انتشر الخبر كالصاعقة في بغداد، حاضرة الدنيا آنذاك، فاحتلّ القلق والتوجس وجوهَ وقلوبَ عشراتِ الآلاف من أهلها، الذين ذهلوا لأنباء اغتيال الخليفة العباسي المتوكل على الله، والذي كان في سن الأربعين عندما فارق الحياة بسيوف أمراء عسكره الأتراك. 

لم يكن المتوكل من صفوة الخلفاء الأقوياء في التاريخ الإسلامي، ولم يكن ذا شعبيةٍ جارفة بين العامة والخاصة، إذ كان كثير التقلب، سريع البطش، كثير الأعداء، وكان في أحيانٍِ عديدة ينصرف إلى ملذاته وترفه عن شؤون الخلافة، لكن لم يحُل هذا دون وقوع الصدمة لتلك النهاية المأساوية، والتخوُّف مما ستحمله الأيام القادمة، لاسيَّما أنها كانت الواقعة الأولى في تاريخ الدولة العباسية، بل الدول الإسلامية، التي ينقض فيها على صاحب السلطان، خاصة جُنده، غدرًا، ليبدأ كبار هؤلاء الجُند القتلة بعد ذلك في التلاعب بمصائر الدولة والأمة من أجل طموحاتهم وأهوائهم الشخصية.

لنستكشف جذور تلك الواقعة المفجعة التي كانت البداية الفعلية لتحولٍ خطير في تاريخ الأمة الإسلامية، سنعود قليلًا إلى الوراء إلى عصر والد المتوكل، الخليفة الشهير المعتصم بالله.

«سر من رأى».. عاصمة جديدة للخلافة العباسية

كان الخليفة العباسي المعتصم بن الرشيد، الذي حكم بين 218 و227هـ (833 و842م)، رجلًا عسكريًا من الطراز الأول، ولذا انصرف همه إلى حرب الحركات المتمردة على الدولة مثل الخُرَّميين، وكذلك خاض سلسلة معاركه الشهيرة مع الروم، عندما توغل إلى أعماق أراضيهم حتى فتح مدينة عمورية.

من أجل تعزيز قدرات جيشه العسكرية ضد أعداء الخارج، وكذلك لضمان حماية عرشه من أي منافسين محتملين من داخل البيت العباسي، كابن أخيه العباس بن المأمون أو سواه من الطامحين، استقدم المعتصم المئات من المحاربين الأتراك الأشداء، ليكونوا عصب جُندِه، وعمود قوته الضاربة، ولم تكن تلك السياسة اكتشافًا استثنائيًا للمعتصم، بل كانت تكريسًا لما بدأه أخوه المأمون، الخليفة السابق.

مجتمع

منذ سنتين
دفع ثمن كلمته.. ثورة «النفس الزكية» التي تسببت في جلد العباسيين للإمام مالك

في خطوةٍ غير مسبوقة في تاريخ العباسيين، منذ تأسيس بغداد في عهد أبي جعفر المنصور، شرع المعتصم منذ عام 221هـ (836م) في تأسيس عاصمةٍ إدارية جديدة لدولته، تكون معقلًا للقوة الضاربة من حرسه التركي، يدشِّن بها عصرًا جديدًا زمانًا ومكانًا، وينأى قليلًا عن أمواج الأفكار والصراعات والبشر والطموحات ومكامن الاضطرابات التي تشتبك في بغداد، التي كانت من أكبر مدن العالم آنذاك، إن لم تكن الأكبر.

كانت العاصمة الجديدة هي مدينة سامراء، شمال بغداد، والتي يعتَقَدُ أن اسمها اشتُقَّ من جملة «سُرَّ من رأى»، لبهاء القصور والمنشآت، وقوة التحصينات التي أقامها المعتصم بها. وبالرغم من السرعة الشديدة في تأسيسها، الذي استغرق ما يقارب العام فقط، ستظل سامراء عاصمة العباسيين لـ60 عامًا ونيِّف من لحظة تأسيسها، قبل أن تستعيد بغداد لقب ومكانة العاصمة لاحقًا.

حرص المعتصم على إبعاد جنده الأتراك عن بغداد لسبب مباشر، وهو صعوبة السيطرة على هذه الفرق العسكرية وسلوكها في قلب تجمع مدينيّ كبير كبغداد، بعد أن حدثت بالفعل صدامات متكررة بينَ أهل بغداد وهؤلاء الجند الغلاظ، صعبي القياد، في الفترة الأولى من عصره، ولذا حرص المعتصم في بناء عاصمته على عزل أحياء إقامة عسكرييه الأتراك عن المناطق المدنية، لتقليل فرص الاحتكاك والصدام.

الخليفة العباسي المتوكل.. محاولات إخماد الفتن تبوء بالفشل

لم يكن المعتصم مشغولًا بفتنة خلق القرآن من قريبٍ أو بعيد، لانصباب تركيزه على الحروب، لكن دفعه تأثير المعتزلة الذين تمكنوا في البلاط منذ عصر أخيه، إلى الاستمرار في اضطهاد ابن حنبل ومن معه ممن عُرِفوا لاحقًا في التاريخ بعلماء أهل الحديث.  

بعد وفاة المعتصم، عام 227هـ (842م)، آلت الخلافة إلى ابنه الواثق، والذي كان أقرب شبهًا بعمه المأمون في الجانب الفكري والعقدي، فاشتدَّ على أهل الحديث، وقتل جماعة منهم كانوا يحضرون للخروج على حكمه، وعلى رأسهم أحمد بن نصر الخزاعي، الذي  قتله الواثق بنفسه في مجلسه. ونظرًا لتلك القلاقل الداخلية وغيرها، استمرَّ الواثق في تعزيز قوة الأمراء الأتراك على منوال أبيه، فترسَّخت أقدام نفوذهم أكثر فأكثر، حتى أصبحوا يشكلون مراكز قوى راسخة المكانة.

بعد فترةٍ من توليه العرش عام 232هـ (847م)، شرع الخليفة العباسي المتوكل بن المعتصم في إنهاء فتنة خلق القرآن؛ إذ انتصر لابن حنبل ومن على رأيه، ونكب مقدَّمي المعتزلة، فكان عصر المتوكل فاتحة اضطهاد تلك الفرقة، وبداية انحسارها شبه التام عن ساحات الفاعلية في التاريخ العباسي.

لم يُسهِم إنهاء تلك الفتنة في استقرار الأمور كثيرًا، إذ تسبَّبت قرارات أخرى للمتوكل في إشعال مشكلاتٍ جسيمة، إذ أمر المتوكل بالتضييق على غير المسلمين من أهل الذمة، وفرض عليهم زيًّا موحَّدًا، ومنع الاستعانة بهم في الوظائف الهامة، وكذلك اضطهد الشيعة، وسب الإمام علي كرم الله وجهَه، وأمر بهدم قبر الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في كربلاء، وتوعَّد من يحاول زيارة أطلالِه.

دينار ذهبي مصكوك في عصر الخليفة العباسي المتوكل

دينار ذهبي مصكوك في عصر الخليفة العباسي المتوكل.

على الصعيديْن السياسي والحربي، واللذيْن كانت الأيام تدمجهما أكثر فأكثر في أروقة الدولة العباسية في تلك الفترة، لم يكن موقف الخليفة الشاب، الذي كان دون الثلاثين ببضعة أعوام عند توليه الخلافة، شديدَ القوة في مواجهة الأمراء الأتراك، لاسيَّما أن المتوكل لم يكن في مثل بأس أبيه المعتصم، ولا حسن تدبير أخيه الواثق، وكان يعتمد على الكثيرين منهم في العديد من مفاصل الدولة ومهامها الحيوية.

حاول المتوكل في مناسباتٍ عدة أن يضرب الأمراء الأتراك ببعضهم ليضعف نفوذهم جميعًا ويستعيد كامل سلطانه على الدولة، لكن لم تنجح تلك السياسة في إضعاف جبهتم كما كان يأمل، بالأخص وأن المتوكل كثيرًا ما اضطرّ لاستخدامهم ضد الثورات والقلاقل الداخلية المتكررة، وكذلك لمواجهة أعداء الخارج وعلى رأسهم البيزنطيين.

ثم أنشأ المتوكل لنفسه عاصمةً إدارية جديدة عُرفت بالمتوكِّلية، أو الجعفرية، وانتقل إليها عام 246هـ (860 م)، قبل عامٍ من اغتياله، ولم يكن لذلك الانتقال من قيمةٍ عملية كبيرة.

لا وجْد إلا أراه دون ما أجدُ ــ ولا كمن فقدتْ عيناي مُفتقدُ

إنَّا فقدناك حتى لا اصطبار لنا ــ ومات قبلَك أقوامٌ فما فُقِدوا

قد كنتُ أسرف في مالي فتُخلفه ــ فعلّمتْني الليالي كيف أقتصد

*يزيد المُهلَّبي في رثاء الخليفة العباسي المتوكل

عام 247هـ احتدمت المنافسة بين ابنيْ المتوكل؛ كان المنتصر مدعومًا بالأساس من العسكر الأتراك، بينما دعم المعتز الكثيرين من البيت العباسي، وحاول الفتح بن خاقان، وزير المتوكل المقرب منه ومن ابنه المعتز، أن يدفع الخليفة إلى إقصاء المنتصر من ولاية العهد، وإيكالها إلى المعتز.

علم الأمراء الأتراك بأن المتوكل، بتحريضٍ من ابن خاقان، على وشك المبادرة بنكب الأمير وصيف التركي والمنتصر ابن الخليفة والعديد من الأمراء الأتراك الموالين له، لا سيَّما وأن الخليفة أهان المنتصر في مجلسه، وأمر وزيرَه الفتح بن خاقان بلطم المنتصر تصغيرًا له، ووسَمه بالمستعجل، كناية عن استعجاله هلاك أبيه ليَلِيَ العهد من بعده.

لم ينتظر الأمراء الأتراك أيامًا، إنما انقضوا على الفور على المتوكل في مجلس شرابه المسائي، وقتلوه، هو وخصمهم الوزير الفتح بن خاقان، وبايعوا المنتصر بالخلافة.

ما بعد المتوكل.. 4 خلفاء في 10 سنوات

ترسّخت في العقود التالية لاغتيال الخليفة العباسي المتوكل حالة الضعف في الدولة العباسية، لا سيّما منصب الخليفة نفسه وصلاحياته، لتشهد السنوات القليلة التي أعقبت اغتيال المتوكل ما عُرِف لدى بعض المؤرخين بفوضى سامراء، حين أُسنِدَت الخلافة إلى أربغة خلفاء عباسيين متتابعين خلال 10 سنوات فقط، إذ لم يستطيعوا الحفاظ على سلطانهم أو حتى حياتهم.

كان أولهم المنتصر بن المتوكل، والذي اتُّهم بالمشاركة في تدبير اغتيال أبيه – الذي جعله وليّا للعهد منذ عام 235هـ (850م) – فلم يلبث بعده في الحكم سوى بضعة أشهر، ثم قُتِل مسمومًا.

حاول الخليفة اللاحق، المستعين بالله، أن يستغل بعض الشقاق بين الأمراء الأتراك ليضرب بعضهم ببعض، لكن ما لبثت الكفة أن مالت لصالح معارضيه، وخُلعَ ثم قُتل بعد عام واحد.

ثم عيّن المنتصرون مكانَه المعتز بالله العباسي، والذي حاول على مدار سنوات حكمه الثلاث أن يكبح غلواء العسكر الأتراك، لكننا لبث أن عُزِل وقُتل.

سعى المهتدي بالله العباسي – والذي شبهه البعض بالخليفة الأموي الشهير عمر بن عبد العزيز – لكسب رضا العامة عبر إظهار العدل، والزهد، وذلك ليقفوا في صفه ضد تغول العسكر، لكن لم تُفلح محاولته، ولقي مصير سابقيه بعد أقل من عام.

لم يكن معظم الخلفاء العباسيين اللاحقين أسعد جدًا من هؤلاء الأربعة، فقد ظلّ للعسكر الأتراك كلمة الفصل في معظم الفترات، وللخلائف الحكم الاسمي، حتى جاءت جيوش بنو بويه – وأصولهم من الفُرس الديلم، وكانوا من الشيعة الاثنى عشرية – واستولت على بغداد في القرن الرابع الهجري، ونصّبوا أنفسهم سلاطين ببغداد، تحت الحكم الرمزي لخلفاء بني العباس.

تاريخ

منذ 7 شهور
المأمون الثاني.. الحاكم المسلم الذي أحب العلم وأغدق على العلماء

ولم ينقشع الحكم البويهيّ عن بغداد إلا وقد سيطر عليها عام 447هـ أسرة عسكرية أخرى، لكن من الأتراك مرّة أخرى، وهم السلاجقة – سنيو المذهب – الذين كانت دولتهم الفتية مترامية الأطراف في شرق العالم الإسلامي تزداد قوة، فورثوا موقع سلاطين بغداد من البويهيين.

وبالرغم من نجاح بعض الخلفاء العباسيين المتأخرين في القرنين التاليين في استعادة بعض صلاحيات الحكم مع انزواء السلاجقة وغيرهم، مثل الخليفة الناصر العباسي، فقد كان مصير الزوال المحتوم قد شارف على الوقوع، واجتاحت جحافلُ المغول بغدادَ عام 656هـ (1258م)، لتفتك بآخر خلفاء بني العباس بها، الخليفة المستعصم، ومعه مئات الآلاف من سكان بغداد، وعلوها الحضاري.

بعد سنوات قليلة ستعود الخلافة العباسية الاسمية إلى الوجود، لكن من القاهرة هذه المرة، ولأكثر من قرنين ونصف تحت جناح دولة عسكرية صاعدة هي دولة سلاطين المماليك، والتي أراد أن تجمع بين شرعية الواقع بالسيف الذي قهرت به التتار، وشرعية الرمز الشرعي الممثلة في خلافة بني العباس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد