بهدف عرقلة الملف النووي الإيراني، استعانت دولة الاحتلال الإسرائيلي بكل الطرق التي تتوافر لها، ومن ذلك الإقدام على اغتيال العلماء الإيرانيين النوويين. ولم تكن دولة الاحتلال الإسرائيلي حتى وقت قريب بعيدة عن محاولات اغتيال علماء إيرانيين، فمساعد عمليات القيادة لجهاز الأمن في الحرس الثوري الإيراني “يعقوب باقري” أعلن في يناير الماضي إن الجهاز “أحبط أحدث محاولة لاغتيال عالم نووي إيراني من قبل الصهاينة”، ورغم أن دولة الاحتلال لم تقر في السابق بأنها تقف وراء تلك الاغتيالات، دفعها قبل أيام الامتعاض من توقيع الاتفاق النووي مع الدول الست للخروج عن طورها، والتهديد بمزيد من الاغتيالات ليسجل بذلك الإعلان الأكثر صراحة بأن الموساد ورجال الاستخبارات الإسرائيلية هم من يقفون وراء تلك الاغتيالات.

ويوضح موقف الولايات المتحدة الأمريكية – التي تمت الاغتيالات على الأقل بمعرفتها – المطالب للاحتلال بوقف تصفية علماء إيرانيين لأن ذلك “يمس بالمساعي المبذولة لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة مع إيران على خلفية برنامجها النووي“، مع إصرار الاحتلال على المضي في هذه الاغتيالات أثناء مفاوضات الاتفاق وبعد توقيعه.

هل كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي وراء عمليات اغتيال عملاء إيران؟

“ليس مسئولا عن أعمار علماء إيران في مجال الطاقة النووية”، هذا ما قال وزير الدفاع في دولة الاحتلال الإسرائيلي موشيه يعلون قبل أيام، ورأت فيه صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية التهديد الأكثر صراحة، والذي يوجهه مسئول إسرائيلي رفيع المستوى بشأن البرنامج النووي الإيراني، بعد سنوات من إنكار علاقة دولة الاحتلال بعمليات الاغتيالات التي طالت العديد من علماء الذرة في إيران، وهو ما يؤكد أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية هي المسئولة عن عمليات الاغتيال التي طالت علماء نوويين إيرانيين، ولم يكتفِ يعلون بذلك بل واصل القول: “لا تبقى سوى حقيقة واضحة وهي أنه يتعين بطريقة أو بأخرى وقف برنامج طهران النووي، سنعمل بأي طريقة ولسنا مستعدين للقبول بدولة إيران النووية”.

دليل آخر يكشف حقيقة أن دولة الاحتلال هي التي وقفت خلف اغتيالات علماء إيران، وهو الكشف عن ضغط أمريكي على دولة الاحتلال سعى “لوقف أجهزتها الاستخبارية عن قتل المزيد من العلماء الإيرانيين” أضف إلى ذلك اعترافات بعض عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية بالعمل على اصطیاد النخب العلمیة الإیرانية. كما يعدّ تحذير جيش الاحتلال لضباطه من عمليات “انتقامية” إيرانية في داخل الكيان وخارجه دليلًا على إدراك دولة الاحتلال لإمكانية الانتقام الإيراني منها، فحسب موقع “يديعوت أحرونوت” وجه جيش الاحتلال لضباطه الكبار رسالة تطالبهم باتباع وسائل الحذر داخل حدود دولة الاحتلال وخارجها، ووصل الحد لتحذيرهم أثناء تواجدهم في الخارج من عدم التردد إلى البقالة ذاتها.

وجاء في كتاب الصحفيَّين دان رفيف ويوسي ميلمان “حرب الأشباح” (‏Spies AgainstArmageddon‏)، “كانت الاغتيالات في الغالب حصيلة عمل رجال موساد إسرائيليين”.

في كل عملية اغتيال لعالم إيراني، كانت تحقيقات إيران تنتهي باتهام صريح بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الأمريكية هي من تقف وراء عمليات الاغتيال، ففي مقابلة مع شبكة ABC الأمريكية (2013) قال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف: “لدينا ذخيرة كبيرة من العلماء. لا يمكن أن تقتل إسرائيل كل علمائنا. الولايات المتحدة أتاحت لإسرائيل قتل عُلماء أبرياء. لسوء الحظّ، قتلت إسرائيل عددًا من العُلماء، ولم يحرّك أحدٌ ساكنًا حيال ذلك”.

ماذا قالت التقارير الصحفية عن دور دولة الاحتلال الإسرائيلي في عمليات الاغتيال؟

عدة صحف وتقارير منها “إسرائيلي” أكد على وقوف دولة الاحتلال الإسرائيلي وراء عمليات الاغتيال، فقد ذكرت صحيفة «معاريف» أن «الموساد» تحت قيادة الرئيس السابق (مائير دغان) كان يركز أكثر على اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها: «إنه في الوقت الذي كان يتزايد فيه الجدل في إسرائيل والولايات المتحدة حول ضربة عسكرية ممكنة لوقف البرنامج النووي الإيراني، تظهر حملة سرية متصاعدة من الاغتيالات والتفجيرات والهجمات عبر الإنترنت والانشقاقات”، أي أنه كانت هناك حملة سرية متعددة الجوانب ضد إيران، نجحت في إبطاء برنامج تخصيب اليورانيوم، وهي أيضًا “أفضل بكثير من ضربات جوية مكشوفة تشنها إسرائيل أو الولايات المتحدة على مواقع نووية إيرانية يشتبه فيها” كما يقول باتريك كلاوسن، الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

كما أن صحيفة “الصاندي تلغراف” ذكرت أن دولة الاحتلال تقف وراء عملية اغتيال العالم الإيراني شهرياري، وبحسب الصحيفة فإن هذه العملية آخر ضربةٍ سددها مئير داغان في آخر أيام ترأسه جهاز الموساد، أما مجلة “دير شبيغل” الألمانية فقالت إن اغتيال رضائي نجاد يعد أول عملية اغتيال نفذها رئيس الموساد الجديد تامير باردو، إثر توليه منصبه.

هل ستستأنف الاغتيالات بعد الاتفاق النووي؟

“إسرائيل لديها أمر واضح، وهو أن المشروع النووي العسكري الإيراني ينبغي أن يتوقف بطريقة أو بأخرى”، واحد من جملة التصريحات التي أدلى بها يعلون لمجلة “دير شبيغل” الألمانية، لكن الأكثر وضوحًا هو قوله: “ليس مسئولا عن أعمار علماء إيران في مجال الطاقة النووية”، وهو تصريح يؤكد على موقف دولة الاحتلال الإسرائيلي الواضح والمعلن من الاتفاق النووي.

فقبل وبعد توقيع الاتفاق النووي انتقدت دولة الاحتلال بشدة الاتفاق، وأعلنت أنها غير مقتنعة بإحباط الخطط الإيرانية للتسلح النووي، وهو مقتنعة أن إيران تسعى لإنتاج سلاح نووي بعد توقيع الاتفاق النووي، مما يعني أن الخطر قائم على الاحتلال وعلى دول أخرى.

وكما يقول يعلون “الاتفاق مع إيران سيمكنها من الاستمرار في الوقوف على أعتاب النادي النووي، وسيسمح لها بتخصيب اليورانيوم في غضون عشر سنوات”، كما أن “رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران “سيساعدها في الحصول على مئات المليارات من الدولارات والتي ستستطيع من خلالها تقديم مزيد من الأموال إلى حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الإسلامي والحوثيين في اليمن وكذلك الشيعة في كل من البحرين والمملكة العربية السعودية” كما يقول يعلون.

كيف تعمل إيران على حماية علمائها؟

أدركت إيران تصميم الاحتلال على اغتيال علمائها النوويين، فعززت رقابتها على علمائها، ومنعتهم من التعريف عن أنفسهم مطلقا، حيث يلاحظ في الصور التلفزيونية التي تبث من المنشآت النووية الإيرانية عدم إظهار وجوههم في هذه المواقع.

يؤكد حسن محمدي رئيس تحرير موقع “اميد هسته اي” أن: “العدد الدقيق للموظفين والخبراء والعلماء الإيرانيين في المواقع النووية، غير معروف، فلا توجد أبحاث رسمية أو دقيقة تنشر العدد الدقيق لهؤلاء، إذ إن طهران حذرة للغاية في الكشف عن معلومات من هذا النوع”، وطالبت إيران مؤخرا في مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي (إن بي تي) باتخاذ إجراءات سريعة للحد من تكرار وقوع الاغتيالات.

وتدرك إيران خطورة التجسس الإسرائيلي والأمريكي عليها الذي يسهل عمليات الاغتيال تلك، خاصة بعد أن اكتشفت أن عملية اغتيال عالم الذرة الإيراني الكبير البروفيسور مسعود محمدي في العام 2010 يقف وراءها الإيراني مجيد جمالي فاشي الذي جنده “الموساد” لتصفية محمدي، فقد اعترف فاشي أنه عمل في خدمة “الموساد” الإسرائيلي، وانضم فاشي إلى قائمة طويلة من إيرانيين عملوا في صفوف “الموساد”.

وتدرك إيران نية دولة الاحتلال المبيتة بعد توقيع الاتفاق بجدية التهديدات ضد علمائها، يقول الخبير بالشؤون النووية الإيرانية حسن بهشتي بور: “إن ثمن الاغتيالات النووية كان كبيرا، وهناك أعداد كبرى ستنضم لهذا المجال في المستقبل القريب، ويجب الحصول على ضمانات غربية بالدرجة الأولى خلال جولات الحوار النووي لضمان عدم الكشف عن معلومات البرنامج النووي السرية، وزيادة الحماية والرقابة على العلماء كونهم يخدمون البلاد”.

أبرز من اغتيل من علماء إيران النوويين

البروفسور مسعود علي محمدي

بدأت الاغتيالات في يناير عام 2010 ،عندما اغتيل البروفسور مسعود علي محمدي أستاذ الفيزياء الذي ترك بصمات جلية على برنامج إيران إثر استهدافه بعبوة لاصقة على سيارته.

البروفسور جيد شهرياري

اغتيل جيد شهرياري في نوفمبر من العام 2010، وعرف بدوره في تطوير الجيل الجديد من أجهزة الطرد المركزي.

داريوش رضائي نجاد

في صيف عام 2011 استهدف الكيان الإسرائيلي، العالم الإيراني المتخصص في الطاقة الكهربائية داريوش رضائي نجاد، اغتيل بالرصاص على مرأى طفلته.

مصطفى أحمد روشن

آخر العلماء النوويين الذين اغتيلوا كان المتخصص في مجال الكيمياء مصطفى أحمد روشن، والذي اغتيل في يناير عام 2012 بانفجار قنبلة لاصقة وضعت على السيارة التي كان بداخلها.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد