تمر اليوم ـ 3 يوليو ـ ذكرى وفاة المفكر العربي الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري، ويعتبر المسيري من أهم المفكرين العرب في جيله، ولد المسيري عام 1938م في مدينة دمنهور بمصر، التحق بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب ولم يكن يعلم أنه سيصير أحد أهم الناقدين الأدبيين وأحد المفكرين الكبار الذين أسهموا في نقد العديد من النظريات كالحداثة والصهيونية.

انطلق المسيري إلي الولايات المتحدة ليحصل علي الماجستير عام 1964م في الأدب الإنجليزي المقارن ثم ليحصل علي الدكتوراه عام 1969م وعاد المسيري ليشغل العديد من المناصب وليدرس في أكثر من جامعة في الوطن العربي.

 

رحلة فكرية: من الإلحاد إلى الإيمان”العقلي”

 

دخل المسيري الحزب الشيوعي المصري في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، وقادته الفلسفة الماركسية إلي الإلحاد.. اعتقد المسيري ـ حسب ما كتب ـ أن “العلم” قادر علي تفسير كلّ شيء، وأن “المادة” هي أصل كل شئ. لكنَّ اعتقاده ذلك لم يدم حيثُ عاد المسيري إلي الإيمان أيضاً عن طريق”العقل”. وجد المسيري أن القوانين المادية غير قادرة علي تفسير كلّ شئ في الكون بالتالي فقد اعترف بعجز “المادة” و “العلم” عقلياً وبدأَ العودة إلي الإيمان مرةً أخرى.

 

“إنّ الايمان لم يولد داخلي إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة ولذا فإنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية”

*المسيري متحدثاً عن انتقاله من الإلحاد إلي الإيمان.

 

الإنسان: مبدأَ فكر المسيري ونهايته

 

بدأ المسيري في بلورة فلسفته الخاصة ونقده للحداثة الغربية من خلال بعض الأدوات التحليلية والنماذج التفسيرية التي عمل عليها وطورها. انطلقَ المسيري من الإنسان وإليه في نقده لكل الظواهر التي تعرض لها.. لنحاول أن نبسط بعض الشيء: تطرحُ انتقادات المسيري سؤالاً يكاد يكون واحداً، هل ستنفع هذه الفلسفة الإنسان أم لا؟ وبناءً علي هذه المنفعة أو عدم المنفعة يكون موقف المسيري.

 

المجتمع: تعاقدي وتراحمي

 

حسب المسيري فإن المجتمع الغربي مجتمع تعاقدي، يبدأ المسيري تحليله للأدب الغربي(الشعر/الروايات/المسرح) وينطلق منه لما وراء النصّ المكتوب ليصل إلي ما أسماه “النموذج المعرفيّ الكامن” وراء النصّ.

ويمثل المجتمع التعاقدي مفهوماً جديداً عن المجتمع؛ حيث هو المجتمع الذي لا يعطي فيه الأفراد إلا بمقدار ما يأخذون. وهو علي خلاف المجتمع التراحمي الذي “يتراحم” فيه الناس، فليس كلّ شئ بحساب رياضي، ولا يقيس الإنسان فعله لشيء بمقياس ما يعود عليه، لأنه يؤمن بشيء مجاوز لعالم المادة والمنفعة .. يؤمن بالله.

 

العلمانية الشاملة

 

استطاع المسيري أن يطور أطروحته حول “العلمانية” بشكل جديد، حيث ميَّز بين نوعين من العلمانية، ما يطلق عليها العلمانية الجزئية وهي التي تعني فصل الدين عن السياسة، ويتبني المسيري هذه الرؤية حيث لا يوجد رجل دين أو قسّ يناقش أمور السلاح علي سبيل المثال، والدولة في هذا الحال ستقف علي مسافة من الاعتقاد الشخصي والأمور الأخلاقية والدينية التي سيمارسها كل إنسان كما يريد.

في مقابل العلمانية الشاملة والتي تعني فصل الدين عن جميع مناحي الحياة، حيث يسيطر ما أسماه المسيري “نموذج معرفيّ” يتحكم في خيارات الناس ويقلصُّ المسافة بين ما هو”مقدس” وما هو”أرضي” حيثُ يحلّ المقدس في الأرضي ويصيران واحداً، وهنا تُمْحى المسافات بين كل الثنائيات ويصبح كل شئ ونقيضه هو نفسه (فالله هو الإنسان أو العقل/المرأة هي الذكر….إلخ).

 

المثقف مكانه في الشارع

 

“المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب مثقف”

*من مقولات المسيري

 

لم يتوقف المسيري عند الإنتاج الفكري والأدبي فقط، وإنما امتدَّ إسهامه ليدخل عالم النضال ضد الحكم السياسي الفاسد، في يناير 2007 تم اختياره كمنسق عام للحركة المصرية من أجل التغيير(كفاية). وتعتبر كفاية من أهم الحركات التي عارضت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورفضت ترشح ابنه للانتخابات، كذلك انضمّ المسيري لحزب الوسط عام 2004 ليصبح من أوائل مؤسسيه.

اليهود واليهودية و الصهيونية

 

بدأ المسيري في الاهتمام باليهود والصهيونية، وأكمل عمله الموسوعي “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” تناول فيها المسيري كل جوانب تاريخ العبرانيين في العالم القديم وحتي العصر الحديث، وقام بدراسة الدولة الصهيونية وقام بتحليل لأجزاء كبيرة من الأدب الصهيوني، وفي والعديد من دراساته وكتبه قام أيضاً بتحليل”النكات”الصهيونية ليصل إلي نتيجة مفادها أن الإنسان الإسرائيلي يعيش طوال الوقت في حالة “اغتراب” و “خوف” و “تهديد دائم” بل إنه أيضاً يؤكد أن الشخص الإسرائيلي دائم الشعور بالخطر المحدق به كونه “مستًعْمِراً”.

المسيري مع موسوعته

 

“الدولة الصهيونية هي مجرد أداة في يد الغرب، لا قيمة لها في حد ذاتها، ولكن تكمن أهميتها في الدور أو الوظيفة التي تقوم بها، أي حماية المصالح الغربية في العالم العربي”

*المسيري

 

صدرت الموسوعة في ثمان مجلدات، وتعتبر المشروع الفكري الأكبر للدكتور المسيري، وقد تعرضت لنقد شديد من قبل العديد من الكتاب والمفكرين.

ترك المسيري ما يربو على الستين مؤلفاً توزعت على الدراسات الأدبية والنقدية للحداثة والدراسات حول الصهيونية والشعر وبعض القصص للأطفال، وكذلك ترك سيرة ذاتية. توفى المسيري عام 2008 في الثالث من يوليو.
 

عرض التعليقات
تحميل المزيد