اليوم الذكرى التاسعة عشر لوفاة الشيخ إمام، الرجل الذي كانت أغانيه تطل من ميادين الثورة في مصر. الشيخ إمام الكفيف الفقير الذي غنى ولحّن أنواعًا مختلفة من الكلمات، ما بين الموشحات وشعر الفصحى والأشعار العامية، وبين الغزل والحب والأغنيات الثورية.

في ميدان الثورة

كان موقفًا ملفتًا، في ثورة 25 يناير 2011 حين انتصبت المنصات في ميادين الثورة، تصدح عليها مكبرات الصوت بأغنيات الشيخ إمام التي تدعو للثورة والتمرد و”إقلاق السلطة”.. كان إمام أكثر المغنيين ـ وربما الوحيد ـ حضورًا في الميادين رغم مرور خمسة عشر عامًا على موته، ربما لأنَّ أغنياته كانت”ثورية” أو لأنَّ الرجل الكفيف قد عانى من السلطة مرارًا بسبب هذه الأغنيات.

من أغنيات إمام التحريضية علي الثورة”إيران يا مصر زينا” عندما قامت الثورة في إيران 1979.

ضحية

منذُ صغره عندما أصيبت عيناه راح ضحية الجهل، حيث تم استخدام وصفات شعبية في علاجه كانت سببًا في ذهاب بصره تمامًا، مرة أخرى كانَ الشيخ إمام على موعد مع الجهل، فقد تمَّ فصله من الجمعية الشرعية بسبب سماعه القرآن بصوت الشيخ محمد رفعت في إذاعة القرآن الكريم وهو ما كان محرمًا في الجمعية.

الشيخ إمام فقد بصره بسبب الأدوية الشعبية

أخيرًا كان الشيخ إمام ضحية المجتمع الأبوي الذي تلخص في تعامل والده معه بسبب فصله من الجمعية، كان أبو الشيخ إمام يتمنى أن يصير ابنه شيخًا، وعندما فُصل الشيخ من الجمعية طرده والده ومنعه من العودة إلي قريته طالما أنه حيّ، وبالفعل لم يعد الشيخ إمام لقريته إلا عندما توفي والده، وكان قرار والده هذا سببًا في عدم حضور إمام جنازة أمه، وأخيرًا راح إمام ضحية السلطة.

من الأشعار الفصحي التي غناها الشيخ إمام

بداية الصعود

بعد طرد والده له، كان الشيخ إمام يقضي نهاره في حي الحسين وينام ليلاً في الجامع الأزهر إلى أن انتقل إلى حي الغورية، وفي الغورية التقى بشيخ الملحنين المصريين الشيخ درويش الحريري وبدء الشيخ درويش بسبب إعجابه بصوت الشيخ إمام تعليمه الموسيقى، وشق الشيخ إمام طريقه بين الموسيقيين فتعرف على الشيخ زكريا أحمد وكان إمام يساعده في حفظ ألحانه الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها، مما أدى إلي تسريب بعض ألحان الشيخ زكريا إلى الناس قبل أن تغنيها أم كلثوم.

استغنى الشيخ زكريا أحمد عن الشيخ إمام، فبدء إمام شق طريقه وحيدًا، حيث تعلم العود واستغنى عن الملابس الأزهرية، وبدأت مسيرته الغنائية من هذه اللحظة في الثلاثينيات، وبدء يبتعد عن قراءة القرآن الكريم.

من الموشحات التي غناها الشيخ إمام

تعرف الشاعر المصري الشعبي أحمد فؤاد نجم على الشيخ إمام عام 1962، وبدأت الشراكة بينهما، نجم يكتب شعرًا والشيخ إمام يلحن ويغني، وسرعان ما صارت غرفتهما في حوش قدم ملتقى الأدباء والفنانين وحتى الإعلاميين.

فؤاد ونجم

بدء الشيخ إمام ونجم رحلتهما معًا بأغنيات غزلية “وأنا أتوب عن حبك أنا؟” و”عشق الصبايا” و”ساعة العصاري”.. وبدء الشيخ إمام يغني أيضًا أشعارًا لشعراء آخرين كنجيب سرور وسيد حجاب وفرغلي العربي وعدد آخر من الشعراء المصريين، واستمرت أغنيات إمام على هذا النمط حتى جاءت النكسة.

من كلمات نجم وألحان وغناء الشيخ إمام عام 1962

نقطة تحول أخرى: نكسة 1967

الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا

يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار

يا أهل مصر المحمية بالحرامية

الفول كتير والطعمية والبر عمار

هكذا كان استقبال الشيخ إمام للحدث الذي هز العرب جميعًا، وبدأت نقطة التحول: السخرية. بدأت سخرية فؤاد نجم بأشعاره والشيخ إمام بألحانه وصوته الشجي بالعديد من الأغنيات التي تسخر من النكسة، سخرية تحمل نقدًا لاذعًا للمسؤولين المصريين. وسرعان ما حاولت السلطة استيعابهما، لكنَّ الأغنيات كانت تنتشر كالنار في الهشيم وأقضت مضاجع السلطات؛ فقررت السلطة اعتقالهما بتهمة “تعاطي الحشيش” عام 1969.


غناها الشيخ إمام بعد النكسة مباشرة، في يوليو 1967، وكانت الأغنية يرددها الطلاب في السبعينيات، والثوار في 2011.

“صار الشيخ إمام بعد الحكم عليه بمؤبد أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية”

عبر مناورات عدة بين إمام والسلطة في مصر كان إمام صوت الضعفاء، والفقراء، والثوار.. ومع صعود الرئيس السادات للسلطة في مصر ومع انتفاضة الطلبة عام 1977 كان إمام صوت الانتفاضة.. وفي الثمانينيات تلقي إمام ونجم دعوة لإلقاء أغانيهما في باريس، كما كان لهما عدة جولات في دول عربية وأوروبية.

الشيخ إمام في باريس

في أواخر أيام الشيح إمام نشب خلاف بينه وبين نجم، مث آثر الشيخ إمام الانزواء في غرفته والعزلة ولم يعد الشيخ الذي جاوز السبعين يخرج كالسابق في المناسبات العامة، ليموت في هدوء يوم 7 يونيو عام 1995.

عرض التعليقات
تحميل المزيد