يدخل الحراك الشعبي في الجزائر شهره الثاني؛ دون بروز بوادر حلٍّ في الأفق لأكبر أزمةٍ سياسيةٍ تعيشها البلاد منذ الاستقلال، فبعد إعلان الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة قبل أسبوعين عن إلغاء الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في أبريل (نيسان) القادم، وسحب ترشحه منها، نتيجة مظاهراتٍ مليونيةٍ للجزائريين خرجت منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، بدأت دول العالم في توجيه أنظارها صوب ما يحدث في الجزائر.

وهو ما دفع بنائب الوزير الأوّل الجزائري رمطان العمامرة للشروع في جولةٍ مكوكية لعدة دولٍ لإقناعها بالخطة التي أعلنت عنها السلطة لحلّ الأزمة في الجزائر، وفي الواقع كان لهذه الخطوة من السلطة الأثر البالغ على مسار المظاهرات في الجزائر، إذ ساهمت في حشد الملايين من الجزائريين منددين بتدويل السلطة الحالية للأزمة دوليًا، رافضين شعار «عار عليكم الاستقواء بالخارج»، وعلى الرغم من أنّ الجولة التي شرع فيها لعمامرة لم تشمل الدول الخليجية، إلّا أنّ الأخيرة كان لها نصيبٌ كبيرٌ من الشعارات واللافتات التي طالب فيها الجزائريون السعودية والإمارات عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر.

كما انتقلت المعركة بين الجزائريين ومسؤولين خليجيين من الميدان إلى مواقع التواصل الاجتماعي، إذ هاجم النشطاء الجزائريون تغريدات لمسؤولين إماراتيين تدخلت في الشأن الجزائري.

فيما يلي من أسطر نرصد حجم الرفض الشعبي الجزائري لتدخلات الدول الخليجية ونستطلع أبرز ما تريده الدول الخليجية من الحراك الشعبي في الجزائر.

«روسيا تدخل على الخط».. هل تسعى موسكو إلى إفشال الحراك في الجزائر؟

«الصيد في المياه العكرة».. لماذا تهتمّ الدول الخليجية بما يحدث في الجزائر؟

شهدت انتفاضة الجزائريين ضدّ ترشح الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة بدايةً من 22 فبراير (شباط) الماضي، تعتيمًا إعلاميًا كبيرًا، بالأخص من وسائل الإعلام المحلية، التي مُنعت من تغطية الحراك من طرف السلطات. أدى هذا التعتيم لتسليط القنوات الخليجية أضوائها نحو تغطية الحراك الشعبي لملء الفراغ الذي أحدثته الفضائيات الجزائرية، ليبدأ الاهتمام الخليجي بالحراك الشعبي في الجزائر، عبر التغطية اللحظية لقناة «العربية» السعودية وقناة «سكاي نيوز عربي» الإماراتية وكذلك قناة «الجزيرة» القطرية، إذ أفردت تلك القنوات حيزًا هامًا من برامجها لتغطية الحراك، لتتصدر أخبار الانتفاضة في الجزائر عناوين الأخبار في المحطات الخليجية.

اتجه بعدها الاهتمام الخليجي بالأحداث في الجزائر ليكتسح منصات التواصل الاجتماعي، ولتتصدر هاشتاجات الحراك الشعبي في الجزائر، الترند في معظم الدول الخليجية خصوصًا في يوم 11 من مارس (آذار) الماضي؛ الذي شهد إعلان الرئيس الجزائري عن سحب ترشحه للانتخابات وإعلان تأجيلها وإقامة ندوةٍ وطنية.

ومع إعلان بوتفليقة تنحيه خرج الأكاديمي السعودي المقرب من ابن سلمان، تركي الحمد، معلقًا على الحراك الشعبي في الجزائر عبر تغريدة على موقع «تويتر»، قائلا: «عزل بوتفليقة أمر وارد، ولكن ماذا عن المؤسسة العسكرية؟ هذا هو السؤال الأهم».

ومع تضارب الأنباء حول الدور الذي يلعبه الأخضر الإبراهيمي في الندوة المزمع تنظيمها بعد تنحي بوتفليقة؛ أدلى الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المقرب من سلطات بلاده بدلوه في الملف، بتزكيته للإبراهيمي رئيسًا للندوة المقرر تنظيمها؛ وقال عبد الله في تغريدة عبر «تويتر»: «كل التوفيق لمعالي الأخضر الإبراهيمي في ترتيب البيت الجزائري بدعم كامل من الشعب الجزائري، الذي حقق مطلبه العادل: لا للعهدة الخامسة».

لاقت تغريدة عبد الخالق عبد الله تلك، هجومًا لاذعًا من قبل الجزائريين الذين اعتبروها تدخلًا في شؤون الجزائر الداخلية؛ متهمين الإمارات بلعب دور «مشبوه وخفي» في الجزائر، وردّت الإعلامية الجزائرية في قناة «الجزيرة» خديجة بن قنة، على تغريدة عبد الخالق قائلةً: «تزكيته من الإمارات تقضي على ما بقي للرجل من مصداقية سياسية».

وعُرف عن الإمارات والسعودية معاداتها للربيع العربي خوفًا من الإصابة بعدواته، ودعمهما للثورات المضادة في الدول التي شهدت انتفاضات ضدّ الحكام؛ ولم تسلم كلٌ من ليبيا ومصر وسوريا واليمن والبحرين من تدخلات الإمارات والسعودية التي صرفت عدة مليارات لإفشال الثورات بتلك الدول، ويخشى الجزائريون من التدخل الخليجي في الحراك الشعبي الذي قد يكون وبالًا على ثورتهم ضد النظام الجزائري.

6 مشاهد من الميدان.. كيف جعلت الانتفاضة الجزائر أفضل من السويد؟

«المسألة عائلية».. كيف ردّ الحراك الشعبي في الجزائر على تدخلات الدول الخليجية؟

بين كلّ جمعةٍ وجمعةٍ تتغيّر عدة أشياء في الحراك الشعبي بالجزائر، تختفي شعارات وهتافات وتظهر أخرى؛ غير أن الثابت منذ 22 فبراير (شباط)، الموافق لأوّل مسيرةٍ مليونية يخرج فيها الجزائريون ضدّ بوتفليقة؛ هو الشعارات والهتافات ضدّ التدخل الأجنبي في الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر، وأخذت هذه الشعارات والهتافات انتشارًا واسعًا لتشمل معظم المدن والميادين التي يجتمع فيها الجزائريون للتظاهر.

وفي الجمعة الخامسة من عمر الحراك الجزائر، رصدت «ساسة بوست» عدّة لافتات كبيرة معدّة خصيصًا للهجوم على دولتي الإمارات والسعودية وضد محاولاتهم التدخل في الشأن الجزائري، ونالت لافتة «اللهم اكفِ الجزائر شرّ السعودية والإمارات» المعلقة بساحة أودان (أشهر ساحات الحراك الجزائري) شهرةً وسط الحراك مما دعا جموع المتظاهرين للتوقف عندها وترديد شعارات مناوئة للإمارات والسعودية.

وفي جولة «ساسة بوست» وسط الحراك، في جمعته الخامسة بالعاصمة الجزائر؛ التقينا بالشاب الجزائري رمزي الذي كان يحمل لافتة مناوئة للدول الخليجية. والذي قال لـ«ساسة بوست» إنّه يخشى من التدخل الخليجي في الحراك ومن دعم الإمارات لبوتفليقة، وأضاف رمزي: «الإمارات أينما تدخلت حلّ الخراب، شوف (انظر إلى) ليبيا ومصر وسوريا كيف تحولت إلى خراب بسبب الإمارات والسعودية، نحن في مشكل عائلي لا يعني أحد غير الجزائريين» .

من جهتها عبّرت الحاجة يامنة (72 سنة) والتي قدمت من مدينة مليانة خصيصًا للتظاهر مع أبنائها في العاصمة، أنّ الجزائريين يرفضون تدخل الإمارات والسعودية وقطر في الحراك الشعبي.

وغير بعيدٍ عن ساحة البريد المركزي -مركز الحراك- صادفنا مجموعة من المتظاهرين يجتمعون حول شيخ يحمل لافتة تحمل «تسقط الإمارات.. يسقط بوتفليقة» وهي اللافتة التي أثارت جدلًا واسعًا في الأيام الماضية، كونها ليست المرة الأولى التي  ترفع فيها مثل هذه اللافتات ضد الإمارات، وبسؤالنا عن سبب ربط بوتفليقة بالإمارات أعرب أغلب من التقيناهم أنّ بوتفليقة مدعومٌ من الإمارات العربية المتحدة، وأنّ هناك بصمات تدخل الأخيرة في الشأن الجزائري وإن لم تظهر للعيان بعد.

وبالرغم من عدم إعلان الدول الخليجية رسميًا عن موقفها مما يجري بالجزائر من حراك متصاعد ضد نظام الرئيس بوتفليقة، غير أنّ أصابع الإتهام باتت موجهة للإمارات بصفتها الدولة الخليجية الأكثر تدخلًا في شؤون غيرها، أولى الاتهامات كانت من الدبلوماسي المعارض محمد العربي زيتوت، الذي كشف عن وجود تحركات سعودية إماراتية لإجهاض الحراك الشعبي الجزائري المطالب بعدم ترشح الرئيس المنتهية ولايته، لعهدة رئاسية خامسة؛ وأكد زيتوت، أن «السعودية والإمارات تقفان ضد تطلعات الشعب الجزائري، وتريد ان هدم ثورته ونشر الفوضى في البلاد، كما فعلتا في ليبيا ومصر وسوريا»، وأضاف زيتوت: إن «حكام السعودية والإمارات هم قلب الثورة المضادة، وهدموا الانتفاضات الشعبية بعدد من الدول العربية التي أرادت شعوبها أن تحيا، ضد الظلم والطغيان، لكونهم يعلمون أن قيام أي نظام شرعي شعبي سيؤدي إلى سقوطهم؛ لأنهم موجودون دون قاعدة شعبية». من جهته لم يبتعد المعارض الشيخ عبد الله جاب الله، عن قاعدة اتهام الدول الخليجية بالوقوف وراء محاولات تشويه الحراك الشعبي بالقول: «الإمارات والسعودية على الخصوص متحركون لتشويه ما يمكنه تشويهه».

مترجم: أين إسلاميو الجزائر من الحراك الشعبي وهل لهم دور في المرحلة المقبلة؟

«لها تجارب سابقة».. هل تقف الامارات وراء محاولات إجهاض الحراك؟

في تحقيقٍ نشرته صحيفة «موند أفريك» الفرنسية حول العلاقات المالية المتشابكة بين أصحاب النفوذ في الجزائر والإمارات؛ والذي نشرته الصحيفة في إطار سلسلة مقالات عن «الدبلوماسية العنيفة التي تتبعها الإمارات»، كشف التحقيق الفرنسي أنّ الجزائر تبرز هذه الأيام باعتبارها محطة جديدة للإمارات، ضمن مسلسل قيادتها الثورات المضادة للربيع العربي سعيًا منها لتقويض مساعي المطالبة بالديمقراطية والحرية من الشعوب العربية، ويضيف التقرير أنه بفضل علاقات الإماراتيين الوثيقة مع عائلة بوتفليقة، وكذلك مع رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح، تلعب الإمارات العربية المتحدة دورًا مضطربًا بشكل خاص، لكنه حاسم في الأزمة الحالية في الجزائر، والغرض الوحيد من هذا التدخل بحسب التقرير، هو الحد من الحراك الشعبي واختراقه لصالح نظام بوتفليقة، مثلما فعلت مع الثورة المصرية لفائدة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويبرز التدخل الإماراتي في الشأن الجزائري بحسب التقرير الفرنسي، من خلال قيادة الإمارات غرفة عمليات مشتركة من أجل فرض نفوذها على النظام في الجزائر بالتنسيق مع دول أخرى، ضمن هدف واحد هو تقويض مطالبة الشعب الجزائري بالحرية دون تدخلات إقليمية.

من جهته كشف موقع «عربي بوست» – وفقا لما ذكر أنها مصادر مطلعة – عن خطةٍ يعمل عليها ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد شخصيًا، بالتعاون مع فرنسا والسعودية من أجل إيجاد بديلٍ لبوتفليقة، وكشفت مصادر خاصة لـ«عربي بوست» أنّ بن زايد كلّف حمد المزروعي بصفته مبعوثًا شخصيًا لبن زايد بملف الحراك الشعبي الجزائري؛ عن طريق تكثيف الاتصالات بالجيش الجزائري لإقناعه بالتدخل لتجديد النظام الجزائري.

تجدر الإشارة إلى أنّ عدّة ناشطين جزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي وجهوا اتهاماتٍ إلى الإمارات العربية المتحدة، بالوقوف وراء غلق عشرات الصفحات المؤيدة للحراك، وغرق الصفحات الجزائرية بالإشاعات والدعايات المغرضة ضد الحراك الشعبي من أجل نشر التفرقة والانشقاق في صفوفه.

ليست العهدة الخامسة فقط.. أسباب اقتصادية تدفع الجزائريين للاستمرار بالاحتجاجات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد