بعد 26 عامًا من المطاردة، تمكن الموساد الإسرائيلي قبل أيام من اغتيال الأسير المحرر عمر النايف الفلسطيني، صاحب السجل الحافل: بدء من العمليات ضد القوات الإسرائيلية، وانتهاء بقدرته على الهروب من حبسه.

حدث ذلك بعد أن لجأ الرجل قبل شهرين إلى السفارة الفلسطينية في بلغاريا؛ للاحتماء من ترصد الموساد له به، لقد كان خياره هذا سببًا في تسهيل عملية اغتياله، فعلى الرغم من أنه لا يخفي أن دولة إسرائيل هي من نفذت عملية اغتيال النايف بعد أن طالبت بلغاريا بتسليمه قبل شهرين، كانت القضية الأهم بالنسبة للرأي العام الفلسطيني هي: من ساعد وحدة «كيدون» الإسرائيلية في تنفيذ عملية الاغتيال داخل مبنى السفارة الفلسطينية؟

القضية المثارة الآن على الساحة الفلسطينية، وصلت لحد اتهام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – ويُعد النايف أحد كوادرها- لوزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، بالتلاعب في نتائج التحقيق الذي أعلنت عنه السلطة الفلسطينية.

السؤال الذي نُحاول طرحه،يتمحور حول هل يمكن أن يحاكم المتورطون في قضية اغتيال عمر النايف؟ أم ستلحق القضية بملف الاغتيالات المغلقة، وأهمه قضية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات؟

من هو القيادي في الجبهة الشعبية عمر النايف؟

اسمه عمر نايف زايد النايف، يُعرف بـ«عمر النايف»، ويناديه أعضاء وكوادر تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بـ«الرفيق عمر». وُلد النايف عام 1964 في مدينة جنين الواقعة شمال الضفة الغربية، وتحديدًا في بلدة اليامون. مع بداية العشرينات من عمره، قرر النايف الالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية، ما عرضه للاعتقال عدة مرات بسبب نشاطه هذا.

030616_1439_1.jpg

المحطة الأبرز في نشاط النايف كانت عام 1985م، عندما تمكن من قتل مستوطن في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، مع شقيقه حمزة وصديقهما سامر المحروم. لكن القوات الإسرائيلية لم تتمكن من اعتقاله، إلا بعد عام من المطاردة، كان هذا الاعتقال من كنيسة القيامة في مدينة القدس، في أبريل (نيسان) عام 1986م. وكان من المتوقع أن تقضي المحكمة الإسرائيلية بإنزال أقصى عقوبة على النايف، وهي السجن المؤبد، إلا أنّه قضى أربع سنوات فقط في السجون الإسرائيلية، بعد أن تمكّن من الهرب عبر خُطّة مُحكمة، حيث تظاهر بالمرض النفسي، ليُنقل إلى مُستشفى للأمراض العقلية في بيت لحم؛ ليتمكن ـ في 20 مايو (آيار) 1990م ـ من الهرب من المُستشفى والاختفاء والسفر خارج الأراضي الفلسطينية.

كان على النايف أن يقضى رحلة جديدة من المقاومة استمرت أربع سنوات، قبل أن يتمكن من الوصول إلى بلغاريا عام1994م، وهناك حصل على إقامة دائمة، وقرر الزواج من فلسطينية تحمل الجنسية البلغارية، ليصبح أبًا لثلاثة أبناء،ثم أسس عملا تجاريًا خاصًا، عبارة عن متجر صغير بالعاصمة صوفيا، هذا المتجر الذي ظهر فيه يغني ويدبك على وقع أغنية «اضرب اضرب تل أبيب» بعد الإعلان عن عمل فدائي.

كيف اغتيل عمر النايف في بلغاريا؟

بعد 26 عامًا من المطاردة، تمكنت إسرائيل من تحديد مكان عمر النايف. توجهت في سبتمبر (أيلول)الماضي بطلب رسمي للحكومة البلغارية، وتحديدًا لوزارة العدل فيها، لتسليمها النايف باعتباره «فار من العدالة، ومحكوم عليه بالسجن المؤبد».

عندما علم النايف بذلك، أدرك أن معركته تمر هذه المرة بمرحلة مصيرية، فالحكومة البلغارية التي زار رئيس وزرائها «بويكو بوريسوف» إسرائيل قبل يوم واحد من اغتياله، لم تتردد في وضعه رهن الاحتجاز لمدة 72 ساعة، وليس بعيدا عنها قرار تسليمه للاحتلال، فهي دولة مصادقة على اتفاقية تعاون قضائي منذ تسعينيات القرن الماضي.

سارع النايف لتنفيذ خياره الوحيد: الاحتماء بالسفارة الفلسطينية؛ إذ تنص الاتفاقيات الدولية على أنها تتمتع بحصانة. هناك لم يجد النايف أي تصرف رسمي فلسطيني يطمئنه على حياته، لم يجد أي تصرف يُدلل على حرص السفير أو موظفي السفارة على توفير الحماية اللازمة له، بل تعرض للكثير من الضغوطات، وصلت لحد الاعتداء الجسدي عليه، كما قالت عائلته؛ من أجل حثه على ترك مبنى السفارة،وكما تقول زوجته رانيا، فقد كانوا دائمًا يقولون له: «اطلع من السفارة»، لذلك كان الشهرين الأخيرين في حياة الناسف، بمثابة «المأساة».

قبل أسبوع من اغتياله، سمحت السفارة بدخول مجموعة من الأشخاص يرتدون زيًا أمنيًا لتفتيش المكان بحجة وجود قنبلة. عاين هؤلاء المكان الذي لجأ إليه النايف. وفي 26 فبراير (شباط) الماضي، نُفذت عملية الاغتيال على أرض السفارة الفلسطينية ببلغاريا، بعد أن فقدت عائلة النايف الاتصال به.

وُجد النايف مدرجا بالدماء. تقول السفارة الفلسطينية: إن موظفيها وجدوا النايف في حديقة السفارة، نافية حادثة إطلاق النار عليه، إلا أن عائلته أكّدت أنّه «تم العثور عليه داخل غرفته بالسفارة، وعليه آثار ضرب بطريقة احترافية، في منطقة الرأس والجزء العلوي من الجسد».

في النهاية، ثمة دلائل عدة يصفها الجميع بـ«الواضحة»، تؤكد على أن جهات عدة تقف وراء عملية الاغتيال، أولها الموساد، وتحديدًا وحدة «كيدون» المسئولة عن تنفيذ عمليات الاغتيال في العالم، وكذلك الحكومة البلغارية التي رفضت حضور ومشاركة الجانب الفلسطيني في تشريح جثمان النايف، ثم أعلنت أن الوفاة حدثت دون تدخل خارجي، فضلا عن السلطة الفلسطينية التي تمت عملية الاغتيال على أرض سفارتها. ورغم إعلان السلطة تشكيل لجنة تحقيق، إلا أن عائلة النايف انسحبت من اللجنة احتجاجًا على عدم مهنية وتخصص أعضاء اللجنة المُشكلة.

العائلة التي تتسلم جثمان النايف، أكّدت في بيانها، أن «الإسرائيليين هم من أصدروا قرار تنفيذ عملية الاغتيال، لكن هناك جهات ساعدت هؤلاء في النيل من ابنها وتريد محاكمتهم».

كيف ستتصرف الجبهة الشعبية مع اغتيال «الرفيق عمر»؟

عندما لجأ النايف إلى السفارة الفلسطينية في صوفيا، أصدرت الجبهة الشعبية – التي ينتمي لها- بيانًا، وجهت عبره كثيرًا من الرسائل إلى السفارة والمسئولين؛ كي يقوموا بواجبهم لحماية ابن الجالية الفلسطينية، أي: النايف.«لكن تلك التحركات كانت دون نتيجة»، هذا ما قاله القيادي في الجبهة الشعبية، ذو الفقار سويرجو، في تصريحاته لـ«ساسة بوست».

Palestinians of PFLP take part in a symbolic funeral for the

وأضاف سويرجو أنّه «في البداية تعرض النايف لابتزاز من قبل موظفي السفارة، ومن قبل السفير والخارجية الفلسطينية؛ بغرض إخراجه من السفارة». ويصف القيادي بالجبهة الشعبية هذه الضغوطات، بـ«العار على كل من مارسها ضد النايف»، لافتًا إلى تأكدّه من صدور قرار باغتيال «الرفيق عمر».

وعن تصرف الجبهة الشعبية بصدد القضية، قال سويرجو، إن الجبهة ستواصل التحقيق سرًا وعلنًا بُغية الوصول إلى الحقيقة، ومن هو المسئول الأول، ومن هو المسئول الثاني، وعلى حد تعبيره، فإنّ الأيام القادمة «حُبلى بالكثير من المعلومات».

ويصف القيادي بالجبهة الشعبية، اللجنة التي شكلتها السلطة الفلسطينية، بأنّها «ليست على مُستوى أن تضع أصابعها على الحقائق، وكتابة التقارير الدقيقة»، مُرجحًا أن تكون اللجنة في الأساس واقعةً تحت «ضغوطاتٍ خارجية».

أما المسئولية المبدئية عن الحادث، فقد حملتها الجبهة إلى الموساد الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، إلا جزء من المسئولية تعتبره الجبهة واقعًا على الحكومة البلغارية، التي يقول ذو الفقار سويرجو إنها «لم توفر الحد الأدنى من الأمن للنايف». والحكومة الفلسطينية أيضًا لم تسلم من الاتهامات بتحمل مسئولية اغتيال النايف، بخاصة وزارة الخارجية، والسفارة الفلسطينية في بلغاريا، «فبقصد أو بدون قصد، هم طرف في التواطؤ على مقتل النايف»، بحسب ما يقول سويرجو.

هذا واتهم القيادي بالجبهة الشعبية، وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، بالتدخل المُباشر لتغيير نتائج التحقيق، والضغط على العديد من الأطراف لتجنب خروج التقرير بنتائج صحيحة.

هل يمكن محاكمة الأطراف المتهمة دوليًا؟

حسب الاتفاقيات التي تنظم العلاقات بين الدول والسفارات المقامة على أراضيها، تعتبر السفارات امتدادًا للسيادة الإقليمية للدولة التي تمثلها، أي أن اتفاقية فيينّا الصادرة عام 1961م، وكذلك كل الاتفاقيات التي تنظم البعثات الخاصة، التي صدرت أعوام 1969 و1963، و1975، أعطت لأي سفارة السيادة الكاملة التي تمنع منعًا باتًا دخول رجال أمن الدولة أو أي طرف، إلا بإذن من السفير.

Palestinians of PFLP take part in a symbolic funeral for the

وللوقوف على حقيقة مسئولية الطرف الرسمي والدبلوماسي الفلسطيني، في هذه القضية، كونه سببًا أوليًا في إحداث صدمة لدى الرأي العام الفلسطيني في قضية النايف عمومًا، صرّح محمود العجرمي، السفير الفلسطيني السابق والخبير الاستراتيجي، لـ«ساسة بوست»، قائلًا: إنّ «ما جرى في سفارة فلسطين في صوفيا، يدل على نحو واضح وفاضح أن عملية الاغتيال تمت بتنسيق وتعاون كامل بين طاقم السفارة، بدءً من السفير، وانتهاءً برجال الأمن، مع أجهزة الأمن البلغارية والموساد الإسرائيلي».

ويُوضح العجرمي أن السبب الذي دفعه إلى الاعتقاد بذلك، هو أنّ حادثة الاغتيال وقعت بعد يومٍ واحد من زيارة رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف، إلى إسرائيل، ولقائه برئيس الموساد، وبالرئيس الفلسطيني.

العجرمي الذي تكفل بالتدقيق في أوضاع السفارات بدول عديدة، يؤكد على أن المعلومات الواردة من عائلة النايف وأصدقائه، «تكشف تورط السفارة، التي أخذت تُهدد النايف». ويُؤكد العجرمي أنّ النايف قد تعرض بالفعل إلى الاعتداء الجسدي لطرده من السفارة، وهو ما وضعه في حالة معنويةٍ سيئة للغاية قبل اغتياله.

يُضاف إلى ذلك، أنّ السفارة أُغلقت عليه ليلة الحادث، بعد أن غادرها جميع موظفيها، وهذه بحسب العجرمي، دلائل على تورط السفارة في اغتيال الرجل الذي «تُرك فريسةً للموساد بشكل منهجي ومُنظم»، بحسب تعبير العجرمي.

وبخصوص سؤال إمكانية مُحاكمة القاتل، يُوافق محمود العجرمي، على أنّه من الممكن أن يحدث ذلك، «رغم أن البلغاريين يرفضون أي تعاون حتى الآن، ورغم تورط السلطة الفلسطينية». لكن ذلك لن يحدث إلا في حال واحد، كما يرى العجرمي، وهو «تشكيل لجنة محايدة من أطراف ولجان حقوقية ضد الاغتيال بدون محاكمات، بخاصة وأن بلغاريا مسئولة؛ لأن الحادث وقع على أراضيها، كما أنّ الجانب الفلسطيني مسئول، لأن الحادث وقع على منطقة سيادته».

المصادر

تحميل المزيد