مَنْ لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقًا لا شيء فيه حي

ومن المحبةِ تصبح كل المرارات حلوة

ومن المحبة يصبح كل النُّحاسِ ذَهَبًا

ومن المحبةِ تصبح كل الآلام شافية

السابع عشر من ديسمبر، 1273م في مثل هذا اليوم بالتحديد، كان عشرات الآلاف يشيعون رجلاً جمَّعهم رغم اختلافاتهم، حتى أنَّ النصارى واليهود قد حضروا جنازته، وإذا زرتَ يومًا ما قونية في تركيا ستجد زوَّار ضريح جلال الدين الرومي من جميع الديانات، فقد قال النصارى “لقد فهمنا عيسى من خلال مولانا” وقال اليهود “لقد فهمنا موسى من خلال مولانا”.

يسلبني العشق نومي، والعشق سالب للنوم، والعشق لا يشتري الروح والعقل بنصف حبة شعير!   *من شعر الرومي

إذا كنت تبحث عن إجابة عن معنى الرَّقص المولوي المشهور، وما علاقته بالتَّصَوف؟ فستجد هاهنا إجابتك. إذا كنتَ تسأل كيف لعالم في العقيدة والحديث والفقه أن يتعامل مع جميع الديانات على صعيدٍ واحد؟ فستجد هاهنا إجابتك، إذا كنتَ تودّ أن تعرف كيف كتب الرومي كل هذه الأشعار، إذا أردت أن تعرف عن الرجل الذي كان صلَّى من العشاء حتى الفجر ركعة واحدة رغم اتهامات الكفر التي لاحقته، فتعالَ لنحكيَ عنه.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“دراويش الطريقة المولوية في تركيا، يحيون ذكرى وفاة الرومي”

“تعال تعال لا يهمُّ من أنت ولنتحدث عن الحبيب”

يحكي الرومي في كتابه الأشهر المثنوي قصة الفيل الذي نقلهُ الهنود من بلدة إلى أخرى. وصل الفيل في الليل ووضعوه في حظيرة، تسلل الناسُ إلى الحظيرة في الظلام الدامس، وأخذ كلُّ إنسانٍ يتحسس الفيل، فالذي وجد الخرطوم قال أنّ الفيل إنما يشبه الأنبوبة، وقال من لمس ظهره أنه يشبه السرير، وهكذا فكلُّ واحد ممن لمس الفيل ظنَّ أن ما لمسه هو كمالُ خلقة الفيل بينما لم يشعر كل واحد منهم إلا بجزء صغير جدًا من الفيل. هذا هو حال أصحاب التعصب من الديانات الذين لمسوا من الحقيقة شيئًا ضئيلاً جدًا ظنوه كل الحقيقة. بينما قلوب الأنبياء تسع الجميع على خلاف المتعصبين.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=3f7ACBUihYQ” width=”650″ height=”450″ ]

“من أشعار الرومي التي تغنّى بالفارسية”

أنا خادم البُساط المحمَّدِي

هكذا كان يتحدث جلالُ الدين الرومي عن النبيّ محمَّد. يغرق الصوفيون في آفاق للتأويل حول شخصية النبيّ محمَّد، وينال خصومهم منهم في هذه الزاوية بالتحديد، الخروج بشخصية النبي محمَّد عن طور البشرية العادية إلى طورٍ آخر من البشرية التي تفضُل على جميع الكائنات والأنبياء، ولا تزال روحهُ سارية في الموجودات حتى الآن، ويتهمهم خصومهم بالإشراك بالله أحيانًا، بالزندقة، الكفر، وأقلَّهَا الفسوق. بالطبع نال جلال الدين نصيبهُ من هذا كله، لكنَّ الرومي كان خادمًا بحقّ فالرجل الذي يصلِّي من العشاء وحتى الفجر في ركعة واحدة لا بدّ أنه آخر من يُتهم بالكفر.

يحكي أحد تلامذته أنهم في أحد ليالي الشتاء، أذَّن الفجرُ عليهم فدخلوا ووجدوا شيخهم ساجدًا يبكي وقد تجمَّدت الدموع على خديه من قوة الصقيع في قونية، قاموا بتسخين الماء حتى يستطيعوا إذابة الدموع المتجمدة على خد جلال الدين. أنا خادم البساط المحمَّدي، هل منعَ البساط المحمدي النصارى واليهود من الجلوس عليه؟ لا مطلقًا، فهل سيمنعهم جلالُ الدين في وقتٍ كانت الحضارة الإسلامية تنتزع فيه من قبل هولاكو وجيوشه الجرارة؟ لقد استطاع جلال الدين أن يصنع ما لم يصنعه غيره، لقد جمع البشر من جميع الديانات على كلمة واحدة هي المحبَّة. والمحبَّة لله وحده.

تعال تعال

تعال واقترب

كم ستستغرق هذه الرحلة؟

ما دمتَ أنت أنا؟ وأنا أنت

ماذا تعني أنا وأنت بعد اليوم

نحن نورُ الحق

مرآةُ الحق

إذن لماذا الشجار بيننا دائمًا؟

*من أشعار الرومي

وهناك صحبةٌ كأنها فصلُ الربيع

لا تستطيع أن تدخل الطريق دونَ شيخٍ قدير، يخوض بك بحار المعراج الصوفي إلى الله. هكذا يقولُ الصوفيون، ولأنَّ جلال الدين قد بلغ في عصره أعلى المراتب لدى الصوفية، فسنتطرق لقصته مع شيخه.

ملأ جلالُ الدين قونية وما حولها بعلمه، بدروسه في الفقه والعقيدة، وفجأة جاء القَدَر الذي سيغيِّرُ حياتهُ بعد ذلك، وسيجعله يترك دروس المسجد ويعكف في بيته، ثم يخرج للناس ويرقص في الأسواق رقصته المولوية، ثمَّ بعد ذلك يكتب أشعارًا من أبدع ما كتب في تاريخ الإنسانية، حسب الكثير من الباحثين الذي اهتموا بشخصية رومي ودرسوها.

ضريح شمس الدين تبريزي

شمسُ الدِّين تبريزي، الدرويش، صاحب الملابس المتواضعة والوجه الغريب عن المدينة، يقابلُ جلال الدين فيعتكف جلال الدين معهُ في بيته، يثورُ طلابه وتلاميذه فمن هذا الغريب الذي انتزع منهم شيخهم وأستاذهم فجأة؟ سرت الضغائنُ في المدينة فارتحلَ شمس، وتركَ وراءهُ الرومي يحترق بنار عشقه. ينظر الصوفيون للشيخ باعتباره بابًا للوصول إلى الله، طائرًا للعروجِ إلى حضرة القدس، ونورًا من مشكاة الذات المحمَّدية.

وهكذا كتبَ جلالُ الدين ديوانه الكبير تخليدًا لذكرى تبريزي وعشقه له، واسم الديوان ديوان “شمس تبريز”؟ ارتحل جلال الدين للبحث عن شمس الدين، وجده، عاد معه، لكنهُ اختفى مرةً أخرى في ظروف غامضة، قيل أن بعضًا ممن غاروا منه على جلال الدين قتلوه وقيل طُرد، وربما يكون قد ارتحل وحده ليطلق العنان لعاطفة الرومي الجياشة ليكتب المثنوي.

أنصت إلى هذا الناي يأخذُ في الشكاية

ومن الفُرقَاتِ يمضي في الحكاية

ومنذ أن كان من الناي اقتلاعي

ضجَّ الرجال والناس في صوت التياعي

أبتغي صدرًا يمزقه الفِرَاق

كي أبث شرح آلام الاشتياق

فكل من يبقى بعيدًا عن أصوله

لا يزال يروم أيام وصالهْ

*أول الأبيات في مثنوي جلال الدين

وربما يقصد بالناي نفسه، أو الإنسان بشكلٍ عام

الناي مع الرقص عام 1887

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=NlBj9VoL9_A” width=”650″ height=”450″ ]

“قصة جلال الدين الرومي من خلال فيلم وثائقي”

قصَّةُ الرَّقصة المولوية

السَّماعُ هو شُعورُ الإنسانِ بخالقهِ في أصغرِ خليَّة، السماع ليس عبارة عن الدوران. إذا كان الإنسان وهو جالس يشعر في أعماقه بالخالق، فهذا يعني أنه في حالة سماع

تركهُ شمسُ الدين تبريز إذن، وها هُوّ يعاني آلامَ الفراق والعشق وحدهُ، وفي أحد الأيام، بعد العصر كان جلالُ الدينِ يمشي في سوق قونية، حانيًا جذعهُ، مطرقًا ببصره، ذاهلاً عن نفسه، وفجأة سمع مطارق العمال وهي تطرق الذهب، ارتفعت يدهُ اليمنى وأحنى رأسهُ إلى الكتف الأيمن ودار دورتين، ثمَّ أكمل الدوران والدوران والدوران.

هل تعرف ما معنى الدوران؟ وما هي رموز هذه الرقصة؟

ترمز الثياب البيضاء إلى الكفن، الحزام على الوسط رمزًا للصبر وتحمل الجُوع، المعطف الأسود يرمز إلى القبر، والقلنسوة على الرأس ترمز إلى شاهد القبر. هذه هي فلسفة الرقص إذن، أنت تخرج من دنياك تماماً، يقولونَ أيضًا، الكونُ كلهُ يدورُ حول مركزه: الله. كل المجرات تدور، وتدور الإلكترونات حول كل نواة ذرة تكوِّن جسمنا، لماذا لا تدور أنت إذن؟ إنها الدائرة واللهُ مركزُهَا.

لا تقتصر الرقصة المولوية على الرجال فقط

هل تعرف ما هو السَّمَاع؟

إنهُ نسيانُ النَّفس والوِصَالُ مع الله

هل تعرف ما هو السماع؟

الغفلة عن الوجود،

وتذوق البقاء في الفاني المطلق

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=E9pVYTBI1hk” width=”650″ height=”450″ ]

من أشعار الرومي بألبوم عنوانه أشجان الرومي للمغني الفارسي الأشهر شهرام ناظري (الأغنية بالفارسية)

تأثير الرومي

 

إن الذي أضرم بنار شعلته هشيم قلبي

هو المرشد الرومي القائل: منزلنا كبرياؤنا

*الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال

كَتب جلالُ الدين أكثر من ثمانين ألف بيت شعر، ستون ألفًا منها في ديوان شمس تبريز، وأربعة وعشرون ألفًا أخرى هي قوام كتابه الأشهر المثنوي. كيفَ أثَّر الرومي؟ وكيفَ سيظلّ يؤثِّر؟ هذا متروكٌ لكلّ قارئ، يعيشُ رحلتهُ في المثنوي أو ديوان شمس، أو رباعيات الرومي، ويعرج بروحهِ إلى آفاق لا نهائية، في عالم السَّماع والرقص والملكوت والعِشق، والله.

لا تبحث عن ضريحنا في الأرض بعد وفاتنا

فضريحنا قلوب العارفين

عرض التعليقات
تحميل المزيد