلى الباحث في الشؤون الإسرائيلية «صالح النعامي» الذي أوضح أنّ إسرائيل تصوَّرت أن تكون هذه الضربة واسعة بشكلٍ يؤسس لبيئة جديدة في سوريا، أي يكون استهداف الأهداف الإيرانية تحرك دولي ضد الوجود الإيراني، ويتابع القول: «لكنَّ محدودية الضربة من جهة، ومؤشرات وجود تنسيق مسبق بين الروس والأمريكان قبل الضربة جعل الإسرائيليين يقررون العودة لتوجههم الذي سبق الضربة، وهو التعاطي بشكلٍ عنيد ضد الوجود الإيراني في سوريا بإجماع إسرائيلي عسكري وسياسي نادرًا ما يحدث، فهم متفقون على عدم تمكين إيران من مراكمة وجود عسكري في سوريا».

كما يشير «النعامي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أنَّ إسرائيل مصرَّة على مواصلة ضرب إيران بعد قصفها مطار «التيفور» العسكري السوري قرب حمص، وهي الضربة الأكثر جدية من الضربة الأمريكية، وذلك في وقت يدركه فيه الإسرائيليون أنَّ مصلحة إيران وحزب الله حتى هذه اللحظة هي الحفاظ على وجود النظام السوري، وهم ليسوا معنيين بمواجهة مع إسرائيل.

وزير دفاع جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان (المصدر: موقع المصدر الإسرائيلي)

ويتابع «النعامي» القول: إنّ «إيران لا تملك مقوِّماتٍ عسكرية داخل سوريا تمكّنها من فتح مواجهة مع إسرائيل، إضافة إلى حزب الله، بدليل ما ظهر في خطاب زعيمه الأخير، فقد تجنَّب تهديد إسرائيل بسبب الانتخابات الداخلية في لبنان»، وفيما يتعلَّق بالموقف الروسي، يؤكِّد الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنَّ الروس غير جاهزين لفتح مواجهة مع إسرائيل في سوريا، فهناك مصالح وتعامل أمني وتبادل معلومات استخبارية، في وقتٍ تختلف فيه أيضًا المصالح بين الروس والإيرانيين في سوريا، فالمصالح غير متطابقة، على حد تعبير «النعامي».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!