قبل نحو 18 عامًا، نفذت المقاومة الفلسطينية عملية لا ينساها الفلسطينيون، كان هدفها اغتيال وزير إسرائيلي يميني متطرف، وأحد الداعين لفكرة  «الترانسفير» أو التطهير العرقي ضد الفلسطينيين، هو رحبعام زئيفي، وزير السياحة في ذاك الوقت، ونجحت العملية ونُفذت خلال 3 دقائق، فما التفاصيل التي سبقت العملية، على الصعيدين السياسي والحربي؟ وما هي قصة اغتيال زئيفي؟

عدنا لنقاوم لا لنساوم

هكذا افتتح أبو علي مصطفى، الاسم الحركي لمصطفى علي العلي الزبيري الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عودته للوطن في أغسطس (آب) 1999،  بعد أن غيب عنه قسرًا لمدة استمرت 32 عامًا.

كان ذلك في أعقاب اتفاق بينه وبين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، الذي كان يقود مباحثات السلام مع الجانب الإسرائيلي، وكانت الخطوة ضمن ترتيبات التسهيلات التي كان يسوغها الجانبين، سمحت إسرائيل بعودة أبو علي مصطفى الذي أسس رفقة الدكتور جورج حبش، «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، إلى بلدته في جنين، بعد أن كان مطاردًا ومطلوبًا.

تردد صدى العبارة في آذان الحكومة الإسرائيلية، التي كانت تعيش حالة انسجام مع منظمة التحرير وقيادتها، فقد كانت الحكومة الإسرائيلية تخشى مواقف وردود أفعال الفصائل الفلسطينية الرافضة للاتفاق مثل «الجبهة الشعبية»، و«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وكانت عبارة أبو مصطفى تأكيدًا قاطعًا على موقفه من مباحثات السلام التي كان يجري تنفيذها آنذاك.

Embed from Getty Images

وخلال هذه الفترة، عزز الأمين الذي كان يكرر عبارة «نحن هنا لنناضل معًا» على مسامع الجموع التي تحيطه، من وجود «الجبهة الشعبية» حضورًا وتأثيرًا في المشهد الفلسطيني، وصعّد العمل السياسي والعسكري خلال فترة حضوره في فلسطين.

ويمكن القول بأن عودة الأمين العام للجبهة الشعبية، توجت بنهاية خلقت مسارًا جديدًا في المسار العملياتي للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بدءًا من لحظة اغتياله كأول زعيم سياسي فلسطيني من الصف الأول، وليس انتهاءً بعملية اغتيال وزير إسرائيلي بارز.

مكالمة «الهليكوبتر» تنهي صباح يوم هادئ

صباح يوم 27 أغسطس عام 2001، كان الركود اللحظي يخيم على ميادين فلسطين، فقد مر عام على الانتفاضة الثانية التي اندلعت في 28 سبتمبر (أيلول) عام 2000، ولا زالت تحتفظ بوهجها وتعيد إنتاجه بشكل مستمر.

أدى وجود أبو علي مصطفى في فلسطين وقيادة «الجبهة الشعبية» ميدانيًا، إلى تصعيد العمل المقاوم ضد إسرائيل، فنفذت الجبهة عدة عمليات قوية في القدس وغيرها من الأماكن، وبينما كانت شرارة الانتفاضة يشتد عودها يومًا بعد آخر، وجدت إسرائيل أن جعبتها مفرغة من الحلول القادرة على وقف الانتفاضة، وانزلقت فورًا إلى قرار تصفية القيادة السياسية، التي تراها مسؤولة عن حشد غضب الجماهير.

أدرك أبو علي مصطفى يومها، أن إسرائيل  بدأت فعليًا باغتيال رؤوس التنظيمات الفلسطينية، ولم تعد تكتفي بالقيادات الميدانية، كان ذلك حين اغتيل القياديان في حركة «حماس»، جمال سليم وجمال منصور، عبر صواريخ موجهة من الطائرات الحربية في 31 يوليو (تموز) 2001. يومها قال أبو علي مصطفى للمقربين منه: «بدأت عملية تصفية رؤوس الشعب الفلسطيني، وليس الكوادر الميدانية فقط».

في إحدى بنايات مدينة رام الله، يسند أبو علي مصطفى، ظهره إلى كرسي مكتبه، بعد أن حضر فجأة إلى المكتب، الساعة تشير إلى ما قبل الحادية عشر صباحًا، كان يومًا هادئًا في ساعاته الأولى، مثل بقية أيام الانتفاضة، ينظر تارة إلى الهاتف الذي يتموضع جانبه وسيحمل إليه مكالمة سريعة، من تلفزيون فلسطين لإجراء لقاء صحافي، ويسرح تارة أخرى بخياله مفكرًا في الحالة الفلسطينية.

طرق الباب مدير مكتبه عقل صالح -الذي روى لاحقًا اللحظات الأخيرة لعملية الاغتيال في لقاء مرئي مع «التلفزيون العربي»-، ودخل حاملًا مجموعة من الأوراق، سلمها لأبو علي، وأغلق وراءه الباب. 10 دقائق مرت حسبما قال صالح، رنّ بعدها الهاتف ورفع السماعة أبو علي، فأجابته «الهليكوبتر» التي كانت تحلق على بعد أمتار بصاروخين، واغتالته على كرسيه.

صدم خبر اغتيال الأمين العام «للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى الفلسطينيين، وفيما كانت الجموع تحتشد لتشييع جثمانه، كان رفيق دربه أحمد سعدات الذي شغل نائب الأمين العام آنذاك، يجيب على سؤال الصحافي الذي يمشي إلى جانبه محاولًا نزع تعليقًا منه:«النار اللي بتحكي»، ليخرج سعدات مرة أخرى في عزاء الشهيد ويقول: «قسمًا يا رمز عزتنا، الرأس بالرأس، والعين بالعين، والسن بالسن».

لم تأخذ إسرائيل تهديدات «الجبهة الشعبية» على محمل الجد، وفي الوقت الذي كانت فيه «الجبهة» تبحث عن هدف ذا ثقل سياسي في حكومة إسرائيل، ليكون ردًا أوليًا على اغتيال الأمين العام، كانت دولة الاحتلال تظن أن الأمور ستجري بشكلها الاعتيادي، ولن تقفز إلى اغتيال وزير إسرائيلي.

اغتيال زئيفي.. أن تتفوق «المقاومة» أمنيًا على إسرائيل

في مقهى العرب بمدينة رام الله، وعلى طاولة تلتصق بزاوية بعيدة عن الناس، كان الجالسون يتحدثون بصوت خفيض أقرب إلى الهمس: «سنغتال زئيفي»، دون استغراب، ظل مقاتلو «الجبهة الشعبية» الثلاثة، مجدي الريماوي وحمدي قرعان وباسل الأسمر، يتدارسون تفاصيل عملية اغتيال وزير إسرائيلي بارز تحت ضوء المقهى الخفيف.

أخرج قرعان صورة وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، المنشورة في احدى الصحف، وعرضها على رفيقه قائلًا: «هذا هو الوزير زئيفي وهو في الخامسة والسبعين من عمره وأب لخمسة أطفال وهو موجود في الطابق الثامن من الفندق (فندق حياة ريجنسي في القدس المحتلة) وسنقتله».

اغتيال وزير إسرائيلي

رحبعام زئيفي، حاملًا سلاحه، مصدر الصورة: «وكالة الرأي»

قبل ثلاثة أيام من وقت العملية المحدد، نفذ الثلاثة طلعات استكشافية لطبيعة الفندق الأمنية، عرفوا مداخله وخارجه ورتبوا خطواتهم وهم يتجولون بأوراق تعريف مزورة، وخلال ذلك، راقبوا تحركات الوزير؛ أوقات نشاطاته وخلوده إلى غرفته، ثم هبطوا إلى بيت قريب من المكان، لوضع آخر اللمسات.

جهز الريماوي سيارة ذهبية اللون، ممهورة بهوية إسرائيلية، كيلا تثير الشكوك الأمنية أثناء التحرك بها.

صباح يوم الثلاثاء الموافق 16 أكتوبر (تشرين أول) عام 2001، تحرك المقاتلون الثلاثة، لمكان العملية، أشارت الساعة إلى الخامسة عصرًا، حين وصل الثلاثة الفندق، أوقفوا السيارة في مرآب الفندق، وصعدوا إلى صالة الاستقبال، تناولوا رقم الغرفة من الموظف، وصعدوا ثانية إلى الغرفة.

من قصص الخذلان المنسية.. كيف باع العرب القضية الفلسطينية؟

خطط الثلاثة لأن تكون العملية كما يلي:  أن ينتظر أحدهم خارجًا في السيارة لتأمين خروج المنفذين الاثنين من المنطقة، في حين يقتحم  أحدهم غرفة الوزير، أما الأخير فيراقب الحركة الخارجية للغرفة.

تسلم الثلاثة الأسلحة وذهبوا لشراء ملابس جديدة حتى لا يثيروا شكوك نزلاء الفندق، وبعد ليلة من الحديث، تطلع أحدهم إلى الساعة التي كانت تشير إلى الخامسة صباحًا يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول). خرج  الاثنان حوالي الساعة السادسة صباحًا، مستخدمين سلالم الطوارئ حتى الطابق الثامن حيث غرفة زئيفي، وضعوا مسدساتهما على خاصرتهما مخفينها بالملابس العلوية، ثم اقتحما غرفة زئيفي، وضربه أحدهما ثلاثة رصاصات أصابت رأسه وجسده، ثم علقوا ورقة تعلن فيها «الجبهة الشعبية» تبنيها للعملية ردًا على اغتيال الأمين العام أبو علي مصطفى، وسارعوا إلى سيارتهم المتوقفة في مرآب الفندق.

هكذا نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في تحقيق أعدته عن العملية، شهادات مقاتلي «الجبهة» التي رووها للمحققين الإسرائيليين في أقبية السجون الإسرائيلية، بعد أن نجحت إسرائيل عبر جولات من التحقيق والتعذيب المروع في استدراجهم، وسحب اعترافاتهم.

«كل شيء تغير»

جرت عملية اغتيال زئيفي اليميني المتطرف وأحد الداعين لفكرة  «الترانسفير» أو التطهير العرقي ضد الفلسطينيين، في غضون ثلاث دقائق، مرت على إسرائيل بمثابة صفعة أمنية، «تغير كل شيء» بعدها كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون في ذلك الوقت، وهو  يهدد الفلسطينيين ورئيسهم آنذاك ياسر عرفات.

اغتيال وزير إسرائيلي

شارون بعد أن أنهى خطابًا ينعي فيه زئيفي، مصدر الصورة: «الهدف»

إذ كان زئيفي داعمًا وداعيًا لفكرة «الترانسفير» أوالتطهير العرقي، وتُمَثِّلُ هذه الفكرة حسبما قال الكاتب كميل أبو حنيش، في مقال له بعنوان: «الترانسفير في فكر وممارسة إسرائيل»؛ جوهر المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعًا كولونياليًا، يقوم على أنقاضِ شعبٍ آخَرَ.

وقدم الكاتب ثلاثة استراتيجيات تقوم عليها الفكرة الترانسفيرية الإسرائيلية، الأولى: تتمثّل في إنكار وجود الشَّعْبِ الفلسطيني في مُقدِّمةٍ لتجريدهِ من حقوقه الوطنية والسياسية، وصولًا إلى ترحيله عن أرضه، أما الثَّانية فتتمثَّلُ في ممارسةِ التَّطهيرِ العِرْقِيِّ بحق الشَّعبِ الفلسطيني، كما حدث عام 1948 بتهجير أكثر من نصفه عن أرضه، أما الثَّالثة: فهي استراتيجية (الترانسفير الزَّاحف) بوسائلَ مختلفةٍ، إذ بدأتْ في هذه الاستراتيجية بعد حرب يونيو (حزيران) عام 1967، والمستمرة حتى يومنا هذا، وقد شكّلت هذه الاستراتيجيات الثلاث جوهر المشروع الصهيوني منذ أكثر من 100 عام.

شكل اغتيال زئيفي -الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي- والوزير الذي يعد أحد أهم مؤسسي دولة إسرائيل، ضربة كبيرة لإسرائيل، التي لم تتخيل يومًا أن فصيلًا فلسطينيًا سيتجاوز التهديد إلى الرد المباشر واغتيال أحد أبرز رجالاتها، في عملية أمنية معقدة.

Embed from Getty Images

زعيم الجبهة الشعبية أحمد سعدات

وضعت إسرائيل اعتقال قتلة زئيفي شرطًا لإنهاء حصارها لمقر عرفات في رام الله، الذي أحاطت به الدبابات الإسرائيلية، خلال عدوان «السور الواقي» الذي نفذه الجيش الإسرائيلي إبان الانتفاضة الثانية، وقال شارون، وقتها، إن: «عرفات سيظل حبيسًا إلى أن يتم اعتقال منفذي الاغتيال ومدبريه ومحاكمتهم أو تسليمهم لإسرائيل».

اغتيال وزير إسرائيلي

منفذي عملية الاغتيال، مصدر الصورة: «الهدف»

وفي أعقاب الموقف الإسرائيلي، عقد اتفاق بين السلطة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي والولايات المتحدة وبريطانيا، وتعهدت السلطة الفلسطينية بملاحقة المسؤولين عن العملية، فاعتقلت الأمين العام الحالي لـ «الجبهة الشعبية» أحمد سعدات والخلية المنفذة، في يناير (كانون الثاني) عام  200، ووضعوا في سجن أريحا شرقي الضفة، تحت مراقبة أمريكية وبريطانية.

ليقتحم الجيش الإسرائيلي لاحقًا السجن في 14 مارس (آذار 2006)، ويعتقلهم في سجونه، بعد أن حكم على أعضاء الخلية المنفذة؛ مجدي الريماوي بالسجن  106 سنوات، وحمدي القرعان 125 سنة، وباسل الأسمر 60 سنة، وأحمد سعدات 30 سنة، وذلك بتهمة رئاسة تنظيم سياسي محظور، فيما حوكم عاهد أبو غلمة بالسجن 31 سنة بتهمة قيادة منظمة عسكرية.

الصليب سلاحًا في وجه الاحتلال.. 4 مقاومين «مسيحيين» حملوا هم فلسطين على أكتافهم

 

المصادر

تحميل المزيد