في مساء الخامس والعشرين من ديسمبر (2015)، كان  المقر السري لتنظيم “جيش الإسلام”  أكبر فصيل للمعارضة السورية المسلحة هدفًا  لطائرة روسية، في هذا المقر كان القائد العام للتنظيم زهران علوش يجتمع مع  قادة تنظيمه، في غوطة دمشق، لكن صاروخًا روسيا – على الأغلب-  استهدف هذا الجمع وقضى على علوش مع اثنين من مرافقيه.

وبذلك سجل مقتل أبرز قائد للمعارضة السورية منذ بدأت روسيا بحملتها الجوية في سوريا في 30 من سبتمبر، وواحد من أهم القادة الميدانيين في الساحة السورية والعربية، فرغم تعرض التنظيم وقائده لعدة انتقادات، إلا أنه لا ينكر أن علوش أنشأ تنظيمًا مسلحًا يعتمد المؤسساتية، ويُربط بمرجعية سياسية وقضائية.

ومع رحيل “علوش” العدو المشترك بين تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والنظام السوري وروسيا وإيران وحزب الله، يحاول تقرير “ساسة بوست” التالي قراءة تداعيات اغتيال علوش على التنظيم والمعارضة السورية ومفاوضتها على وجه التحديد.

 

(1) ما هو «جيش الإسلام»، وأين يتواجد بسوريا

 

في عام  2013، قررت عدة تنظيمات سورية معارضة التوحد تحت لواء واحد، فنجم عن ذلك تشكل أكبر فصيل للمعارضة المسلحة في ضواحي دمشق تحت اسم “جيش الإسلام”، الذي أصبح أحد التنظيمات المشاركة في تحالف “الجبهة الإسلامية” بسوريا.

قاد هذا التنظيم محمد زهران علوش المعروف بـ”زهران علوش”، وهو قيادي ينتمي للجيش السوري الحر، تحرر من سجون النظام السوري في بداية الثورة السورية عام2011  في إطار عفو عام شمل العشرات من المعارضين السوريين.

يقدر مقاتلو التنظيم بخمس عشر ألف مقاتل، هؤلاء يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والنظام السوري وعناصر إيران وحزب الله، وغالبيتهم من المحررين من سجون النظام السوري، الذين سارعوا لتشكيل مجموعة مسلحة انطلقت من  مدينة دوما بغوطة دمشق، وأطلقوا عليها اسم تشكيل “سرية الإسلام” ومع ازدياد عدد المنضمين للتشكيل العسكري، أعلن زهران علوش تشكيل “لواء الإسلام” في يونيو 2012، وفي سبتمبر 2013 أعلن عن توحّد عشرات الأولوية والكتائب والفصائل المسلحة في تنظيم “جيش الإسلام”  كما أسلفنا. يتكون التنظيم من مجلس قيادة و26  مكتباً إدارياً و64  كتيبة عسكرية، وتنشط هذه الألوية والكتائب والفصائل المنضوية تحت لواء “جيش الإسلام” في مناطق دمشق وريفها ومحافظات حمص واللاذقية وحماة وإدلب وحلب ودير الزور، ويسيطر على الغوطة الشرقية المجاورة لدمشق.

وفيما يتعلق بأيدلوجية هذا التنظيم، يقول المحللون: إنها “سلفية تنطلق من منظور سوري وطني، وليس من مفهوم الجهاد العالمي الذي يتبناه تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة. “وتثار حول  التنظيم إشكاليات تتعلق برفضه للديمقراطية، إذ نقل عن علوش رفضه مبدأ الديمقراطية في خطبة ألقاها في أحد مساجد دوما، لكن في مقابلة إعلامية بعد ذلك قال علوش: إنه “بعد إسقاط نظام الحكم سيُترك للشعب السوري أن يختار شكل الدولة التي يريد”، ويمكنا الإشارة إلى أن مناطق سيطرة “جيش الإسلام” شهدت احتجاجات عدة ضد تنظيم علوش، كالمطالبة  بالإفراج عن معتقلين متواجدين في “سجن التوبة” التابع لجيش الإسلام.

 

 

(2) العلاقة بين جيش الإسلام و«الدولة الإسلامية»

 

 

ما إن أعلن عن استشهاد القائد العام لـ”جيش الإسلام” زهران علوش أول أمس، حتى سارع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى الاحتفاء بمقتله، بل وزع أنصار داعش الحلوى مباركين بالخلاص من العدو اللدود المشترك بينهم وبين النظام السوري والإيراني والروسي، ففي وقت كان قادة داعش مهددين من قبل روسيا بالاستهداف، جاءت هذه الغارة  لتخليصهم من قائد جيش الإسلام.

ورغم أن “جيش الإسلام” ينتمي إلى السلفية، إلا أنه لا يتبنى نفس الخيارات الأيدولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية، ويُسجل التنظيم كونه أول فصيل سوري يتخذ قراراً عاجلًا بقتال “داعش” ومنع تمددهم في المناطق السورية، فتنظيم جيش الإسلام “المرتد” والكافر”  من وجهة نظر “داعش” هو أكثر فصائل المعارضة السورية التي تصدت لداعش في الغوطة الشرقية وأرياف إدلب وحلب وحمص.  وقد تمكن “جيش الإسلام” من طرد داعش من ريف دمشق، وخاض معه معارك شرسة في مخيم اليرموك، واستطاع “جيش الإسلام” إضعاف داعش في القلمون، وقد وصل الأمر لحد إعدام “جيش الإسلام”، عناصر من تنظيم داعش بطريقة التنظيم نفسه في إعدام خصومه.

يقول زهران علوش : “تنظيم الدولة والنظام وجهان لعملة واحدة، ماذا يمكن أن نفسر قتال داعش لفصائل المعارضة المسلمة في مخيم اليرموك وبنفس الوقت تترك قوات النظام التي تفرض حصارها على المخيم منذ أكثر من عامين ونصف وتجوع آلاف المدنيين بداخله. أليس حرياً بداعش قتال هؤلاء بدلاً من قتالنا”. وتابع القول : “لا مستقبل لداعش في سورية، لأنه كما ذكرت هو تنظيم مبني على الغلو والتفكير والولوغ بالدماء، ومختلف عن تركيبة المجتمع السوري، وكل يوم تتسع رقعة المخالفين لداعش وتكثر أعداد الفصائل التي هي على استعداد لقتاله لطرده من التراب السوري. وكما هو معروف أن السوريين هم من بدأ في قتال داعش حتى قبل توسعه، وواجهوه بإمكانيات سوريّة بحتة”.

أما المتحدث الرسمي باسم “جيش الإسلام” إسلام زهران فيري أن “داعش هو صنيعة المخابرات الإيرانية والسورية، وبقاؤه مرتبط ارتباطا وثيقا ببقاء النظام خاصة فيما يتعلق بإمداده بالمال والسلاح، وعند سقوط النظام سيتلاشى بأسرع مما تتخيل .. فهذا التنظيم لا يمتلك عمقا في المجتمع السوري ، بل هو طارئ عليه”.

 

(2) جيش الإسلام والدعم الخليجي

 

 

يعتقد أن تنظيم “جيش الإسلام” وقائده الراحل زهران علوش كانوا يتلقون الدعم من بعض الدول الخليجية ضمن مخصصات دعم “المعارضة السورية المعتدلة”، إذ تشير التقارير إلى أن الدعم الأساسي لعلوش كقائد تنظيم محسوب على الجبهة الإسلامية كان يصل عبر المملكة العربية السعودية، وأن ملايين الدولارات السعودية خصصت لتمويل ودعم “جيش الإسلام”، لمواجهة الجماعات الأكثر تشددًا، وأولها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ففي إطار سعى الولايات المتحدة وتركيا والسعودية إلى تدريب المعارضة المعتدلة في سوريا، كان قائد جيش الإسلام العام “زهران علوش” هو الأبرز لمواجهة داعش والنظام السوري سويًا، فحتى قبيل مقتله بفترة قصيرة تمكن زهران من زيارة تركيا ثم زار السعودية في إطار تكليفه بمهام عسكرية وسياسية، وينقل تقرير “روتيرز” عن مصادر معارضة قولها: ” إن السعودية هي التي دفعت كتائب للمعارضة تنشط داخل دمشق وحولها لأن تعلن انضواءها تحت قيادة موحدة تضم 50 جماعة وبضعة آلاف من المقاتلين”، وحسب ذات المصادر: فإن  “من شأن تشكيل جيش الإسلام بالضواحي الشرقية لدمشق تحت قيادة زهران علوش زعيم جماعة لواء الإسلام أن يقوي شوكة السلفيين الجهاديين الموالين للرياض في مواجهة جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام التي تسيطر على أراض من جماعات إسلامية أخرى في مناطق بشمال وشرق سوريا”.

ويقول المحللون: إن هذا الدعم هو “العامل الرئيس خلف الاستيلاء السريع للمسلحين على محافظة إدلب، وكان لجيش الإسلام دور في ذلك، وتعتقد تركيا والسعودية وقطر أنهم إذا كانوا يريدون إسقاط نظام الحكم في سورية، فعليهم أخذ الأمور على عاتقهم، ودعم هؤلاء الإسلاميين”.

من جانبه، نفي الناطق الرسمي باسم التنظيم “إسلام علوش” تلقي علوش الدعم من السعودية وقال: “جيش الإسلام علاقته جيدة مع جميع الأطراف الدولية التي تدعم السوريين وحقوقهم، لكن الإعلام والقوى المناوئة تصور الأمر بشكل مبتسر على أن جيش الإسلام ذراع لهذه الدولة أو تلك ، نحن ذراع للمظلومين والمضطهدين”.

 

ما هي تداعيات اغتيال علوش على تنظيم «جيش الإسلام» ومفاوضات التسوية السورية؟

 

 

يعد فقدان أي زعيم مؤسس لتنظيم مسلح أمرًا له انعكاساته المتذبذبة بين هذا التنظيم وذاك، لذلك يعتبر المحللون أن مقتل علوش ستكون له تأثيرات كبيرة على المعارضة السورية التي اعتبر “جيش الإسلام” أهمها، أما المؤيدون للنظام السوري فقد رأوا في اغتياله فرصة لحدوث فوضى بين قوات المعارضة ستعمل على تعزيز سيطرة النظام السوري على  المنطقة، وهذا ما أكده الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، إذ اعتبر أن اغتيال علوش يخدم نظام بشار الأسد وتنظيم داعش، واعتبر الائتلاف في بيان له أن: “اغتيال علوش جريمة تؤكد أهداف الغزو الروسي لسوريا، ومنها مساندة الإرهاب والنظام المستبد واستئصالُ قوى الثورة المعتدلة. و إضعاف فصائل الجيش الحر التي تصدت للإرهاب وقوضت أركانه”.

وما بين متوقع أن يحدث اغتياله شرخا، وآخر يتوقع أن  يمتص التنظيم صدمة اغتيال قائده، ويحافظ على توحده، عجل “جيش الإسلام”  بتعيين أحد نواب علوش قائدا للتنظيم، واختار النائب أبو همام البويضاني لقيادة التنظيم بعد ساعات من مقتل زهران.

وليس بعيدا عن أثر اغتيال علوش على قدرات التنظيم، التأثير الواضح على جهود الأمم المتحدة لاستئناف التسوية السياسية في سوريا، فجيش الإسلام هو أحد أهم مكونات الهيئة العليا للمفاوضات التي انبثقت عن مؤتمر الرياض يوم 10 كانون الثاني 2015، وتهدف روسيا جراء تزامن عملية اغتيال علوش مع مؤتمر الرياض، إلى المماطلة في إيجاد أي حل سياسي للأزمة السورية.

يقول المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات، الدكتور رياض حجاب:  إن “اغتيال علوش  شكل استهدافا لأي مكون من مكونات الهيئة العليا للمفاوضات، وهو استهداف للهيئة بأكملها، ولا يخدم هذا العدوان الخارجي الروسي والإيراني أية عملية سياسية، وسنبذل جهدنا في المحافل الدولية والحقوقية والقانونية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب”.

أما المتحدث الإعلامي باسم “الائتلاف السوري” المعارض أحمد رمضان فقد فاعتبر أن “قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصفية قائد جيش الإسلام زهران علوش هو اغتيال لحوار جنيف3  المرتقب، بمثابة إطلاق لرصاصة الرحمة على جهود الأمم المتحدة لاستئناف التسوية السياسية في سوريا”، وأضاف رمضان  أن هناك عدة رسائل روسية جراء عملية الاغتيال تلك ، الأولى تتمثل في “تصفية القوى العسكرية التي أيدت الحل السياسي؛ وحضرت مؤتمر الرياض، وهي خدمة كبيرة لرافضي التسوية ، وتكشف نوايا الغزو الروسي الفعلية، أما الثانية فهي “تمكين تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش، باستئصال القوى التي تتصدى فعلياً له، بالتزامن مع رعاية روسية لتفاهم يجري الحديث عنه بين نظام الأسد وتنظيم الدولة في منطقة اليرموك والحجر الأسود”، والثالثة فهي “ترحيل مفاوضات جنيف3  حتى إشعار آخر، أو إنهاؤها، ودفع الوضع في سورية إلى مزيد من التصعيد”.

من جانبه، يقول القيادي السوري المعارض أمجد فرخ:  إن “اغتيال علوش وقيادات الجيش الإسلامي في هذا التوقيت أتى في سياق الرد الروسي المباشر على مؤتمر الرياض”، مشيرًا إلى أن ” الروس يبعثون برسالة بأنه لا يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشكل مباشر مع القيادات العسكرية، وأنه لا مجال للعودة إلى التفاوض والحل السلمي، إلا بعد سحق قيادات المعارضة”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد