هل ارتكبت خطأ من قبل ورغم وضوحه لم تندم عليه؟ ربما لأنه كان سببًا في إيضاح الكثير من الأمور الخفية عنك، يمكنك أن تعد هذا الخطأ خطأً ذكيًّا فعلته دون وعي منك، فبعض رجال الأعمال وعلماء النفس يخبرونك بأن ارتكاب الأخطاء عن قصد يكون أحيانًا تصرفًا ذكيًّا لكن في إطار معين وبشروط معينة. في هذا التقرير نخبرك ما هي الأخطاء الذكية، وكيف يمكن لك أن تستغلها في استعادة ثقتك بنفسك، وإدارة أعمالك، وتربية أبنائك.

الأخطاء الذكية في العمل: «أن يكون الدرس المستفاد أكبر من الخسارة»

الخطأ الذكي من وجهة نظر بول شوماكر الخبير في مجالات الإدارة الإستراتيجية وصنع القرار وصاحب كتاب «Brilliant Mistakes: Finding Success on the Far Side of Failure» أو «الأخطاء الذكية: الوصول للنجاح على الجانب الآخر من الفشل»؛ هو الخطأ الذي نتعلم منه أكثر مما نخسر وأن الخطأ الذكي في جوهره هو الخطوة التي تتخذها بعد أن تغطي جميع الاحتمالات لحماية نفسك قدر الإمكان، مع علمك بأن تلك الخطوة قد تؤلمك أو تكبدك خسارة شيء ما، لكنها في المقابل قد تفتح لك بابًا جديدًا سواء في تفكيرك أو على أرض الواقع، والخطأ الذكي يمكن أن تكون نتيجته أيضًا رؤية الإنسان لنفسه وللعالم من حوله بشكل مختلف.

فن ارتكاب الأخطاء الذكية

ويقول إنه كلما سأل رجل أعمال ناجحًا – في إطار أبحاثه التي يستخدمها في تأليف كتبه – عن الأسباب التي ساعدته في الوصول إلى هذا النجاح، كان معظم رجال الأعمال يجيبون بأن أهم أسباب وصولهم لتلك المكانة، هو وقوعهم في الكثير من الأخطاء التي تعلموا منها كيف ينجحون.

لكن ما لاحظه شوماكر أن هؤلاء الرجال بعد الوصول إلى نقطة معينة من النجاح، يكونون أكثر حذرًا ويتجنبون ارتكاب أي خطأ أو اتخاذ أي خطوة متهورة، وسألهم شوماكر: «طالما الأخطاء هي سبب نجاحكم، فلماذا لا ترتكبون المزيد منها»؛ ويؤكد شوماكر أنه لم يحصل على إجابة من أي رجل أعمال عن هذا السؤال.

إذا نظرنا إلى هذا الخطأ فهو حتى الآن مجرد خطأ، ولكن ما ترتب عليه هو المهم، في البداية لم تكن الخسارة سوى وظيفة يمكن الحصول على غيرها، لكن الموقف الذي تعرض له عندما شعر باستغناء الشركة عنه، جعله يسأل نفسه سؤالًا مهمًّا؛ كيف أجعل من نفسي موظفًا لا يمكن الاستغناء عنه؟ وما الذي كنت أفعله في عملي على نحو غير لائق، جعل مديري قادرًا على الاستغناء عني بهذه السهولة؟

إجابات تلك الأسئلة كانت بداية الطريق للنجاح؛ طريق بدأ من خطأ ذكي، لأنه عندما طلب العلاوة المالية من العمل كان يعلم أن أكبر شيء يمكن أن يخسره هو الوظيفة وليس رأس ماله على سبيل المثال. وفي المقابل كان الدرس الذي تعلمه أكبر وأهم من وظيفة واحدة على مدار حياته كاملة، ولذلك فيما يخص العمل، يتمثل الخطأ الذكي في الدراسة الجيدة للخسارة التي ستنتج منه إذا تحولت إلى خسارة بالفعل، والتأكد من أن تلك الخسارة يمكن تعويضها، أما الدرس فسيكون على القائم بالخطأ اكتشافه بعد ارتكاب الخطأ والتعلم منه جيدًا.

وقد تضطر لارتكاب 94 خطأ صغيرًا.. لتحقق 6 نجاحات كبيرة

في كتابه «Little Bets: How Breakthrough Ideas Emerge from Small Discoveries» أو «الرهانات الصغيرة: كيف تظهر الأفكار الخارقة من الاكتشافات الصغيرة»؛ أوضح رجل الأعمال والكاتب بيتر سميس؛ أن الرهانات الصغيرة أحيانًا ما تكون سببًا في نجاحات كبيرة، واستشهد بمثال مُهم حدث في عام 1972، عندما قررت شركة «إتش بي» التكنولوجية أن تصنِّع أول آلة حاسبة علمية باسم «HP-35» والتي تقرر أن يكون سعرها في الأسواق 400 دولار أمريكي.

كلفت الشركة المختصين في دراسة السوق بمعرفة إذا كان الوضع يتحمل عرض آلة حاسبة بهذا السعر، وجاءت الإجابة «لا»، وأكد هؤلاء الخبراء الاقتصاديون للشركة أن تلك الآلة الحاسبة بهذا السعر لن تُباع ولن تحقق أرباحًا، وأن إنتاجها وعرضها في الأسواق خطأ.

لكن المدير التنفيذي للشركة، بيل هوليت، قرر أن يرتكب رهانًا صغيرًا يندرج تحت بند الأخطاء الذكية، وهو طرح ألف قطعة فقط من تلك الآلة الحاسبة، وما حدث أن تلك الآلة الحاسبة باعت ألف قطعة في يوم واحد، لكن هذا الخطأ لم يرتكبه هوليت بالصدفة أو بدون دراسة، بل إنه على مدار عمله في مجال الأعمال اكتشف أن احتمالية حدوث الانطلاقة الكبيرة من الاكتشاف الصغير قد تصل إلى ستة من 100 محاولة.

وهذا يعني أنه عليك أن تُخطئ ما يقرب من 94 مرة حتى تكتشف الاحتمالات الستة الناجحة، لكن يجب أن يكون هناك إدارة جيدة لهذا الخطأ ماليًّا، بحيث إن النجاح الكبير الذي ستحققه الانطلاقات الستة من المئة، لا بد له أن يغطي تلك الخسارة بل يحقق أرباحًا لا تقارن بها، ولكنه لم يكن ليعلم ما هي المحاولات الستة الناجحة إلا لو كان ارتكب 94 خطأ.

وينصح شوماكر أصحاب الشركات التي بها شبكات كبيرة من الموظفين، بأن يكونوا متسامحين مع موظفيهم في ارتكاب الأخطاء التي يمكن تعويض خسارتها، مع أهمية إدارة الموقف بحيث يخرج الموظف وهو مستفيد من هذا الخطأ، بل يؤكد أن هناك «مرحلة أعلى» من ارتكاب الأخطاء الذكية، وهي ارتكاب الأخطاء عن عمد؛ لإثبات نقطة بعينها، ما يأخذنا للنقطة التالية، وهي ارتكاب الأخطاء الذكية فيما يخص حياتك الشخصية.

ابنِ ثقتك بنفسك.. الأخطاء الذكية قد تخلصك من الخوف غير المبرر

في مقال لها على موقع «سايكولوجي توداي» تقول الطبيبة النفسية باربرا ماركواي، المؤلف المشارك في كتاب «Dying of Embarrassment: Help for Social Anxiety and Phobia» أو «الموت من الإحراج: المساعدة في القلق الاجتماعي والرهاب؛ أن البشر الذين يعانون من القلق الاجتماعي ودائمًا ما يضعون لتصرفاتهم أمام الآخرين معايير غير واقعية وتكاد تكون كاملة، ظنًّا منهم بأن الكمال هو شرط قبولهم عضوًا جديرًا بالانتماء إلى الجنس البشري أو ضمن جماعة بعينها.

وطرح الكتاب نظرية تخص العلاج السلوكي، تتمحور حول ارتكاب الأخطاء عمدًا بوصفها وسيلة للعلاج، وبذلك تكون تلك الأخطاء ذكية، لأن أضرارها بسيطة، لكن نتائجها أكثر قيمة. وأدرج مؤلفو الكتاب مجموعة من الأخطاء الذكية والمتنوعة والتي يجب على كل فرد أن يختار منها ما يخص مخاوفه الخاصة، وجاء ضمن هذه الأخطاء أن يرتكب الشخص فعلًا أخرق عن عمد أمام الآخرين، مثل أن يكسر كوبًا أو صحنًا في مطعم أمام عيون كل الحاضرين.

من الأخطاء الذكية المتعمدة الأخرى التي اقترحها الكتاب، هي أن يسأل الشخص عن مكان متجر وهو يقف أمامه بالفعل، فهذا قد يدفع من يسأله للسخرية منه حتى لو من باب المداعبة، وتلك السخرية للأشخاص الذين يعانون من القلق المزمن أو عدم القدرة على التعامل بثقة مع الآخرين؛ قد تكون أمرًا مرعبًا حرفيًّا بالنسبة لهم، لكن تكراره يؤهلهم للتخلص من الخوف والثقة بالنفس بشكل أكبر.

لكن لماذا تعد تلك الأخطاء ذكية؟ بحسب مؤلفي الكتاب، فتلك الأخطاء الدرس المستفاد فيها أكثر قيمة وأهمية من الخسارة ذاتها، فالخسارة هنا تتمثل في الشعور بالإحراج فقط، لكن مع تكرار الخطأ الذكي سيتعلم فاعله أنه ليس هناك أي شيء مؤذٍ في أن يتعرض للإحراج أمام الآخرين، ذلك أنه ورغم تكرار الخطأ لم يلفظه المجتمع – كما كان يتصور- ومن ثم سيعمل هذا الخطأ على بناء ثقة بذاته، فعندما يواجه الشخص مخاوفه عن طريق ارتكاب خطأ مع تأمين الخسائر التي قد تنتج من هذا الخطأ؛ يصبح خطأ ذكيًّا.

«علموا أولادكم بعضًا من الفشل» فالأذكياء يخطئون أيضًا

الكثير من الآباء يريدون أن يخبروا أبناءهم طوال الوقت بأنهم «أذكياء»، ولذلك قد يساعدونهم في مرحلة الطفولة في إنجاز المهام أو الألعاب الذي يظنون أنهم سيخطؤون في تنفيذها، وبمجرد أن ينتهي الطفل من المهمة يهلل الآباء واصفينه بالذكاء، وتلك الإستراتيجية في علم النفس ليست ناجحة طوال الوقت.

يخبرنا علم النفس بأن هذا يؤثر في ما  يدعى «عقلية النمو» لدى الطفل، والتي يكون خلالها طفلك في مرحلة تطوير عقله وتكوينه، وهو مصطلح جرى تعميمه وتطويره على يد أستاذ علم النفس بجامعة ستانفورد، كارول دويك، ويقول بأن الآباء يرسخون في ذهن الطفل أن الخطأ أو الفشل شيء مخزٍ، وأن من يرتكب خطأ يكون غبيًّا، وهذا يحوِّل عقلية الطفل من حالة «عقلية النمو» إلى «العقلية الثابتة»، وهي حالة يظن فيها الطفل فطريًّا أن قدراته لا يمكن تطويرها أو تغييرها، وإذا فشل أو أخطأ في شيء فهو فاشل بشكل عام.

فما إذًا هي الأخطاء الذكية التي يمكن أن تترك طفلك يرتكبها حتى يحافظ على عقلية النمو لديه؟ واحدة من تلك الأخطاء هي ترك إجاباته الخاطئة في واجبه المدرسي دون تصحيحها له، لأن هذا سيعزز بداخله أنه معرض للخطأ منذ الصغر، خاصة وإن كانت الإجابات الأكثر هي الصحيحة، حينها سيدرك أن نجاحه وتفوقه لا يعني أنه لا يرتكب أخطاءً، وإن كانت معظم إجاباته خاطئة سيكون هذا إنذارًا له بأنه في حاجة للمزيد من التعلم، وهنا يأتي دور الوالدين في مساعدته حتى يصل له بنجاح، فيدرك أن قدراته قابلة للتطور.

وإذا لاحظت أن طفلك قد نسي شيئًا مهمًّا عليه أن يأخذه للمدرسة مثل كراس الواجب، لا تذكره بها ودعه يخوض عواقب هذا الخطأ كاملة حتى يكون قادرًا على تطوير مهارة التركيز، فتذكيرك له سيخلق في نفسه نوعًا من أنواع الاعتمادية على الآخرين في إنجاز المهام المطلوبة منه هو.

ريادة أعمال

منذ سنتين
«ما الذي أريده؟» ليس السؤال الصحيح.. هكذا تختار المسار المهني الأنسب

ولأن ظروف التربية تختلف من أسرة لأخرى فيمكنك أن تتبع القاعدة العامة الخاصة بالأخطاء الذكية، والتي طرحها شوماكر وهي أن تكون الأضرار أقل من قيمة الدرس المستفاد من الخطأ.

في النهاية؛ ليست هذه دعوة لارتكاب الأخطاء بشكل مطلق، ولكن لتقبل فكرة أن الإنسان سيتعرض للخطأ طالما كان حيًّا، وكيف يمكن أن يكون متحكمًا في طريقة تنفيذ هذا الخطأ واختياره حتى ينجو بأقل الخسائر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد