لسنوات طويلة ظلت الصورة الذهنية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في عيون المواطن العربي أنه الشخص الجالس على كرسي مُتحرك، يخاطب شعبه عبر الفيديو، غير قادر على الحُكم، ورافض تحت أي ظرف التفريط في منصبه ونفوذه السياسي؛ غير أن للرجل صور أخرى يعرفها جيل الستينات والسبعينات، أو أي مُطلع على التاريخ السياسي للجزائر، وأبرز محطات النضال لشعبها.

في هذا التقرير، نرسم صورة أعم وأشمل ومغايرة لبوتفليقة على خلاف الرائجة عنه؛ ونحاول رصد بدايات الصعود على سُلم السلطة، وطفولته الحائرة التي أثرت في خياراته السياسية، والتأرجح الكبير في المواقع التي شغلها، ووسائله التي ساعدته على الاستمرار طيلة هذه السنوات.

القصة الكاملة لمرض الرئيس الجزائري بوتفليقة

حين كسرت «الأم» عزلة وخجل الطفل النازح

لرجل منتمِ للطبقة المتوسطة، يعمل تاجرًا بسوق الجُملة، وأم مُسالمة تنتسب لكُبرى لعائلات في الجزائر، ارتضت أن تكون زوجة ثانية، وُلِد عبدالعزيز بوتفليقة عام 1937 في أسرة اضطرتها ظروف الاستعمار الفرنسي للجزائر إلى النزوح نحو الجارة المغربية؛ وتحديدًا مدينة وجدة الواقعة على الحدود المغربية الجزائرية، للعيش فيها بعيدا عنً مشاهد الحرب والدماء.

ظروف النشأة الاضطرارية في بلد يبعُد حوالي 20 كيلومترًا من موطنه الأصلي؛ وأصوات الحرب التي تخرق أذنيه، ووقصص النضال التي روتها أمه له، غيرت كثير من مسارات الطفل الخجول، المُنعزل عن الجميع؛ ليصير أكثر تحررًا وشجاعة في سنوات صباه بفضل الحكاوي التي لا تنقطع عن بطولات مواطني بلده ضد المُستعمر الفرنسي من جانب أمه الذي قضي طفولته وصباه مُلازمًا لها أغلب الأوقات.

Embed from Getty Images

بوتفليقة يذهب للتصويت في الانتخابات السابقة

داخل مدارس المملكة المغربية، تعلم الابن بوتفليقة وأكمل تعليمه الإعدادي بثانوية عبد المؤمن، ثم المرحلة الثانوية بمدرسة عمر بن عبد العزيز ليصير شابًا واعيًا بالأحداث، مُتقنًا للغات الأجنبية، مُعبأً بروح نضال أبناء موطنه ضد المستعمر الفرنسي؛ لينقطع عن الدراسة عند سن السادسة عشر، مُقررًا الانخراط في صفوف جيش التحرير ليبدأ مسيرة جديدة في العمل السياسي لا تزال نهايتها مفتوحة إلى الآن.

هذا التحول كان دافعه الرئيس وبطله الأهم والدته، وفقًا لشهادات مُقربين من العائلة في هذه السنوات، لينضوي الشاب الجزائري آنذاك لجيش التحرير، شاغلًا مناصب عسكرية وسياسية في مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، أبرزها قيادة العمليات العسكرية وقيادة الأركان بالغرب، ثم بهيئة قيادة الأركان العامة؛ حتى نالت بلاده الاستقلال، وكتب لنفسه تاريخًا بوصفه أحد أبطال الاستقلال؛ ضامنًا بهذا الدور موقعًا مؤثرًا في مرحلة ما بعد الاستقلال.

مستعينًا بشرعية النصر، أصبح عبد العزيز بوتفليقة عضوًا بأول مجلس تأسيسي وطني، كما انتخب سنة 1964 عضوًا باللجنة المركزية لـ«حزب جبهة التحرير» وعضوًا بالمكتب السياسي، وأصبح أحد أبرز الوجوه السياسية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، فأسندت إليه وظائف تنفيذية عليا عديدة.

وعند سن السادسة والعشرين، صعد عبد العزيز لسُلم السلطة عبر تعيينه وزيرًا للخارجية، وكانت المرة الثانية التي يصبح فيها وزيرًا؛ بعد قيادته لوزارة الشباب والرياضة والسياحة في أول حكومة للرئيس أحمد بن بلة (1962- 1965). في منصبه كوزير للخارجية، والذي ظل باقيًا فيه لنحو 16 سنة، كسب بوتفليقة ثقة الرئيس الجزائري هواري بومدين، وكسر العلاقة الرسمية بصداقة طويلة الأجل بينهما، عززها التفاهم الكبير في رسم السياسة الداخلية والخارجية للجزائر، وإجادة بوتفليقة للغات الأجنبية ومساعدة الرئيس آنذاك في الترجمة.

Embed from Getty Images

وقد ظل الشاب مُحصنًا في منصبه باعتباره الأكثر حظوة ونفوذًا في القصر الرئاسي بفضل صلاته مع بومدين، حتى وفاة الأخير؛ لتنقلب الأمور رأسًا على عقب، وتبدأ حقبة جديدة يُجرد فيها بوتفليقة من جميع سلطاته وصلاحياته؛ حتى اضطُر لمغادرة البلاد في 1981 والتنقل في الإقامة بين دبي وسويسرا.

السنوات الطويلة خارج بلاده لم تجعله يقطع صلاته مع أتباعه في السلطة؛ إذ ركن عبر التواصل الدائم إلى التأهب للعودة من جديد، حتى تحينت له الفرصة في عام 1987، بعدما وقعت احتجاجات واسعة ضد سياسات الرئيس الجزائري آنذاك، الشاذلي بن جديد، والتي أسفرت عن مقتل 120 شخصًا حسب الإحصاءات الرسمية، ونحو 500 حسب نشطاء، كما تم توقيف 15 ألف شخص.

وجد بوتفليقة الفرصة سانحة لإعادة التموضع من جديد؛ ليعود إلى موطنه ويُرشح نفسه في ديسمبر (كانون الأول) سنة 1998 للانتخابات الرئاسية بصفته مرشحـا مستقلًا؛ ليصير رئيسًا للبلاد بشكل رسمي في 15 أبريل (نيسان) 1999، بنسبة 70% حسب الأرقام الرسمية.

هل تستخدم السلطة في الجزائر «الإخوان المسلمين» لتحقيق أغراضها؟

«المُصالحة الوطنية للجميع».. تُبقي بوتفليقة على العرش حتى الآن

بشاربه الكث وقامته القصيرة، خرج بوتفليقة لأول مرة على شاشة «الجزيرة» الفضائية، عبر خاصية الأقمار الصناعية في عام 1999، مُقدمًا برنامجه الانتخابي الذي جاء تحت شعار «المصالحة الوطنية للجميع»، ومُدافعًا بشراسة عن تكرار الاتهامات له بالفساد المالي هو والرئيس السابق هواري بومدين، من جانب مُحاوره آنذاك المُقدم التلفزيوني أحمد منصور؛ مؤكدًا أن نظام بومدين هو العصر الذهبي منذ استقلال الجزائر.

مقابلة بوتفليقة حين كان مرشحًا للانتخابات على قناة الجزيرة

لاحقًا وبعد اقتناصه منصب الرئيس لم ينس بوتفليقة الأسئلة الهجومية التي كررها مُقدم «الجزيرة» أكثر من مرة، وطعنه في نزاهة نظام بومدين، الذي كان بوتفليقة الشخص الأهم داخله؛ ليُقرر إغلاق مكتب القناة في بلاده، ويتبع ذلك القرار بتنحية كُل خصومه السياسين في السلطة، مستعينًا بنخبة جديدة في الحُكم، وواضعًا أسس جديدة لنظام حُكمه.

ما فعله بوتفيقة مع قناة «الجزيرة» وخصومه السياسين؛ سيتحول بعد سنوات من الحُكم لأسلوب رسمي يُطبقه تجاه كُل من يعارضه، أو يشكك في نواياه، حتى أخضع الجميع تحت رايته. بل عمل جنبًا إلى جنب على تقوية جهاز الأمن والشرطة، بعدما كان ضعيفًا في وقت سابق مقارنة بالمؤسسة العسكرية والمخابراتية؛ كي يوازن بينهما.

ومُستخدمًا شعار «المصالحة الوطنية للجميع»؛ حقق بوتفليقة من المكاسب السياسية والشرعية ما أهلته للبقاء على كرسي السلطة خلال السنوات الطويلة السابقة؛ فالرجل الدبلوماسي بدأ حقبته بنهاية سنوات الحرب الأهلية التي سبقت فترته فيما عُرفت «بالعشرية السوداء»، والتي أودت بحياة ما يقارب من 200 ألف قتيل؛ إذ انتهج سياسة قائمة على كسب الأصدقاء والأعداء معًا، وأن يظل حكمًا بينهم، على مسافات متساوية.

من بين هؤلاء الأعداء جماعة «الإخوان المسلمين»، الذي التزموا بتقديم الدعم السياسي لبوتفليقة؛ بعدما تعهد بالإفراج عن قادتها المحبوسين، وترك مساحة لهم للعمل السياسي. وكذلك فعل مع المؤسسة العسكرية، التي نال دعمها السياسي، عبر طمأنة قادتها بالحفاظ على مكتسباتهم وعدم تعرضهم للمحاكمة. ثم عرج إلى احتواء الأحزاب السياسية الأخرى بالطريقة ذاتها؛ مستفيدًا من هذه السياسة في كسب ثقة الجميع، وإخضاعهم لسيطرته كُل هذه العقود، وإتاحة الحركة لهم في الحدود الآمنة.

طيلة هذه السنوات، ظل بوتفليقة ملتزمًا بهذه المسافة بين كُل هؤلاء الخصوم، مغازلًا إياهم بين الحين والآخر سواء من خلال الإفراج عن آلاف السجناء الإسلاميين، أو تعيين قادة عسكرين في مناصب مؤثرة لضمان ولائهم، مستمرًا بهذه الصيغة في الحكم خلال السنوات الطويلة، دون أن يكون هناك تهديدًا مؤثرًا لبقائه في الحكم، سوى مرات محدودة، أبرزها كان تعرضه لواقعة اغتيال في سبتمبر (أيلول) 2007 في باتنة جنوب شرق الجزائر خلال مرور موكبه، والذي أدى لسقوط نحو 26 قتيلًا و172 جريحًا من بين الحشود.

Embed from Getty Images

الرئيس الجزائري على كرسي متحرك

بعدما حقق بوتفليقة نجاحًا لافتًا في الداخل من حيث كسب قدر أكبر من التوافق بدأ نسج معادلة في الخارج عبر تسويق نفسه بأن سياسته حالت دون وقوع عمليات العنف والإرهاب؛ لتنال كُل الإجراءات التي طبقها قبولًا واسعًا من جانب الدول الغربية، التي تسابقت في مدح سياسته. إذ وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، عام 2014 بـ«الرئيس العظيم والحكيم»، في حين تردد عليه كل رؤساء فرنسا مثل: جاك شيراك، ونيكولا ساركوزي، وفرانسوا أولاند، وأشادوا بحكمته في تطوير العلاقات الفرنسية الجزائرية.

ومن بين عشرات الرؤساء العرب، نجا بوتفليقة من الربيع العربي الذي بدأت رياحه من أقرب جيرانه، تونس؛ وذلك بفضل سياساته القائمة على المسافات الواحدة، والمساحات الآمنة للخصوم السياسين، والحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيه، بل استمر في تعزيز قبضته على السلطة؛ قبل أن تظهر من جديد مؤشرات تدل على أن صلاحية هذه السياسة قد نفذت بفعل الزمن الذي تغير، وصحته التي باتت في أسوأ أحوالها بفعل عاملي السن والمرض، وأخيرًا بسبب الشعب الذي ربما مل من هذه الطريقة في إدارة الحُكم، ويريد وجهًا جديدًا يحل محل بوتفليقة.

العهدة الخامسة لبوتفليقة «تجمع تناقضات» الجيش والأمن والاستخبارات في الجزائر

المصادر

تحميل المزيد