عبد القادر بن مسعود 5
عبد القادر بن مسعود 5

12,386

فوق كرسيّه المتحرك، ورغم وضعه الصحي الصعب، أزال الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» قبل يومين من بدأ شهر رمضان الستار عن لوحة تدشين زاوية الشيخ «محمد عبد اللطيف بلقايد» شيخ الطريقة الصوفية البلقائدية في العاصمة الجزائر، في مشهدٍ أثبت من خلاله بوتفليقة وفاءه للصوفية بعد الهزّة التي خلّفها إخراج شيخ السلفية في الجزائر محمد فركوس الصوفية من أهل السنّة والجماعة.

وفاءُ السلطة للصوفية قابله رد جميل من أتباع الطرق الصوفية، إذ شهدت زيارة بوتفليقة للزاوية البلقايدية استقبالًا شعبيًّا كبيرًا، وتكريمًا من الزاوية البلقايدية للرئيس الجزائري، في صورة عبّرت عن العلاقة الجيّدة بين الصوفية والسلطة في الجزائر، في الأسطر التالية نحاول وضعك في الصورة حول الطريقة البلقائدية، إحدى أكثر الطرق ولاءً للسلطة، وعن علاقتها بالرئيس بوتفليقة.

الطريقة الشاذلية منبع الطريقة البلقايدية

تعتبر الطريقة الشاذلية أصل الطرق الصوفية في الجزائر، وترجع نسبتها إلى أبي الحسن الشاذلي، وقد انتشرت طريقته عن طريق خليفته أبي العباس أحمد المرسي الذي كان يقول عن نفسه: «والله لو حُجب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين»، وبعد وفاته استلم تلميذه أبو العطاء السكندري راية نشر الطريقة الشاذلية إلى أن وصلت إلى الجزائر.

ويذكر المؤرخ الجزائري الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه «تاريخ الجزائرالثقافي» أنّ لهذه الطريقة أكثر من 20 فرعًا منشقًا عنها في الجزائر منها: الزروقية، واليوسفية، والعيساوية، والكرزازية، والشيخية، والناصرية، والطيبية، والزيانية، والحنصالية، والحبيبية، والمدنية، والدرقاوية، إضافة إلى البلقائدية.

الشيخ محمد بلقايد مؤسس الطريقة البلقائدية

هذه الأخيرة تعدّ حسب الدكتور أبي القاسم سعد الله «طريقة صوفية سنية، ذات منهج في التعليم العرفاني والتربية الصوفية، ولها جمهور كبير في الجزائر وشمال أفريقيا، كما أن لها مريدين في باقي أنحاء العالم، أسسها محمد بلقائد الهبري الشريف الحسني الإدريسي في تلمسان، وهو عالم دين وأحد أعلام التصوف الذي كان هبريًّا قبل أن ينشق ويؤسس الطريقة البلقايدية».

ولد الشيخ محمد بلقائد مؤسس الطريقة البلقايدية عام 1911 وسط عائلة يصل نسبها إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، واشتهرت بالعلم والكرم، وحفظ القرآن وتتلمذ على كبار علماء مدينة تلمسان، ومنهم: الإمام بوعروق، والإمام حسين النجار، وغيرهما، ثم سافر إلى خارج الجزائر ليتلقى العلم من صدور العلماء في مختلف البلدان، ومنها الشام.

وبعد وفاته سنة 1998، تسلم ابنه عبد اللطيف بلقايد مسؤولية الإشراف على الطريقة البلقايدية، وكانت جامعة وهران قد كرمت العام الماضي شيخ الزاوية البلقايدية محمد عبد اللطيف بلقايد، في مقر الزاوية بسيدي معروف في وهران، وأكد عميد جامعة وهران، سنوسي محمد، في حفل التكريم الذي حضره أتباع الطريقة البلقايدية ومريدوها وبعض الأساتذة الجامعيين، أن تكريم هذا «العالم الجليل والفقيه الكبير ورجل المحبة والسلام والتسامح والإخاء، يأتي في سياق دوره الجلي في إقامة الزاوية البلقايدية، هذا الصرح العظيم الذي تحوّل اليوم إلى منارة ومحجة لكل أهل المحبة والتصوف يتواردون ويقبلون عليه من كل حدب وصوب، ينهلون من منابع الوسطية والاعتدال».

عبد اللطيف بلقائد شيخ الطريقة البلقائدية أثناء تكريمه في جامعة وهران

اشتهرت الزاوية البلقايدية على مدار 12 سنة مضت بإقامة الدروس المحمدية في مقرها بوهران (غرب الجزائر) خلال شهر رمضان من كلّ عام، إذ يحتضن هذا العام المقر الجديد في العاصمة الجزائر الطبعة الحالية للدروس المحمدية تحت شعار «ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم»، وتعدّ الدروس المحمدية المنظمة من طرف الزاوية البلقايدية موعدًا لالتقاء مشايخ الطرق الصوفية في الجزائر والوطن العربي.

الدُّور السرِّي للطرق الصوفية في الجزائر وعلاقتها بالسلطة

الطريقة البلقايدية.. قبلة المؤسسة العسكرية والمثقفين في الجزائر

كان محمد بلقايد مؤسس الطريقة البلقائدية يعيش في كنف الطريقة الهبرية القادمة للجزائر من الريف المغربي، ومع استقلال الجزائر قرّر الشيخ محمد بلقايد الانشقاق عن الهبرية مؤسسًا طريقته الخاصة المنسوبة إليه، الطريقة البلقايدية في مدينة تلمسان غربي الجزائر؛ ليصبح للطريقة جمهورٌ كبيرٌ تعدى جغرافيا الجزائر ليتوغّل في شمال أفريقيا، وبعد وفاة مؤسسها محمد، أسندت قيادة الطريقة لولده عبد اللطيف بلقايد منذ سنة 1998 إلى الآن.

يؤكد أستاذ الشريعة بجامعة باتنة الدكتور نور الدين بولحية أن «للطريقة البلقايدية الهبرية أتباعًا كثر، خصوصًا من ذوي النفوذ، سواءً من المؤسسة العسكرية، أو رجال المخابرات والشرطة، وأصحاب المراكز الحساسة، وبعض رجال كبار الأعمال الجزائريين أيضًا».

ويسرد أبو لحية قائلًا: «إن ما أشيع عن انتماء بن بلة وبوتفليقة للطريقة البلقايدية الهبرية، يرجع إلى أن الكثير من سكان تلمسان يتأثرون بهذه الطريقة وينتمون إليها خاصة طبقة المثقفين، وهناك حضرات وخلوات صوفية تقام هناك ومجالس سماع، فهي مدينة صوفية بامتياز، وبها العديد من الموالد والأضرحة والمقامات، كضريح سيدي بومدين المشهور، ومقامات للشيخ عبد القادر الجيلاني»، مضيفًا أن الطريقة البلقائدية اهتمت بالثقافة والفلسفة الصوفية ما جعلها طريقةً للنخبة في الجزائر.

وعن دور الطريقة البلقايدية وطقوسها يرى الباحث في تاريخ الصوفية في الجزائر الدكتور علي نجاري أن «الطريقة الهبرية البلقايدية اهتمت بتعليم القرآن وأصول الدين والتربية الروحية، كما انتشرت بقوة في المجتمع الجزائري، لكنها تشتت بعد دخول بعض الطقوس الغريبة على الدين الإسلامي»، مضيفًا أن هذه الطريقة الصوفية «قد شهدت انحرافات وبعض الخرافات التي تقول بمعجزات الأولياء الصالحين، وتقديس الأضرحة، وتنظيم الولائم والاحتفالات المرتبطة بأساطير قدرة سيدي فلان وعلان»، بحسبه.

وتتلقى الزوايا الصوفية في الجزائر الدعم الكامل من سلطات الدولة على الكثير من الأصعدة، ويتمتع شيوخها بـ«البطاقة الخضراء» في التصرف، وهذا ما فسر الحفاوة التي استقبل بها بوتفليقة نجل مؤسس الطريقة البلقايدية محمد عبد اللطيف بلقايد أثناء تدشينه مقر الزاوية البلقايدية قبل أيام، في وقتٍ يشغّل 90% من المتخرجين من مدارسها القرآنية أئمة في مساجد البلاد.

وللتقرب أكثر من الطريقة البلقايدية تحدّث «ساسة بوست» إلى الشيخ مبخوت محمد شيخ زاوية «العسكري»، إحدى الزوايا السالكة للطريقة الهبرية البلقايدية، الذي قال إن الطريقة البلقايدية من الطرق المتفرعة عن الطريقة الشاذلية، والتي هي الطريقة الأمّ لمجمل الطرق الثلاثين المريدة بالجزائر، وأنّ البلقايدية تعمل على ردع التطرف والتشّيع، كما أنّها مبنية على المذهب المالكي، ويتواجد مريديوها في كل شبر من الجزائر، وتعمل على توعية الشباب من خلال المساجد بضرورة الابتعاد عن التطرف.

جديرٌ بالذكر أنّ عبد القادر باسين رئيس المنظمة الوطنية للزوايا الطرقية (أكبر تجمع للطرق الصوفية في الجزائر)، قال إن الزوايا الطرقية الجزائرية كانت وما زالت تدعم الرئيس بوتفليقة، وذلك منذ وصوله للرئاسة سنة 1999، وكانت من الأوائل الذين طالبوا بترشحه إلى ولاية رئاسية رابعة سنة 2014، ولا تزال تراه قادرًا على مواصلة الحكم، ولذلك تدعوه إلى الترشح لولاية خامسة في 2019.

تلمسان.. نقطة الالتقاء بين البلقايدية وبوتفليقة

مما يشاع في الجزائر أنّ الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة ينتسب إلى الطريقة «البلقايدية الهبرية»، بحكم توافق مسقط رأسه تلمسان مع معقل الطريقة البلقايدية، كما تشير الروايات المتواترة حول سيرة الرئيس الجزائري بوتفليقة إلى أن أحد الأشخاص الأوائل الذين شاهدوا بوتفليقة عندما كان رضيعًا ساعاتٍ فقط بعد ولادته كان شيخ الزاوية الهبرية في مدينة وجدة المغربية، والتي تفرعت عنها الزاوية البلقائدية، وتقول الرواية نفسها –التي لم نتمكن من التأكد من صحتها- إن شيخ الزاوية الهبرية أوصى بتسميته عبد العزيز، ومنذ ذلك اليوم بدأت قصة الرئيس مع الزوايا وشيوخ الزوايا.

وفي طفولته التحق بوتفليقة بكتاب الزاوية البلقايدية في وجدة المغربية، حيث حفظ ما تيسر له من القرآن الكريم، وبعد الاستقلال، وخلال فترة حكم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين انقطعت علاقة بوتفليقة الذي كان يشغل منصب وزير خارجية آنذاك بالطريقة البلقايدية؛ بسبب توجه بومدين المعارض جزئيًّا للصوفية، لكن هذا لم يمنع بوتفليقة من السعي من أجل استرجاع أراضي الوقف التابعة للزوايا في الغرب الجزائري التي كان بومدين قد أممها من خلال مشروعه الثورة الزراعية.

علاقة بوتفليقة بالطريقة البلقايدية استمرت بعد وفاة مؤسسها محمد بلقايد سنة 1998، فبعد جلوسه على كرسي الرئاسة أعاد بوتفليقة نفض الغبار عن الصوفية وطرقها خصوصًا البلقايدية، وهو ما تؤكده الأستاذة والباحثة في الطرق الصوفية ويزا جاليز بأنّ الطرق الصوفية بما فيها البلقايدية أفرغت من محتواها ودورها وبقيت مجرد هياكل بدون روح خلال العشرية السوداء، إلى أن قدم بوتفليقة فأعاد لها الروح وأحياها من جديد، وإلى أن قام منتصف شهر مايو (أيار) بتدشين مقرٍ لها في العاصمة الجزائر.

الصوفية.. يد السلطة في الجزائر في مواجهة السلفيين

في تحدٍ منه للسلطة بالجزائر أصدر مفتي السلفيين في الجزائر الشيخ محمد فركوس أواخر شهر مارس (آذار) الماضي ضمن كلمته التي ينشرها شهريًّا على موقعه الرسمي، فتوى قدّم فيها ما يعتبرها شروطًا للانتساب إلى أهل السنة والجماعة، وأخرج من خلالها مريدي الصوفية من أهل السنّة والجماعة، وهي الفتوى التي أغضبت السلطة؛ ما جعل وزير الشؤون الدينية الجزائري «محمد عيسى» يردّ على فركوس حينها أن «الدولة ستتولى مواجهة هذه الأفكار النحلية، والطائفية، التي تحاول تقسيم المجتمع بعيدًا عن انتمائه إلى السنة والجماعة، وهدد بتطبيق القانون على أصحابها».

وأضاف الوزير أنه «مطلوب من المساجد والزوايا والمدارس القرآنية العمل على تعزيز السلم الذي استقر في الجزائر بعد سنوات من العنف والإرهاب بفضل تضحيات قوات الأمن والمواطنين، وبفضل سياسة المصالحة الوطنية التي اعتمدها رئيس الجمهورية عبر ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، من خلال زرع المحبة والألفة بين أفراد المجتمع، ورفض التصنيف والإقصاء بوصفه منهجًا دخيلًا على المجتمع الجزائري».

وبعد أزيد من شهرين أتى ردّ بوتفليقة على تصريح فركوس، بقيامه بزيارة الزاوية البلقايدية وتدشين مقرها في العاصمة الجزائر، والحديث إلى شيخها عبد اللطيف بلقايد، وهي الخطوة التي اعتبرها وزير الشؤون الدينية محمد عيسى ردًّا من الرئيس الجزائري على فتاوى فركوس، وأضاف عيسى: «أنّ زيارة بوتفليقة للزاوية البلقايدية هي ردٌ للمشككين في الهوية الوطنية، والذين زعموا أن الصوفية ليسوا من أهل السنّة والجماعة»، وختم عيسى حديثه بالقول: إنّ الصوفية التي يباركها بوتفليقة هي الصوفية السنية التي لا ترتضي غير الكتاب والسنة.

تجدر الإشارة إلى أنّ وزير الشؤون الدينية الجزائري محمد عيسي نقل قبل أسبوعين عن بوتفليقة تحذيره من مخططِ تمزيقٍ طائفيٍّ مذهبيٍّ يستهدف الجزائر، تعدّه مخابرات أجنبية، ودعا من خلاله بوتفليقة إلى الحزم تجاه محاولات هدم المنظومة الفكرية والدينية القائمة على الإسلام الوسطي المعتدل الموروث.

وكانت الصوفية في الجزائر بجميع طرقها الثلاثين من أكثر الداعمين للسلطة في العشرية السوداء؛ إذ يؤكد صوان العيد أستاذ علم الاجتماع بجامعة مستغانم أن الطرق الصوفية «لعبت دورًا بارزًا في مواجهة التطرف والإرهاب أثناء المعارك بين الجيش الجزائري، والإسلاميين في تسعينات القرن الماضي، وقد زاد نفوذها أكثر في هذه المرحلة».

«الجهاد» والصوفية: ما لا تعرفه عن أهل التصوُّف