واحدة من أهم الصناعات الرائدة في تحديد معدلات النمو الاقتصاد العالمي هي “صناعة السيارات”، تلك الصناعة التي تلعب دورًا هامًا في الاقتصاد خاصة بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها.

يقدر عدد العاملين في هذه الصناعة بشكل مباشر بنحو 9 ملايين عامل، بينما يقدر عدد العاملين في صناعات ترتبط بصناعة السيارات بنحو 50 مليون عامل، أما حجم الاستثمارات في مراكز أبحاث تعمل على تطوير هذه الصناعة فتقدر بنحو 85 مليار دولار، بينما تحقق 26 دولة في العالم منتجة للسيارات مدخولات من هذه الصناعة تقدر بـ 430 مليار دولار.

فعلى مدى السنوات الأربعة الماضية، ارتفع معدل إنفاق قطاع صناعة السيارات على برامج البحث والتطوير بمعدل سنوي يبلغ الـ8 %، أي ما يعادل 3 أضعاف معدل الزيادة المسجلة بين عامي 2001 – 2012، حسب ما ذكرته مجموعة بوسطن الاستشارية.

تطور صناعة السيارات في العالم

مرت صناعة السيارات منذ اختراعها بعدة مراحل، وتطورت في الفترة الأخيرة حتى غدت تلعب دورًا مهمًا في الاقتصاد العالمي، يقول الخبراء إن بعض الدول والشركات العالمية قد سعت إلى اعتماد خطط مهمة في سبيل تطوير ودعم قطاع صناعة السيارات وتوفير إيرادات كبيرة من أجل برامج البحث والتطوير على أمل أن تظل في صدارة الأسواق المتغيرة بوتيرة سريعة.

تشير آخر إحصائية لمؤسسة KPMG في 2013 أن صناعة السيارات تشكل أكثر من 40% من نسبة الاقتصاد العالمي، كما تشير الدراسة ذاتها إلى أن صناعة السيارات توفر حوالي 4.9 مليون وظيفة، وأن قيمة براءات الاختراع والأبحاث الخاصة بصناعة السيارات تقدر بأكثر من 120 مليار دولار، وحجم الإنفاق في تلك الأبحاث يتعدى 9 مليارات دولار سنويًّا.

وكما تقول دراسة للمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية إن هناك دولاً كانت تُعد ضمن الاقتصادات المتعثرة؛ لكنها نجحت من خلال صناعة السيارات في أن تحسن وضعها الاقتصادي، بل أصبحت منافسة لدول لها خبرة طويلة في مجال السيارات. فالمتابع للتسلسل الزمني ما بين عامي 1945 و2013 سيجد أن دولاً مثل اليابان وألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية بخسائر اقتصادية فادحة أثرت على عمليات الإنتاج ومعدل النمو، لكنهما نجحتا في الخروج من تلك الحالة بعدما أشبعتا السوق المحلية بوسائل النقل، وساهمت حكوماتهما في جذب الاستثمارات المحلية والعالمية للقطاع الخاص، الأمر الذي جعل اليابان تبدأ في التصدير الفعلي لسياراتها سنة 1962 إلى الولايات المتحدة، وأوروبا، تلتها ألمانيا في نهاية الستينيات، وهو ما جعل دولاً أخرى تتبع نفس النهج مثل الصين والهند؛ حيث زاد معدل النمو في الصين وحدها إلى 9.3 % ما بين عامي 2010 و2012، والهند إلى 6.3% في نفس الفترة الزمنية بحسب إحصائيات البنك الدولي؛ حيث إن الاستثمارات التي تضخ في كلا البلدين في تصنيع السيارات تقدر بحوالي 7.2 مليارات دولار.

كما يظهر تقرير للمنظمة الدولية لصانعي السيارات OICA لسنة 2013 أن إيران وصلت إلى تصنيع 1.3 مليون سيارة سنويًّا، وتركيا إلى 1.1 مليون سيارة سنويًّا، مما يضعهما في قائمة الدول العشرين الأوائل في تصنيع السيارات.

كيف تفوق الألمان على البريطانيين في صناعة السيارات؟

يظهر تقرير وثائقي بثته قناة BBC World في أغسطس2013 كيف أصبحت ألمانيا إحدى أكبر الدول المصنعة للسيارات في العالم، وذلك بسبب ارتفاع معدلات النمو في ألمانيا وازدهار مستوى المعيشة لدى مواطنيها.

يقول الكاتب المختص في شؤون صناعة السيارات “دومينيك ساندفورد” إنه قبل أربعين عامًا (1974)، كان أكبر مصنعي السيارات في ألمانيا يضع اللمسات النهائية لمنتج غير وجه صناعة السيارات الألمانية إلى الأبد، هذا المنتج هو سيارة “فولكسفاغن غولف” التي أصبحت واحدة من أكثر السيارات مبيعًا في التاريخ، وبحلول أواخر خمسينيات القرن الماضي، كان الإنتاج الصناعي الألماني قد سجل ارتفاعًا ملحوظًا، رافقه انخفاض في معدل البطالة. وبينما في تلك الفترة، كانت بريطانيا تسير في الاتجاه المعاكس. فبعد عقود قضتها باجترار أمجاد “المجتمع الموسر” الذي حققته بفضل كونها واحدة من أعظم البلدان الصناعية في العالم، كانت بريطانيا – وصناعة السيارات فيها على وجه الخصوص- تتدهور بشكل ملموس.

واليوم أصبحت ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، ورابع أكبر اقتصاد في العالم، وثاني أكبر بلد مصدر في العالم، بينما أصبحت بريطانيا التي كانت تزخر دائمًا بالمهارات تفتقر للإدارة الجيدة والنقابات المتعاونة والأولويات الصحيحة وأخلاقيات العمل الرصينة. وفي نهاية المطاف، اضطر البريطانيون إلى دفع ثمن باهظ لهذه الإخفاقات.

الدول العربية وصناعة السيارات

توجد صناعة للسيارات في تسع دول عربية، هي: مصر، والسعودية، والمغرب، وتونس، والعراق، والجزائر، وليبيا، والسودان. إلا أنها لم تحقق تطورًا فعليًّا إلا في بعض هذه الدول، حيث تعتبر منطقة الشرق الأوسط من المناطق المحتملة للاستثمار في مجال التجميع وليس التصنيع، كونها من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.

ورغم وجود مشاريع تجميع ضخمة لشركات عالمية في مصر وتونس والمغرب فإن مردودها الاقتصادي لا يقارن بدول أخرى في المنطقة مثل إيران وتركيا، حيث حرصت تلك الدول على شراء خطوط الإنتاج العالمية، وإعادة تصنيع السيارة بجميع مكوناتها محليًّا، بعكس الاعتماد على استيراد القطع الأساسية من المصنع لتجميعها محليًّا، كما حدث مع النموذج الصيني في بداية التسعينيات.

يشير تقرير للمنظمة الدولية لصانعي السيارات  OICAلسنة 2013، أن المغرب تتصدر القائمة في المنطقة العربية بحوالي 167.452 سيارة سنويًّا (تجميع)، تليها مصر بحوالي 39.050 سيارة سنويًّا (تجميع)، ثم أخيرًا تونس بحوالي 1.860 سيارة سنويًّا (تجميع). بينما تستورد المنطقة العربية ما بين 10% إلى 15% من الإنتاج العالمي للسيارات المقدر بحوالي 13.8 مليون سيارة سنويًّا، ويرجع ذلك إلى صغر حجم الصناعة لإشباع السوق العربية، وعدم قدرة مصانع التجميع الموجودة في الوطن العربي على إشباع الأسواق المحلية والإقليمية، فضلاً عن إنتاج سيارة محلية تنافس في الأسواق العالمية كما هو الحال مع النماذج الصينية والتركية والإيرانية.

وتعدد دراسة المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية أسباب عدم وجود صناعة لسيارات في الوطن العربي، أبرزها دخول المنطقة في صراعات وحروب عدة أدت إلى نضوب الاستثمارات الأجنبية في المنطقة في فترة الستينيات والسبعينيات، والأزمات الاقتصادية العالمية التي أثرت سلبًا على المستويات الإنتاجية في المنطقة، والتي أدت إلى البحث عن اقتصادات متعثرة لضمان خفض تكلفة الإنتاج، من هذا المبدأ قامت مصانع تجميع السيارات في المنطقة، ويضاف إلى أسباب عدم وجود تلك الصناعة الثورات العربية التي أخرت عمليات الإنتاج للسنة الرابعة على التوالي بسبب عدم الاستقرار في السياسات الداخلية، وبالتالي أدت إلى تقلب في عمليات الإنتاج والاستثمارات والاستيراد.

 

 

المصادر

تحميل المزيد