في صباح 27 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وبينما كان وزير الشباب والرياضة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًّا، حسن زيد (66 عامًا) يمر بسيارته التي تقودها ابنته الصغرى وسط العاصمة اليمنية صنعاء، اعترض طريقه مسلحان يركبان دراجة نارية، و بالتحديد عند جسر حدة، أطلق أحدهما وابلًا من الرصاص على الوزير، فأصيب بعدة طلقات نارية نقل على إثرها إلى المستشفى اليمني الألماني بصنعاء، وسرعان ما فارق الحياة هناك نظرًا لخطورة الإصابة.

فتحت عملية اغتيال الوزير زيد في منطقة يتركَّز فيها الثقل الأمني والاستخباراتي لجماعة الحوثيين جملة من الملفات، أولها أن تكون الجهة التي تقف وراء هذا الاغتيال هي إيران، حليف الحوثيين، لكون زيد واحدًا من قيادات الحوثيين الداعين للحوار، وله علاقات مع عدة أطراف يمنية وخليجية، وسبق أن اغتيلت شخصيات يمنية حوثية منفتحة على الحوار، مثل أحمد شرف الدين، ومحمد المتوكل، وعبد الكريم الخيواني، وفي احتمال آخر قد تكون حادثة الاغتيال تصفية داخلية بين أجنحة داخل الحركة الحوثية نفسها، كما سيتضح معنا في التقرير الآتي.

تيار يريد التواصل مع السعودية

عين الوزير، حسن زيد، وهو الأمين العام لحزب «الحق» اليمني المتحالف مع الحوثيين في العام 2014 وزيرَ دولة في الحكومة اليمنية، وظل في منصبه حتى استقالة الحكومة في يناير (كانون الثاني) عام 2015، ثم عين وزيرًا للشباب والرياضة في حكومة الحوثيين التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014. وباغتياله يعد أول مسؤول بارز يجري اغتياله بالحكومة الحوثية منذ تشكيلها عام 2016.

Embed from Getty Images

يمنيون يحتجون على اغتيال الزعيم الحوثي عبد الكريم الخيواني في صنعاء

يؤكد المحلل السياسي اليمني، عاتق جار الله، أن الوزير حسن زيد مؤسس «حزب الحق» كان ضمن التيار الزيدي المعارض لنظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014 انضم إليهم، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «يبدو أن مقتله يمثل صراعًا داخل أجنحة الحوثيين، إذ إن هناك تيارًا زيديًّا براجماتيًّا سياسيًّا يرى البقاء مع المملكة العربية السعودية أكثر جدوى، وهي نظرة سياسية أكثر منها دينية، أي إنه ليس ضمن الإطار الشيعي الموالي لإيران في اليمن».

ويضيف جار الله: «هذا التيار متفق ومتصالح مع إيران، لكنه لا ينتمي لها انتماء كاملًا، فيما يقابله وجود تيار أيديولوجي انصهر مع المذهب الاثني عشري، وهو تيار نافذ في جماعة الحوثيين يرى أن الخبراء من إيران وحزب الله اللبناني هم السند للعملية العسكرية للحركة في اليمن»، ويعتقد جار الله أن الصراع يأتي في هذا الإطار؛ فالكثير من قيادات العمل الزيدي جرى اغتيالهم، مضيفًا: «صراع الأجنحة داخل الحوثيين بدأ يتعالى»، مشيرًا إلى أن المذهب الاثني عشري يسعى لسيطرة أكبر «وربما يصفي الخصوم الآن».

الاغتيال.. رسالة إيرانية؟

في أكتوبر من العام الماضي، عقب الوزير المغتال زيد على إعلان إيران دعمها العسكري للحوثيين بالقول: «هذا التصريح الذي لا يوجد لإعلانه أي مبرر إلا تفسير واحد، وهو يجب أن تظل السعودية غارقة في الدماء اليمنية إلى أن تتفكك السعودية، وهذا التصريح انتهازية إيرانية بامتياز؛ ولهذا يجب علينا أن نقطع الطريق على محاولة إيران الاستمرار في إشعال النار التي تحرق أجساد أطفالنا، وتقتل شبابنا، وتميت مرضانا، وتفتك بضعفائنا».

الوزير الراحل مع ابنته (شبكات التواصل الاجتماعي)

يؤكد الصحافي اليمني عبد الله دوبله أن الوزير حسن زيد ينتمى إلى التيار الإمامي الكبير، «حزب الحق»، الذي تأسس إبان التعددية السياسية في 1990، أي قبل وجود الحركة الحوثية، ويضيف: «حسن زيد ليس قياديًّا في التنظيم الحوثي الذي أنشأته إيران في اليمن، لكنهم التقوا في المشروع نفسه، الحزب الإمامي الذي يتبعه حسن زيد يدعو إلى الإمامة (حكم البطنين)، والحوثي أيضًا يدعو إلى حكم الولاية التي تقوم على أن الحوثي هو القائم بأمر الله، فالمشروعان يصبان في الوقت نفسه لخدمة السلالة الهاشمية في اليمن».

ويتابع القول لـ«ساسة بوست» : «يبدو لي أن حسن زيد من ضمن تيار إمامي وسلالي واسع يحبذ التواصل مع السعودية، وربما لديهم قنواتهم الخاصة بالتواصل مع الرياض فعلًا، ولذلك يكون مقتله رسالة إيرانية قوية إلى التيار السلالي الذي ينتمي إليه زيد وإلى الإمامة التي كانت تحكم اليمن قبل الرئاسة الجمهورية، بأنه لا خيار أمامهم إلا الانخراط التام في المشروع الإيراني الذي يسيطر عليه الحرس الثوري في اليمن».

ويستدرك القول: «يبدو أن حسن زيد له اتصالاته مع السعودية وبعض الأطراف، وربما حتى مع الأمريكيين؛ فوثائق «ويكيليكس» سربت تواصل حسن زيد مع الأمريكيين، ويبدو أن هذا التيار الإمامي الذي يحكم اليمن لديه تياراته ووسائل تواصل مع السعودية، وإيران تريد الآن أن تقول إن اليمن خاص بها فقط، ولا تطمئن إلا لمن دربته عبر الحرس الثوري».

صراع أجنحة وتصفية داخلية

عجلت الجماعة الحوثية باتهام التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن باغتيال الوزير، وجاء في بيان وزارة الداخلية بالحكومة الحوثية: «أقدمت صباح الثلاثاء في العاصمة صنعاء عناصر تابعة للعدوان (في إشارة للتحالف العربي) على اغتيال وزير الشباب والرياضة حسن زيد»، وأضاف البيان: «هذا الفعل الإجرامي يأتي ضمن مخطط العدوان (التحالف العربي) لاستهداف الشخصيات والكوادر الوطنية».

Embed from Getty Images

يمني يقرأ صحيفة محلية عليها صورة في الصفحة الأولى لصالح الصمد، ثاني أرفع زعيم في جماعة الحوثي، ورئيس المجلس السياسي للحوثيين، اغتيل عام 2018.

جاء اغتيال الوزير الحوثي، حسن زيد، بينما كانت جماعة الحوثي تستعد للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وبينما أعلن جهاز الأمن الوقائي الحوثي إغلاق العاصمة صنعاء، لتطرح تلك الأوضاع الأمنية احتمالًا أن عملية الاغتيال هي تصفية نتيجة لخلافات وصراع أجنحة لدى الحوثيين، كما يقول لنا توفيق الحميدي، حقوقي يمني ورئيس منظمة سام للحقوق والحريات. ويذكر الحميدي أن هناك جناح صنعاء الذي يمثله التيار المنفتح – إذا جاز التعبير – مقابل جناح الصقور الذي يريد أن يهيمن على المشهد بالقوة العسكرية، ويمثله محمد علي الحوثي، وعبد الملك الحوثي بشكل أساسي.

ويوضح الحميدي لـ«ساسة بوست» أنه وبعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء وقت عدة اغتيالات استهدفت رموزًا سياسية، واعتادت الجماعة على اتهام أطراف أخرى بأنها وراء تلك العمليات، مضيفًا: «لكن سيطرة الحوثيين على العاصمة ووجود أجهزتهم الأمنية لن يحرك ساكنًا تجاه محاكمة مرتكبي تلك العمليات».

فمثلًا «في عملية اغتيال إبراهيم بدر الدين الحوثي – شقيق زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي – ادعت الجماعة في حينها أن من اغتاله فر إلى مأرب، في محاولة لرمي التهم على الحكومة الشرعية. ومع ذلك قتلت الجماعة المتهم في أحد فنادق مأرب، مما يؤكد أن هذا الاغتيال جرى في عملية تصفية بين أفراد الجماعة نفسها، وقد يكون حسن زيد من الأطراف التي ترغب في حل سياسي في مقابل عدم رغبة ذلك من قبل جناح الصقور المسيطر على المشهد السياسي والأمني».

ويرى الحميدي أن عملية الاغتيال سيجري استيعابها، ولن نرى تداعيات سريعة، خاصة في ظل وجود «طرف ضعيف» هو الحكومة الشرعية، على حد تعبير الحميدي، وهو طرف غير قادر على استغلال مثل تلك الأحداث أو تقديم قراءة عن صراع الأجنحة داخل الجماعة الحوثية حتى الآن. وربما نرى أن هذا الجناح سيعمل على لملمة هذا الملف وتحويله لملف جنائي، وقد تجري عملية تصفية واسعة، حسب الحميدي.

عربي

منذ شهر
السعودية أم الحوثيون.. من يعرقل السلام في اليمن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد