وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم العاشر من سبتمبر (أيلول) 2019 على خشبة المسرح في تجمع انتخابي أقيم في بلدة أسدود المحتلة، كان متحمسًا للغاية ليقنع الجمع من حوله ببرنامجه الانتخابي قبيل أسبوع واحد فقط من الانتخابات.

لكن أمام كم كبير من كاميرات القنوات الفضائية وغيرها أُطلق صاروخان من قطاع غزة على المكان، فتوقف نتنياهو عن خطابه الانتخابي، وظهرت صوره وهو يسارع إلى الاختباء من صواريخ المقاومة الفلسطينية، تلك الضربة جعلت نتنياهو يقرر فورًا تصفية القيادي في «حركة الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا كونه المسئول عن إطلاق تلك الصواريخ، بيد أنه تراجع عن قرراه بناء على نصيحة قادة الجيش وجهاز الأمن «الشاباك» الذين اعتبروا هذا الاغتيال حينها قد يفضى إلى حرب شاملة قبل الانتخابات.

بداية الحريق في غزة.. اغتيال أبو العطا

في تمام الساعة الرابعة قبيل فجر يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، اخترقت طائرة صغيرة تحمل قنبلة ذكية غرفة نوم قائد المنطقة الشمالية في «سرايا القدس» الذراع العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا؛ ليقع انفجار كبير تجاوز حاجز صوته حي الشجاعية (شرق مدينة غزة) حيث يقطن  أبو العطا.

 

فزع أبناء أبو العطا، وجميعهم أطفال في الغرف المجاورة من هول الانفجار، لكن من لم يصب منهم بجروح نهض من تحت الركام كي ينقذ المصابين من أشقائه، ثم سرعان ما اتجهت أنظارهم نحو غرفة والديهم، ما الذي حدث هناك؟ لقد قتل على الفور كل من أبيهم وأمهم.

ولم تتردد إسرائيل في إعلان مسؤوليته عن عملية الاغتيال بشكل سريع،  فكُشف أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) صادق بالإجماع على اغتيال أبو العطا منذ الثالث من نوفمبر الحالي، فيما لم تتردد «حركة الجهاد الإسلامي» عن إطلاق رشقات صاروخية على البلدات الإسرائيلية مباشرة بعد عملية الاغتيال، لتعلن إسرائيل حالة الطوارئ، وتجبر صواريخ «حركة الجهاد الإسلامي» الإسرائيليين على الاندفاع نحو الملاجئ في المدن القريبة من حدود غزة، قبل أن تبدأ جولة الغارات الإسرائيلية ضد أهداف الحركة في قطاع غزة، بالتزامن مع إغلاق كافة المعابر في قطاع غزة، وإغلاق المجال البحري قبالة القطاع لستة أميال.

وتعتبر إسرائيل أبو العطا الرجل «الذي قوض الهدوء في جنوب إسرائيل، وكان يتصرف بكل طريقة لتخريب محاولات التهدئة مع حماس، لقد كان قنبلة موقوتة حية»، كما قال  رئيس الأركان العامة لجيش الاحتلال الإسرائيلي اللواء أفيف كوهافي مضيفًا: «حتى يومنا هذا كان يعمل ويخطط لهجمات، وهو المسؤول عن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وعمليات القنص على السياج الأمني المحيط بقطاع غزة من الناحيتين الشرقية والشمالية».

من يقف وراء الصواريخ التي تقصف إسرائيل كلما تأزم «محور الممانعة»؟

صواريخ الجهاد تشل إسرائيل

ودع الفلسطينيين حتى الآن 23 قتيلًا سقطوا جراء التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، بينما أصيب 50 آخرون بجراح، وضجت وسائل الإعلام بصور مؤلمة لذوى الشهداء، وهم في المشافي أو خلال تشييعهم.

وفي حين لم يسقط حتى الآن أية من القتلى الإسرائيليين، اقتصرت الخسائر الإسرائيلية على اقتصادية وعسكرية، لذا يتساءل المحلل السياسي الإسرائيلي عميت سيغل: كيف وصلنا إلى هذا الوضع المرعب؟ وكيف يتمكن تنظيم صغير من شل نصف دولة بأكمله؟ ويجيب: «عندما اغتلنا الشيخ أحمد ياسين في 2004 أطلق ثلاثة صواريخ فقط، واليوم عندما يُغتال قائد متوسط المكانة في تنظيم صغير يُطلق 200 صاروخ (حتى مساء أمس)»، ويتابع القول: «توقف عندنا التعليم، وتم شل الاقتصاد وأعلنت حالة الطوارئ التي لم تعلن منذ 30 عامًا، واليوم تضطر إسرائيل لخوض حرب حقيقية بسبب اغتيال شخص واحد، وتتملق حماس حتى لا تشارك في المواجهة وترسل لها الرسائل المهدئة».

ويواصل القول: «أزمتنا الخانقة مع غزة يتحمل المسؤولية عنها ستة رؤساء وزراء وعدد كبير من وزراء الحرب الذين لم يحلوا مشكلة غزة بشكل إستراتيجي، وها نحن ندفع الثمن الباهظ، فمليون تلميذ لم يتوجهوا لمدارسهم و500 ألف عام هجروا أعمالهم بسبب صواريخ غزة».

فيما يقول الرئيس السابق لمكتب صحيفة «هآرتس» بواشنطن عكيفا ألدار: إن «تزامن اندلاع الأزمة الأمنية العسكرية مع غزة مع استمرار الأزمة السياسية الحزبية قد يشكل فرصة لإعادة ترتيب جدول الأعمال الإسرائيلي، وليس إبعادها جانبًا، والدخول في لعبة الكراسي والمناصب، ومن ثم تحول السياسة الإسرائيلية القائمة تجاه غزة إلى نقمة على سكان وسط إسرائيل، وبذلك لم يعد فقط مستوطنو غلاف غزة رهائن لهذه السياسة، وإنما انضم إليهم سكان تل أبيب؛ مما تطلب إلغاء عدة فعاليات يومية فيها بسبب توتر الوضع الأمني».

أيام صعبة في انتظار غزة.. نفتالي بينيت المتطرف يتوعد قطاع غزة

مرر نتنياهو الذي شغل منصب «وزير الدفاع الإسرائيلي» منذ استقالة أفيغدور ليبرمان في أواخر العام الماضي، شعلة المنصب إلى عضو الكنيست عن حزب «اليمين الجديد»، نفتالي بينيت صباح 12 من نوفمبر الحالي، فقد جاء تعينه كجزء من صفقة شملت دمج كتلتي «الليكود» و«اليمين الجديد» في الكنيست الإسرائيلي.

وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بنت (المصدر: تايمز أوف إسرائيل)

المهم أن نفتالي بينيت باشر عمله بالتزامن مع تعرض إسرائيل لوابل من الصواريخ من غزة في أعقاب اغتيال القيادي بهاء أبو العطا، وبكل تأكيد تسر عملية الاغتيال نفتالي بينيت الذي سبق وأن وصف سياسات نتنياهو في غزة بأنها «لا تتسم بقدر كاف من القوة»، وطالب برد أكثر صرامة على إطلاق الصواريخ من غزة، وباستئناف عمليات الاغتيال.

لذا لم يكن من الغريب أن يكون أول تصريح صحافي لـ«نفتالي بينيت» وزيرًا لجيش الاحتلال، بالرغم من أنه لم يلعب دورًا مهمًا في قرار الاغتيال الذي اتخذ قبل تعيينه: «كل من يحاول إلحاق الأذى بنا ويخطط لذلك، فأنا متأكد أنه لن يمر عليه الليل، لن نتردد في استخدام سياسة الاغتيالات.. كل من يحاول ضربنا سنضربه.. فعلنًا ذلك بالأمس، ولن نتردد مستقبلًا في العمل أيضًا».

يقول المحلل السياسي حسن عبده: إن نفتالي بينيت من الشخصيات المتزمتة فهو يرى أنه لا بد من احتلال غزة بالكامل، لكن هذا لا يروق للمستوى الأمني والسياسي في إسرائيل، ويوضح: «في الغالب سياسته ستكون مشابهة لتجربة ليبرمان، فعندما تولي ليبرمان وزارة الدفاع كان نتنياهو مهيمنًا على تلك الوزارة، فالحالة مع نفتالي بنت ستكون مشابهة، نتنياهو سيكون مهيمنًا على السياسة العسكرية، ولن تكون قرارات السلم والحرب من نصيب وزير الدفاع وحده».

  «حركة حماس» والموقف من التصعيد

«الاحتلال سيدفع ثمن حماقاته ودخوله في مقامرة غير محسوبة العواقب، ولن نسمح له بفرض معادلاته وسياساته على شعبنا»، هذا ما قالت «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» في أول بيان لها عقب التصعيد المستمر الآن في قطاع غزة.

قادة من حماس والجهاد الإسلامي

عسكريًا حتى الآن لم تشارك «حركة حماس» في القتال، كما تحرص إسرائيل على عدم قصف مواقع الحركة إذ ما يزال القصف يستهدف مواقع «حركة الجهاد الإسلامي» فقط، وذلك في محاولة منها لعدم إخراج حماس من معادلة التصعيد الحالي، كي لا تنجر الأمور إلى مواجهة عسكرية واسعة في القطاع، لكن الأخطر هو الحملة التي يشنها الإسرائيليين لإظهار موقف «حركة حماس» مثل خروج عن الصف الوطني الفلسطيني، إذ يكرر هذا الادعاء في محاولة لدق إسفين بين «حركة حماس» والجهاد، خاصة ان إسرائيل قدمت أبو العطا باعتباره «الابن العاق المتمرد على حكم حماس».

يقول الأكاديمي والمحلل السياسي نهاد الشيخ خليل أن قادة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسهم نتنياهو، اتفقوا على توجيه ضربة للمقاومة ممثلة بـ«حركة الجهاد الإسلامي» في محاولة منهم لإحداث شرخ في صفوف المقاومة، بتصنيفها أن هناك مقاومة جيدة يمكن الاتفاق معها، وهناك مقاومة سيئة يجب القضاء عليها، مضيفًا: «كما أراد نتنياهو أن يحقق مكاسب داخلية في مواجهة خصومه السياسيين، وهو يحاول توسيع حكومته المؤقتة أو الحالية، وهي رغبة التقت مع تقدير الجيش والمخابرات بأن التخلص من بهاء أبو العطا بوصفه أحد الرؤوس المهمة في الجهاد الإسلامي هو أمر ضروري لأمن دولة الاحتلال».

ويتابع الشيخ خليل: «من خلال المتابعة لما يجرى بالقطاع، فإن حالة الوحدة بين أذرع المقاومة بالذات المسلحة تقف على أرض صلبة، وهي لم تنشأ كطفرة وإنما ولدت من خضم معاناة كبيرة، وعلى الأرض داخل المواجهة تولدت حالات من الثقة في النوايا بأن هذه الأذرع لن يسلم منها الآخر، ولن يخذل أحد منها الآخر، وإن أحتاجت أحيانًا أن يقوموا بتبادل الأدوار بتكتيكات معينة فهذا شأنهم، وهذا أمر يبدو أنه أمر بينهم متفق عليه».

وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «التفاهم والشراكة بين هذه الأذرع أقوى من أن يزعزعها إطلاق صواريخ اليوم من هذا الفصيل أو ذاك، أو امتناع هذا الفصيل أو ذاك عن إطلاق صواريخ لتقديرات ربما يتفهمون عليها».

سيناريوهات الأيام القادمة

اقتحمت حادثة اغتيال أبو العطا حالة  الاتفاق الضمني للتهدئة بين حماس وإسرائيل، وذلك على أمل من الإسرائيليين أن يتم «خداع الفلسطينيين ولمنحهم إحساسًا كاذبًا بالهدوء» كما يذكر تقرير صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية.

حشود إسرائيلية عسكرية

ويضيف التقرير: «لكن الاغتيال سيصعب كبح جماح الجهاد الإسلامي، وفي هذه الظروف الخطيرة، ليس من المستحيل أن تفقد السيطرة وننزلق إلى تصعيد أوسع بكثير»، فحسب الصحيفة: «توقعت إسرائيل أنها ستقبل بضعة أيام من التصعيد المحدود، ثم ستترك الجانب الآخر يتراجع ويعود إلى وقف إطلاق النار المتردد، الذي كان ساري المفعول طوال العام ونصف العام الماضيين».

وتواصل الصحفية القول: «النتيجة السياسية لأحداث الثلاثاء، قد تخدم نتنياهو، وربما تكون مناسبة لجانتس، لكن تداعياتها العسكرية ليست واضحة تمامًا بعد، وإسرائيل بعيدة كل البعد عن السيطرة الكاملة على التطورات القادمة».

ويرى محلل الشؤون العربية في صحيفة «يسرائيل هيوم»، عوديد جرانوت أن الجهاد الإسلامي ليست معنية بتهدئة مع إسرائيل، وحسب جرانوت، فإنه «ليس سرًا أن الإيرانيين يبذلون كل ما بوسعهم من أجل إحباط أي مجهود للتهدئة في القطاع، وازدادت كثيرًا الضغوط غير المتوقفة التي يمارسونها على الجهاد من أجل استفزاز إسرائيل – وحماس ومصر أيضًا – للانتقام من إسرائيل على الهجمات المنسوبة لها ضد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وضد أهداف إيرانية في حلبات أخرى».

وفيما يتعلق بسيناريوهات الساعات القادمة، يقول المحلل السياسي حسن عبده أن إسرائيل تسعى لأن تكون هذه الجولة محدودة وبأقل كلفة، وتسعى مع أطراف إقليمية ودولية لاحتواء موقف «حركة الجهاد الإسلامي» عند هذا الحد، مضيفًا: «لكن يبدو أن الجهاد الإسلامي سيتبع إستراتيجية طويلة المدى في تعطيل معظم الحياة اليومية في المدن الإسرائيلية، واليوم يعلن هذا الفصيل بأنه قادر على إدارة معركة متكاملة مع الاحتلال، ولديه قدرة لمكافأة أي مستوى من مستويات الاعتداء، ولديه قدرات عسكرية أكبر بكثير مما يقوم باستخدامه الآن».

ويشدد عبده أن نتنياهو سيواجه معضلة حقيقة وربما يثور عليه العام الإسرائيلي نظرًا لأن الكلفة بالغة وباهظة على الجبهة الداخلية، وسيرى أن عملية الاغتيال ليست بالأهمية التي يدفع فيها المجتمع الإسرائيلي والجبهة الداخلية كل هذا الثمن، لذا بدلًا عن أن يستفيد نتنياهو ويعزز مكانته أمام الرأي العام الإسرائيلي بهذه العملية يثور عليه الرأي العام الإسرائيلي.

لو قامت حرب على غزة الآن.. هل تستطيع «حماس» الصمود؟

المصادر

تحميل المزيد